الأسرى.. الملف المنسي في حرب السودان

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

ولمن لم تتح له فرصة التعرف على كيمياء الحرب، فإن الفكرة التي تتشكل لديه في الغالب ليست لديها صلة حقيقية بالحرب، فلا الأخبار ولا القصص التي تُروى في الأفلام والسينما يمكن أن تضع الإنسان أمام الحقيقة الكاملة للحرب.

فظائع الحرب تُعاش، و”الموت” ليس الفظاعة الأكثر قسوة فيها، فحرب أبريل المشتعلة لأربعة أعوام في السودان، وكأنها كانت قد جمعت في سجلها كل الأرقام القياسية المرتبطة بفظائع الحرب، وقررت أن تكسر أي رقم قياسي مسجل فيها من حيث عدد الضحايا المدنيين، وعدد النازحين واللاجئين، والنساء اللاتي تعرضن للانتهاكات جراء الحرب، والأطفال المهددين بالجوع والمرض.

في نهايات شهر أكتوبر من العام 2024م صدم خبر اختطاف مليشيا الدعم السريع للفنان الشاب/ صفوت الجيلي سكان ضاحية الحاج يوسف شرقي الخرطوم من منزله، ووضعهم أمام حقيقة ألا منجاة لأحد من نيران هذه الحرب. ومنذ ذلك التاريخ لم تعد تتوفر أي معلومات يمكن أن تبعد الخوف والهواجس عن عائلته وأصدقائه، وعن هل أخرجته تلك القوات في معيتها وهي تغادر الخرطوم بحثًا عن جغرافيا جديدة للحرب، أم هي تركته خلفها؟ كلها أسئلة لن نجد لها الإجابة في ملف الأسرى.

(*) الملف الغائب..

وعلى التعقيد الذي يصاحب ملفات حرب السودان، إلا أن المنصات الدولية والإقليمية لم تسكت يومًا عن ملف وقف إطلاق النار بين الجيش والمليشيا، وظل الباب مفتوحًا على مصراعيه لاقتراح الحلول حتى يتوقف الرصاص بهدنة طويلة أو مؤقتة، وكذلك لم يسكت لسان السياسيين والمبعوثين الخواص والمبادرين عن ملف، في زواياه الإنسانية، وهو ملف المساعدات الإنسانية وضرورة دخولها ووصولها للنازحين والمتأثرين بالحرب من المدنيين.

الآليات التي تشكلت في سبيل البحث عن مخاطبة ملفات حرب السودان، “الرباعية” منها أو “الخماسية”، لم تترك ملفًا متعلقًا بالحرب إلا ووضعته ضمن أجندتها التفاوضية، ما عدا ملف “الأسرى”، فلم يأتِ التفاوض ومقترحاته على ذكرهم على الإطلاق.

القصة التي روينا ملامحها أعلاه، وعلى الرغم من المأساة التي فيها، إلا أنها بالضرورة لا تعطي الصورة الكاملة عن الفظاعات التي لازمت ملف الأسرى المنسي في حرب السودان.

في الأشهر الأخيرة، والتي سبقت تحرير الخرطوم، ولكل من عاش تلك الأيام في العاصمة الخرطوم، ستظل هنالك مشاهد ملتصقة بالذاكرة، لها علاقة بأسرى تمكنوا من الفرار من السجون الرسمية للمليشيا، وكذلك غير الرسمية، وهم الأكثر من حيث العدد ومن حيث الانتهاكات والظروف التي تم فيها الأسر والاعتقال، حيث كان ذلك كافيًا جدًا أن تنظر إلى “الموتى” الذين يتحركون بآخر ما لديهم من طاقة بعد رحلة أسر واعتقال طويلة، تعطيك صورة واضحة عن الحياة التي عاشوها خلف الشمس، كأدق توصيف يمكن أن يقال عن عمليات الاعتقال والأسر والإخفاء القسري.

“فوضوية” هذا الملف المنسي من حرب السودان تتمثل في أن كل قوائم المفقودين لا نستطيع أن نتعامل معهم بحسب المعايير الدولية لتصنيف أسرى الحرب أو المحتجزين المدنيين أو المخفيين قسرًا، لأن “المليشيا” كانت تنفذ الاعتقال والاختطاف أولًا، ومن ثم بعد ذلك تبحث عن أسبابه، وكانت سلطة الاعتقال وتنفيذه بيد كل من يحمل البندقية الآلية “الكلاشنكوف”، وهو في ذات الوقت “القاضي” الذي يحدد الأسباب التي تخول له الاعتقال، ويحدد مدته وطريقة ومبررات إطلاق السراح، أو توفير معلومات عن عدد المعتقلين أو مكانهم، بل كان لديه مطلق الحرية في تقرير مصير المعتقل بالقتل والتعذيب، وفضاء الحرب بطبيعته التي ظلت في السودان لم يسمح برفاهية تدخلات منظمات المجتمع المدني التي ترصد وتتضامن وتضغط لإطلاق السراح، وبالتالي فإن تعقيدًا كبيرًا صاحب هذا الملف حتى الآن.

ملف “التفاوض” حول الحرب عمومًا لم يشهد طوال سنواته الأربع أي نوع من الاستقرار، بحيث تكون هنالك إمكانية لفتح كل الملفات ذات العلاقة، ومن ضمنها ملف الأسرى، فكل الذي ظل يحدث هو في حدود المبادرات والنداءات التي لم تشعر بما يعانيه من هم خارج أسوار الأسر والاعتقال، ونعني هنا أسر ضحايا هذا الملف، ناهيك عن المأسورين أنفسهم، وبالتالي فما من مبادرة أو أي محاولة لنقاش هذا الملف في ظل عدم الاستقرار هذا.

السبب الرئيسي لانهيار الهدن المؤقتة والمبادرات المطروحة للحل هو انعدام “الثقة” الكافية بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، وهذا كان كفيلًا بعدم فتح صفحة الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسرًا على الإطلاق، باعتبار أن “الثقة” هي الباب الذي يسمح بتقدم النقاشات حول هذا الملف المهم والحساس.

إطلاق الرصاص المستمر، وسيادة منطق “توازن القوة القلق” في هذه الحرب، دفعا بالملف لأن يكون عبارة عن “ورقة تفاوضية” يتم ادخارها لوقت الحاجة التفاوضية، بغض النظر عن التكلفة الإنسانية لتطاول فترة الأسر والاعتقال.

يضاف إلى ذلك، وللأوضاع التي فرضتها حرب السودان، لم يكن بيد منظمات المجتمع المدني، الوطني منها والدولي، والمهتمة بهذا الملف، أن تعمل آليات الرصد والتوثيق له، ومن ثم تقديم تقارير بالأرقام يمكن التعامل معها، والدفع بها للرأي العام للضغط والتحرك خطوات إيجابية في هذا الملف.

(*) سجن “دقريس”.. الملف الأسود..

وما من أحد يمكن أن يتخيل بأن ما أسمته الإدارة العامة للسجون في العام 2016م “مدينة الخير الإصلاحية” هو ذاته سجن “دقريس” سيئ السمعة مع هذه الحرب، وهو الجغرافيا التي لا يعرف عنها أحد شيئًا مما يدور خلف الأسوار هناك، وعلى بعد 25 كيلومترًا غربي مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور.

“الروايات” المبتورة التي خرجت من شقوق هذا السجن حول ما يعانيه المعتقلون والأسرى داخله أهلته تمامًا ليحمل اسم “أبو غريب دارفور”، فالعدد الكبير للأسرى والمعتقلين بداخله، بمختلف تصنيفاتهم، العسكري منهم والأكاديمي والمدني وجندي المليشيا نفسها، يجعل منه جحيمًا لا يطاق ولا يحتمل، ناهيك عن جملة الانتهاكات التي ترتكب هناك، ابتداءً من التجويع والتعذيب، وانتهاءً بالاغتصاب والقتل والموت جراء الإهمال الطبي، بل ووصلت بعض الروايات من شهود عيان إلى حد “التجارة” والابتزاز بدفع المقابل المالي لإطلاق السراح، وأن هنالك “كارتيلًا” في المليشيا مهمته الأساسية هي طلب فدية في مقابل إطلاق الأسير.

مع وصول هذه الروايات عن سجن “دقريس”، تدخل عائلات الأسرى والمعتقلين في دوامة البحث عن بصيص أمل في أن يصعد هذا الملف إلى سطح عمليات التفاوض والنقاش، وألا يكون أبناؤهم وأزواجهم منسيين إلى هذه الدرجة، والقانون الدولي يكفل لهم حق معرفة مصير المفقودين والمأسورين، وتلك معلومات، بحسب الواقع في “أبو غريب دارفور”، تبدو مستحيلة في ظل السرية والتأمين الشديد المضروب حول هذا السجن.

في حالة حرب السودان يصم العالم أذنيه عما قالته اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، المتعلقة بحقوق الأسرى، وينسى الفظائع المتراكمة هناك في “دقريس” وغيرها من السجون.

جعلت اتفاقية جنيف الثالثة أسير الحرب شخصًا يتمتع بالحماية القانونية الكاملة، وليس غنيمة حرب أو وسيلة للضغط السياسي. وألزمت أطراف النزاع بمعاملته معاملة إنسانية في جميع الأوقات، وحظرت قتله أو تعذيبه أو إهانته أو تعريضه للانتقام، كما أوجبت توفير الغذاء والرعاية الطبية والمأوى الملائم، والسماح له بالتواصل مع أسرته عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنحت الأخيرة حق زيارة أماكن الاحتجاز والاطلاع على أوضاع الأسرى. كما أكدت الاتفاقية أن إطلاق سراح الأسرى وإعادتهم إلى أوطانهم يجب أن يتم دون تأخير بعد انتهاء الأعمال العدائية الفعلية، مع تشجيع الأطراف على عقد اتفاقات خاصة لتبادل الأسرى أو الإفراج عن بعض الفئات منهم حتى أثناء النزاع إذا سمحت الظروف بذلك.

غير مسموح أن يتم استخدام هذا الملف كورقة تفاوضية للضغط، وتجاهل الضحايا إلى هذا الحد دون الالتفات إلى التكلفة الإنسانية العالية لهذه الحرب، كما أنه من غير المقبول حالة “البرود” والكسل من منظمة “الصليب الأحمر” في هذا الملف الحساس.

والسؤال هنا للآليات والمبادرين: طالما أن كل ذلك لم يستطع أن يكون بابًا للتفاوض، فلماذا لا يكون ملف “الأسرى” هو الباب الذي نجرب به أولى خطوات بناء الثقة اللازمة للتفاوض والانتقال إلى مربع إيجابي في التعامل مع ملفات الحرب المعقدة؟

وهل يعني تعثر المفاوضات في الوصول إلى وقف إطلاق النار بأننا يجب أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الكارثة الإنسانية، وألا نحرك ساكنًا فيها؟ أعتقد بأنه لا ارتباط قوي بين الملفين، ومن الممكن جدًا، كما شهدت حروب هذا العالم تجارب متعددة في سياق ملف الأسرى والمحتجزين، أن يبدأ النقاش الجاد حول مصير هؤلاء الأسرى والمحتجزين، ومعرفة مصير المخفيين قسرًا.

قد تكون فكرة المبادرين بالحلول الشاملة للحرب في السودان بأنها الطريق لحل كل الملفات، بما فيها ملف الأسرى، ولفترة من الزمان قد تكون الفكرة منطقية وموضوعية نوعًا ما، إلا أن تطاول أمد الحرب، بل وسقوط المزيد من الضحايا فيها في يد الأسر، يجعل من المنطقي والموضوعي الالتفات إلى هذا الملف، واتخاذ إجراءات عاجلة فيه لتخفيف نتائجه الكارثية. وهنا يأتي دور الإعلام والمجتمع المدني بمنظماته ليدفع بهذا الملف إلى طاولات التفاوض والمبادرات، والتوثيق الدقيق لكل الانتهاكات، ورصد الأرقام، وإبقاء ملف هذه القضية حيًا، لاتخاذ خطوات عملية فيه، وعدم الاكتفاء بصياغة البيانات وتصريحات الشجب والإدانة.

قد لا يستطيع السودانيون اليوم الاتفاق على شكل الدولة أو تقاسم السلطة أو ترتيبات ما بعد الحرب، لكنهم يستطيعون الاتفاق على أن الأم لا ينبغي أن تنتظر سنوات لتعرف هل ابنها حي أم ميت. فإذا عجزت السياسة عن وقف الحرب، فلا ينبغي أن تعجز الإنسانية عن إعادة الأسرى إلى بيوتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى