منى ابوزيد تكتب : فارق توقيت..!

هناك فرق..

“الخوف يا ابن الخوف، لحنٌ ناقصٌ في الضوء، لون قصيدةٍ مُختلَّة. فاذهب لخوفك فيك، وحدك عارياً، من أيَّما كِبَرٍ وأيَّةِ ذلة. يمضي الرمادُ إلى الرمادِ، ودائماً قمرٌ يضيء ونحن بضع أهلَّة”.. الشاعر أحمد بخيت..!

 

 

أحياناً لا يغير مصائرنا القرار الذي اتخذناه، بقدر ما يغيّرها القرار الذي تأخرنا في اتخاذه، فثمة أشياء كان يمكن إنقاذها بقليل من الشجاعة، وأشياء كان يمكن النجاة منها بقليل من الحسم، وبين البقاء الذي جاء في أوانه والرحيل الذي جاء متأخراً يصنع فارق التوقيت نصف الحكاية..!

 

ثمة قرارات لا تغير حياتنا لأنها صحيحة أو خاطئة فقط، وإنما لأنها جاءت في توقيتها. فالقرار نصف الحقيقة، والنصف الآخر هو متى اتخذناه. قد يكون البقاء شجاعةً في لحظة، وجبناً في لحظة أخرى، وقد يكون الرحيل نجاةً إذا جاء في أوانه، وهروباً إذا جاء قبل أن نمنح الأشياء فرصتها الأخيرة..!

 

واللا قرار ليس موقفاً محايداً كما نتوهم. حين لا نختار نسمح للظروف أن تختار عنا، وحين نؤجل حسم علاقة أو شراكة أو طريق، نتصرف كأن الزمن سوف يحفظ لنا الخيارات نفسها إلى الأبد. لكنه لا يفعل. بعض الفرص لا تضيع لأننا اخترنا خطأ، بل لأننا قد تأخرنا في اختيار الصواب..!

 

ولعل أخطر أشكال الجبن ليست أن نخاف، فالخوف غريزة، وإنما أن نجعل خوفنا هو صاحب القرار.

في حكايات الحب، تبدو الشجاعة أكثر التباساً. فالبسالة العاطفية ليست دائماً في الرحيل، كما أن البقاء ليس دائماً ضعفاً. أن تقرر أن تبقى مع من تحب، وأن تنتظر لأن هناك ما يستحق الانتظار، وأن تمنح شراكة ذكية فرصة للنضج بدلاً من إنهائها عند أول اختبار، قد يكون في ذلك شجاعة لا يملكها كثيرون..!

 

فبعض العلاقات لا تحتاج إلى نهاية، وإنما إلى وقت. وبعض الشراكات لا تحتاج إلى شخص آخر، وإنما إلى نضج الشخصين نفسيهما. لكن الانتظار الذي لا أفق له يتحول إلى استنزاف، والبقاء الذي يهدر الكرامة يتحول إلى استسلام. والحب لا يصبح فضيلة حين يطلب منك أن تخسر نفسك كي تحافظ عليه.

وهنا تأتي شجاعة الرحيل..!

 

ليس كل من يهجر شجاعاً. أحياناً نغادر لأننا نخاف مسؤولية الإصلاح، أو نخشى أن نُخذل، أو نريد أن نسبق الخسارة بخسارة نصنعها بأيدينا. وقد ننهي علاقة مع شريك لا يستحق الهجر، فقط لأننا لم نملك شجاعة مواجهة مخاوفنا داخل العلاقة..!

 

والأكثر التباساً أننا كثيراً ما نسمي خوفنا “واقعية”، نختار الشريك الأكثر ملاءمة لا الأكثر محبة، والطريق الأكثر أماناً لا الأكثر معنى، ثم نقنع أنفسنا بأننا عقلانيون، بينما نحن في الحقيقة نخشى أن نقفز في الظلام..!

 

لكن ليست كل قفزة تهوراً، أحياناً يكون القفز في الظلام هو الطريق الوحيد إلى الضوء. فالحياة لا تمنحنا ضمانات كاملة قبل أن نخطو، وبعض الأبواب لا تُفتح إلا بعد أن نمد أيدينا، وبعض الطرق لا تظهر إلا بعد الخطوة الأولى. المشكلة إذن ليست في البقاء أو الرحيل، ولا في الانتظار أو القفز، وإنما في السبب الذي يدفعنا إلى اتخاذ القرار..!

 

أن تبقى لأنك تحب شجاعة، أن تبقى لأنك تخاف الوحدة جبن. أن ترحل لأنك أدركت أن العلاقة لم تعد صالحة شجاعة، وأن ترحل لأنك تخاف أن تُخذل جبن. أن تنتظر لأن هناك ما يستحق الانتظار شجاعة، أن تنتظر لأنك تخشى أن تبدأ من جديد جبن..!

 

ولهذا، ربما يكون السؤال الأصدق قبل أي قرار “هل أنا أختار هذا لأنني أريده، أم لأنني أخاف نقيضه”؟.

فكم من إنسان اختار “الأكثر أماناً” وكان في الحقيقة يختار الأقل مخاطرة على قلبه، وكم من إنسان قال “حسمت أمري” بينما كان يهرب من مسؤولية البقاء، وكم من شخص انتظر اللحظة المثالية حتى اكتشف متأخراً أن اللحظة المناسبة كانت هي تلك التي خاف فيها أكثر..!

 

الحياة لا تعاقبنا دائماً على القرار الخاطئ، أحياناً تعاقبنا على تأخر القرار الصحيح. لذلك ليست الشجاعة أن نعرف دائماً ماذا نفعل، وإنما أن نملك شجاعة التوقف عن الاختباء خلف “لا أدري” . فالخوف لا يجعلنا جبناء، لكن تسليم المقود له يفعل..!

 

وفي الحب ربما تكون البسالة أن تقول لمن يستحق سأبقى، ليس لأنني لا أستطيع الرحيل، بل لأنني أستطيع الرحيل ولكنني أختار البقاء. والكرامة أن تقول لمن لا يستحق سأرحل، ليس لأنني لم أعد أحبك، بل لأنني أحب نفسي بما يكفي كي لا أعيش تعيساً في المكان الخطأ..!

 

وبين البقاء والرحيل، بين الانتظار والقفز، لا يبقى لنا إلا سؤال واحد “هل نحن الذين نختار مصائرنا، أم أننا فقط نختار الأعذار التي تجعلنا قادرين على احتمال مصائر اختارتها مخاوفنا..!

 

كل قرار مؤجل هو قرار يتشكل في غيابنا، فالزمن لا ينتظر ترددنا، والفرص لا تحفظ مقاعدها لمن يخاف الجلوس، والمصير لا يسألنا دائماً ماذا اخترنا، بل ماذا تركنا للخوف كي يختار بدلاً عنا!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى