السودان يحرّك دبلوماسيته في أسمرا:

لقاءات مكثفة مع سفراء دوليين لكشف “التدخلات الخارجية” وتعرية الاستهداف الإثيوبي- الإماراتي
سفراء أفارقة وعرب في أسمرا: استقرار السودان “مصلحة إقليمية مشتركة”
بريطانيا تنتقد أي اعتداءات “تزعزع استقرار السودان والمنطقة”
تقرير _ العودة
شهدت أسمرا خلال الأيام الماضية حراكاً دبلوماسياً سودانياً لافتاً تمثّل في سلسلة لقاءات عقدها سفير جمهورية السودان لدى إريتريا أسامة أحمد عبدالباري مع نظرائه المعتمدين في العاصمة الإريترية شملت سفراء جنوب أفريقيا وروسيا وليبيا وقطر ومصر، إضافة إلى لقاء منفصل مع السفير البريطاني.
وتأتي هذه اللقاءات في إطار مسعى سوداني لإعادة تشكيل المواقف الدولية تجاه التطورات المتلاحقة في البلاد، وتقديم رواية متماسكة حول طبيعة التحديات التي يواجهها السودان، وفي مقدمتها ما تصفه الخرطوم بالاستهداف الخارجي الذي تقف وراءه أطراف إقليمية.
ويعكس هذا التحرك إدراكاً متزايداً لدى صانع القرار السوداني بأن إدارة الأزمة الراهنة لم تعد شأناً داخلياً بحتاً بل باتت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، تستدعي تفاعلاً دبلوماسياً نشطاً ومتعدد المسارات، لا يكتفي بمخاطبة طرف واحد أو محور بعينه.

تحول في الخطاب الدبلوماسي
ركز التنوير الذي قدّمه السفير السوداني لنظرائه على عرض شامل لتطورات الأوضاع الداخلية مع تسليط الضوء على ما اعتبره نمطاً متصاعداً من التدخلات الخارجية التي تستهدف إضعاف الدولة السودانية وتقويض استقرارها.
ويسعى هذا الطرح إلى نقل النقاش من كونه نزاعاً داخلياً إلى كونه أزمة ذات أبعاد إقليمية ودولية، وهو تحوّل مهم في الخطاب الدبلوماسي السوداني إذ يفتح المجال أمام حشد دعم دولي أوسع ويمنح الخرطوم مبررات أقوى للمطالبة بمواقف حازمة من المجتمع الدولي تجاه ما تصفه بالانتهاكات العابرة للحدود.

“من أفريقيا إلى موسكو ولندن”
تكمن أهمية هذه اللقاءات في تنوع الأطراف التي شملتها إذ تمثل الدول المعنية طيفاً واسعاً من التوجهات السياسية والاصطفافات الدولية. فجنوب أفريقيا تُعد فاعلاً مهماً في القارة الأفريقية، وذات تأثير داخل هياكل الاتحاد الأفريقي، بينما تمثل روسيا قوة دولية كبرى ذات حضور متنامٍ في أفريقيا.
في المقابل، تعكس مصر وليبيا وقطر بعداً عربياً وإقليمياً مهماً في معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي ،أما المملكة المتحدة فتمثل ثقلاً دولياً تقليدياً، خاصة في إطار مجلس الأمن، ما يجعل مخاطبتها جزءاً أساسياً من أي جهد دبلوماسي سوداني.

تقارب في المواقف الداعمة لاستقرار السودان
أظهرت اللقاءات مع سفراء جنوب أفريقيا ومصر وروسيا وليبيا وقطر تقارباً في المواقف تجاه دعم السودان حيث عبّر هؤلاء السفراء عن تفهّمهم للتحديات التي تواجهها البلاد، وأكدوا أن أمن السودان واستقراره يمثلان عنصراً أساسياً في استقرار المنطقة ككل. ويعكس هذا التلاقي إدراكاً مشتركاً لدى هذه الدول بأن أي انهيار في السودان ستكون له تداعيات مباشرة على محيطه الإقليمي، سواء عبر تدفقات اللاجئين، أو انتشار الجماعات المسلحة، أو تهديد أمن الممرات البحرية في البحر الأحمر.
ورغم تفاوت درجاته، يشير هذا الدعم إلى وجود أرضية يمكن للسودان البناء عليها لتعزيز موقفه في المحافل الإقليمية والدولية. فجنوب أفريقيا على سبيل المثال قد تلعب دوراً في نقل وجهة النظر السودانية إلى مؤسسات الاتحاد الأفريقي، بينما يمكن لروسيا أن تسهم في دعم مواقف الخرطوم داخل مجلس الأمن، أو في مواجهة أي محاولات لتمرير قرارات لا تتماشى مع مصالحها.
أما مصر وليبيا وقطر، فبإمكانها التأثير في السياق العربي والإقليمي، سواء عبر القنوات الدبلوماسية الثنائية أو من خلال الأطر متعددة الأطراف.

لندن… واتهامات بطائرات مسيّرة إثيوبية ودعم إماراتي للمليشيا
اكتسب اللقاء مع السفير البريطاني بعداً خاصاً نظراً لطبيعة الدور البريطاني المرتقب، إذ ركّز التنوير السوداني فيه على ما وُصف باعتداءات إثيوبية باستخدام طائرات مسيّرة، إلى جانب اتهامات بوجود دعم إماراتي لوجستي ومالي وفي مجال العلاقات العامة لصالح المليشيا المتمردة الإرهابية.
و ركزت اللقاءات على إبراز خطورة استخدام التكنولوجيا العسكرية الحديثة في استهداف البنية التحتية المدنية، بما يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز قانونية وأخلاقية لتحريك مواقف دولية رافضة لمثل هذه العمليات.
وقد جاء الموقف البريطاني منتقداً لأي اعتداءات من شأنها زعزعة استقرار السودان والمنطقة وهو ما يعكس توجهاً حذراً، لكنه في الوقت ذاته يحمل دلالات مهمة، إذ يشير إلى استعداد بريطاني للاعتراف بخطورة التصعيد، دون انخراط كامل في تبني رواية طرف بعينه. ويتسق هذا مع نهج تقليدي في السياسة الخارجية البريطانية يقوم على الحفاظ على هامش من التوازن يتيح لعب أدوار دبلوماسية لاحقة.

رسائل متوافقة… ومكسب دبلوماسي أولي للخرطوم
اللافت في مجمل هذه اللقاءات هو وجود تلاقٍ وتوافق في الرسائل الأساسية التي تلقاها السفير السوداني في أسمرا، والمتمثلة في التأكيد على أن استقرار السودان يمثل مصلحة إقليمية ودولية، وأن أي تصعيد عسكري أو تدخل خارجي من شأنه أن يفاقم الأوضاع في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة استراتيجية. وحتى وإن ظل هذا التوافق في حدوده العامة، فإنه يمثل مكسباً دبلوماسياً للسودان، إذ يوفر له قاعدة يمكن البناء عليها في تحركاته المستقبلية.

أسمرا كمنصة، وتنويع التحالفات كاستراتيجية
من منظور استراتيجي، يمكن قراءة هذه اللقاءات كجزء من محاولة سودانية لإعادة التموضع في النظام الإقليمي، عبر تنويع العلاقات وتجنّب الارتهان لمحور واحد، وهو ما يعكس إدراكاً لطبيعة النظام الدولي الراهن الذي يتسم بتعددية قطبية نسبية، تتيح للدول الأفريقية مساحة للمناورة واستثمار التنافس بين القوى الكبرى لصالحها.
كما يحمل اختيار أسمرا موقعاً لهذه التحركات دلالات إضافية، إذ باتت إريتريا تمثل منصة مهمة للتواصل الدبلوماسي في القرن الأفريقي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية. وهذا العامل يمنح التحرك السوداني بعداً عملياً، إذ يتيح له الوصول إلى عدد من الفاعلين المؤثرين في موقع جغرافي وسياسي ملائم.
اختبار قادم: من الدعم اللفظي إلى المواقف العملية
في ضوء ما تقدّم فإن نجاح السودان في توظيف هذه اللقاءات سيبقى مرهوناً بقدرته على تحويل الدعم اللفظي إلى مواقف عملية، سواء في شكل بيانات رسمية، أو تحركات داخل المنظمات الدولية، أو دعم في مجالات فنية وأمنية.
وفي المحصلة تمثل هذه اللقاءات خطوة مهمة في مسار الحراك الدبلوماسي السوداني، وتعكس وعياً بأهمية العمل الخارجي في إدارة الأزمات الداخلية ذات الأبعاد الإقليمية. كما تشير إلى وجود مساحة من التعاطف الدولي مع السودان، يمكن البناء عليها لتعزيز موقفه، شريطة أن تُستثمر بشكل منهجي ومدروس يأخذ في الاعتبار تعقيدات البيئة الإقليمية وتباين مصالح الفاعلين الدوليين.




