مجلس التنسيق.. طوق إعمار و ركيزة أمن .. شراكة استراتيجية تحولية بين الرياض والخرطوم

الخارجية السودانية: علاقات متنامية وتطلعات مشتركة ومرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي
الوكالة السعودية: منصة مؤسسية فاعلة لتطوير وتعزيز العلاقات الثنائية
بروف بوب: مجلس التنسيق شراكة استراتيجية لحماية البحر الأحمر
الخبير الاقتصادي سماح: التنسيق السعودي السوداني ركيزة لإعادة الإعمار والتكامل
د. سهير صلاح: المجلس التنسيقي يفك عزلة السودان الاستثمارية
الفضيل: مجلس التنسيق يكسر عزلة السودان الاقتصادية
تقرير: امين احمد
شكل إعلان تأسيس “مجلس التنسيق السعودي – السوداني” بالعاصمة الرياض محطة فارقة ونقطة تحول جوهرية في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين؛ إذ يضع هذا الإطار المؤسسي الرائد لبنة جديدة لبناء شراكة استراتيجية متكاملة تتجاوز القوالب الدبلوماسية التقليدية إلى مربع المبادرات والمشاريع التنموية والأمنية المحددة. حيث تتلاقى الإرادة السياسية للقيادتين حول استحقاقات مرحلة مفصلية تشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، مما يجعل من هذا التنسيق مظلة حماية ومحركاً أساسياً لدفع عجلة التعاون، فضلاً عن تعزيز أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وصون المصالح العليا للشعبين.
إعلان وتأسيس
وقع صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله وزير الخارجية السعودي، ومعالي وزير الخارجية والتعاون الدولي بجمهورية السودان محيي الدين سالم أحمد إبراهيم، في مقر الوزارة بالرياض، وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي – السوداني. حيث يأتي إنشاء المجلس انطلاقاً من حرص البلدين على رفع مستوى التعاون والتنسيق بينهما، ليكون منصة مؤسسية فاعلة لتطوير العلاقات الثنائية، وإطاراً يجمع الجهات المعنية من الجانبين للعمل على مخرجات ملموسة من خلال مبادرات ومشاريع ومستهدفات واضحة، بما يعزز التعاون والتكامل، ويحقق تطلعات قيادتي وشعبي البلدين الشقيقين.
10 ملفات على طاولة التعاون
وقالت وكالة الأنباء السعودية “واس”: “وقّع صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وزير الخارجية، ومعالي وزير الخارجية والتعاون الدولي بجمهورية السودان، محيي الدين سالم أحمد إبراهيم، في مقر الوزارة بالرياض، وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي- السوداني”.
وأضافت: “يأتي إنشاء المجلس انطلاقًا من حرص البلدين على رفع مستوى التعاون والتنسيق بينهما، ليكون منصة مؤسسية فاعلة لتطوير وتعزيز العلاقات الثنائية، وإطارًا مؤسسيًا يجمع الجهات المعنية من الجانبين للعمل على مخرجات ملموسة من خلال مبادرات ومشاريع ومستهدفات واضحة، بما يعزز التعاون والتكامل، ويحقق تطلعات قيادتي وشعبي البلدين الشقيقين”.
فيما ذكرت وزارة الخارجية السودانية، في بيان عبر منصة “إكس”، تويتر سابقًا، أن “المجلس يهدف إلى وضع إطار مؤسسي أعلى وأكثر شمولًا لإدارة وتطوير العلاقات الثنائية بين المملكة العربية السعودية والسودان، والارتقاء بها إلى مستوى أوسع من التنسيق والتعاون في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك”.
وأضافت: “يغطي المجلس عشرة ملفات رئيسية تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وغيرها من مجالات التعاون، بما يسهم في توحيد الرؤى وتعزيز الشراكة الرسمية بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري. كما يُنتظر أن يسهم المجلس في تسهيل تنفيذ المشاريع والبرامج المشتركة، ودعم جهود التنمية والاستقرار، وتعزيز المصالح المتبادلة، بما يعكس خصوصية العلاقات السودانية- السعودية وحرص قيادتي البلدين على تطويرها بصورة مؤسسية ومستدامة”.
واختتم البيان بالقول إن “توقيع الاتفاقية يأتي في ظل علاقات متنامية بين الخرطوم والرياض، وتطلعات مشتركة إلى مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي، تستند إلى المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة لمستقبل أكثر استقرارًا ونماءً”.
تحول نوعي
ومن جانبه، يرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي، الأستاذ الدكتور عصام عبد الوهاب بوب، أن توقيع وثيقة إنشاء “مجلس التنسيق السعودي – السوداني” يمثل تحولاً نوعياً يهدف إلى بناء إطار مؤسسي يربط التعاون الثنائي بمبادرات ومشاريع ومستهدفات محددة. حيث يؤكد د. بوب أن قراءة أبعاد هذا المجلس تتطلب تجاوز النظرة الدبلوماسية التقليدية، مشدداً على ضرورة النظر إليه كأداة استراتيجية وإدارية تتعامل مع تعقيدات جيوسياسية واقتصادية واسعة تتقاطع مع أزمات المنطقة وأمن الممرات المائية.
أمن الملاحة
وفي سياق متصل، يوضح بوب أن أمن البحر الأحمر يمثل حجر الزاوية للمصالح الاستراتيجية المتبادلة بين الخرطوم والرياض، لا سيما في ظل التهديدات المتصاعدة لشرايين الملاحة الدولية في باب المندب وخليج عدن. بناءً عليه، يعتبر أن توقيع الاتفاقية بالتزامن مع التحركات الأمنية البحرية الإقليمية يعزز موقع السودان كشريك أمني وموثوق بحكم ساحله الممتد، مما يمنح البلاد مكاسب اقتصادية وضمانات سياسية تدعم استقرارها وتوفر لها مظلة حماية وسط الأزمات الراهنة.
توازنات النفوذ
من ناحية أخرى، وفي تحليله للأبعاد غير المعلنة، يشير البروفيسور عصام بوب إلى أن تأسيس المجلس يرتبط بشكل مباشر بالتنافس الإقليمي المحموم على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي؛ إذ تسعى الرياض عبر هذه المنصة المؤسسية إلى دعم مؤسسات الدولة السودانية والحفاظ على وحدتها. علاوة على ذلك، يضيف أن هذا التنافس يمتد ليشمل السيطرة على الموارد الحيوية والموانئ المحورية مثل ميناء بورتسودان، الأمر الذي يجعل المجلس آلية ملموسة لحماية المصالح الاقتصادية وتأطير الشراكات التنموية.
محاور إقليمية
كذلك، يتناول بوب زاوية أخرى في تحليله، مشيراً إلى تشابك أهداف هذا المجلس مع تحولات أوسع تضم أطرافاً إقليمية مثل تركيا وباكستان لتشكيل محاور متوازنة في البحر الأحمر. وبالتالي، يرى أن هذا التنسيق المتعدد الأطراف يوفر للسودان والسعودية مرونة أعلى لمواجهة الضغوط الخارجية، فضلاً عن فتح آفاق جديدة للتعاون العسكري والاقتصادي والتجاري بما يدعم استقرار سلاسل الإمداد.
رهان التنفيذ
ويختتم الأستاذ الدكتور عصام بوب إفادته بالتأكيد على أن نجاح هذا المجلس يظل مرهوناً بقدرته على التحول من مجرد إطار دبلوماسي إلى واقع تنفيذي يثمر عن مشاريع تنموية ملموسة. وبناءً على ذلك، يجزم بأن المجلس يشكل في مداه القريب شريان حياة سياسياً واقتصادياً للخرطوم، شريطة أن يمتلك الشركاء القدرة الكافية على إدارة التحديات الميدانية وتوظيف الفرص الاستثمارية بما يخدم المصالح الاقتصادية العليا للشعبين الشقيقين.
تحولات هيكلية
وإلى ذلك، كشف الخبير الاقتصادي، الأستاذ سماح الفاتح، عن أن المنطقة تشهد تحولات هائلة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب إعادة تشكيل التكتلات الدولية والقوى الإقليمية في الخليج العربي والبحر الأحمر. حيث أوضح الفاتح أن قيادتي البلدين درستا بعناية الموقع الاستراتيجي للممر الملاحي، مبينّاً أنه لم يعد مجرد مسار تجاري تعبره نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية فحسب، بل أضحى نقطة ارتكاز تجمع بين الأمن العسكري، والتجارة الدولية، وسلاسل إمداد الطاقة، والأمن الغذائي.
ترتيبات أمنية
وفي السياق ذاته، أشار الفاتح إلى أن تأسيس “مجلس التنسيق السعودي – السوداني” يجيء ضمن ترتيبات أمنية إقليمية ترتكز على تقليل الاعتماد المباشر على القوى الغربية. إذ أعلنت الرياض عن تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، تلا ذلك إبرام اتفاقيات دفاعية مع قوى إقليمية. بناءً على ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أن إعلان المجلس يمثل خطوة تنفيذية استباقية لمواجهة الاضطرابات الإقليمية والدولية المتصاعدة.
تكامل تنموي
من ناحية أخرى، استعرض الفاتح الملفات الاقتصادية للمجلس، مؤكداً أنه يعمل كإطار مؤسسي يهدف إلى تحقيق التكامل بين الخرطوم والرياض عن طريق دفع مشاريع إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية والمرافق المتضررة في السودان. علاوة على ذلك، شدد على أن المجلس يركز على استغلال الموارد السودانية الزراعية والحيوانية لتأمين الغذاء، فضلاً عن تطوير قطاعات الطاقة والتعدين لدعم الإمداد الكهربائي واستغلال الثروات المعدنية.
شراكة لوجستية
كذلك، أوضح الفاتح أن التفاهمات المشتركة تولي اهتماماً خاصاً لتحديث الموانئ السودانية المطلة على البحر الأحمر وتطوير الخدمات اللوجستية لزيادة حجم التبادل التجاري. بالتوازي مع ذلك، أشار إلى أن المجلس سيعمل على تنمية الشراكات المصرفية والمالية بين البلدين، الأمر الذي يضمن تسهيل المعاملات الاستثمارية وتوفير التمويل اللازم لأنشطة القطاعين العام والخاص.
مكاسب استراتيجية
اختتم الخبير الاقتصادي سماح الفاتح تصريحه بالتأكيد على أن المجلس يحقق مكاسب سياسية وأمنية متكاملة تتجلى في توحيد الرؤى وتنسيق المواقف الدبلوماسية لدعم استقرار السودان، بما يضمن إدارة العلاقات الثنائية بمستويات عالية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي وصون المصالح الاقتصادية للشعبين الشقيقين.
تحول جوهري
وبدورها، أكدت الأكاديمية وخبيرة العلاقات الدولية، الدكتورة سهير أحمد صلاح، أن الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان والمملكة العربية السعودية والمنطقة برمتها تتطلب تحولاً جوهرياً في طبيعة العلاقات الثنائية. حيث أوضحت أن المستجدات المتسارعة على الساحة الدولية تفرض تعزيز التعاون الشامل في المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية، مشددة على أن الأمن القومي لم يعد ينفصل بأي حال عن الاستقرار الاقتصادي.
مكاسب متبادلة
وفي سياق متصل، ركزت د. سهير على الانعكاسات المباشرة لهذا التنسيق على اقتصاد البلدين؛ إذ يمر السودان بمرحلة إعادة الإعمار التي تتطلب تمويلاً ضخماً لترميم القطاعات المختلفة، في حين تمضي المملكة في تنفيذ رؤيتها الاستراتيجية 2030 وسط تجاذبات إقليمية تؤثر على صناعة النفط وتصديره. بناءً عليه، لفتت الخبيرة إلى حاجة الرياض لمنافذ بحرية آمنة لحماية تجارتها، مشيرة إلى أن المعادل الموضوعي لهذه الشراكة يكمن في امتلاك السعودية للتمويل مقابل تمتع السودان بالموقع الاستراتيجي، والأراضي الخصبة، والمياه العذبة، والثروات المعدنية.
فك العزلة
من ناحية أخرى، أشارت الأكاديمية إلى أن الاقتصاد السوداني ظل عقوداً طويلة مكبلاً بالعقوبات والمقاطعة الدولية التي حرمته من التمويل الخارجي. بالتالي، فإن تأسيس هذا المجلس التنسيقي يفتح آفاقاً واسعة أمام الاستثمارات السعودية الحكومية والخاصة في مجالات الزراعة، والصناعة، والتعدين، والعقارات، فضلاً عن مشاريع البنية التحتية من طرق وكهرباء وطاقة، مما يدعم الاقتصاد الوطني بصورة مباشرة.
جذب الاستثمارات
علاوة على ذلك، شددت د. سهير أحمد صلاح على أن دخول رؤوس الأموال السعودية يعزز ثقة المستثمرين الدوليين في السوق السوداني، الأمر الذي يفتح الباب أمام استثمارات أجنبية متعددة تعزز مبدأ المنافسة وترفع من جودة الخدمات والمشاريع. واختتمت إفادتها بالتأكيد على أن هذه الخطوة المؤسسية ستسهم مباشرة في تسريع تدفق رؤوس الأموال الشقيقة والدولية، بما يدفع عجلة التنمية المستدامة في البلاد.
آفاق المستقبل
يجسد إنشاء مجلس التنسيق السعودي – السوداني إرادة سياسية واعية بمتطلبات المرحلة، ليعلن عن بدء مرحلة جديدة من العمل المؤسسي المنظم القادر على مواجهة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية. إن نجاح هذه المنصة الرائدة يظل مرهوناً بتحويل الرؤى والأطر النقدية إلى مشروعات تنموية وميدانية ملموسة تسهم في إعادة إعمار السودان، وتأمين سلاسل الإمداد في البحر الأحمر، وتأسيس نموذج إقليمي فريد للشراكة التنموية القائمة على المصالح المتبادلة والتكامل الاستراتيجي المستدام.
عزلة مستحكمة
أكد رئيس حزب “بناة المستقبل”، الدكتور فتح الرحمن محمد الفضيل، أن إعلان تدشين “مجلس التنسيق السعودي – السوداني” يمثل خطوة مفصلية تتزامن مع توقيت بالغ الأهمية. حيث أوضح أن السودان واجه تراكمات معقدة من الأزمات الاقتصادية والعقوبات الممتدة، إلى جانب تجميد نشاطه في الاتحاد الأفريقي وتأثره بالتدخلات الإقليمية، مما فرض عليه عزلة سياسية واقتصادية خانقة طوال الفترة الماضية.
وزن ثقيل
وفي هذا الصدد، أشار الفضيل إلى أن المملكة العربية السعودية تتمتع بوزن سياسي واقتصادي استثنائي على الساحتين الإقليمية والدولية بصفتها عضواً في مجموعة العشرين. بناءً عليه، شدد على أن الشراكة مع الرياض ترتكز على روابط تاريخية، وجوار جيوسياسي، وعلاقات شعبية ممتدة، فضلاً عن رؤى مشتركة حيال المستقبل، الأمر الذي يمنح الاقتصاد السوداني دفعة قوية ويفتح شهية القوى الدولية للاستثمار في البلاد.
جاهزية عملية
من ناحية أخرى، اعتبر الفضيل أن توقيع الاتفاقية يمثل انتقالاً مباشراً من مرحلة الإعداد النظري التي استمرت عامين إلى حيز التنفيذ الميداني. تأسيساً على ذلك، دعا المؤسسات الاقتصادية، والغرف التجارية، ورجال الأعمال، ووزارة التجارة السودانية إلى الاجتهاد في تحويل هذا الإطار العريض إلى مشاريع ومبادرات ملموسة، مؤكداً أن الخرطوم تمتلك كافة المقومات لإنجاز مشاريع استراتيجية في مقدمتها الأمن الغذائي العربي.
استحقاق تشريعي
كذلك، يرى رئيس حزب “بناة المستقبل” أن العقبات الميدانية ليست عائقاً أمام المجلس، بقدر ما تتطلب المرحلة تسريع الإصلاحات التشريعية لتهيئة المناخ الاستثماري. إذ أوضح أنه رغم إمكانية إجازة الاتفاقيات عبر الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء في ظل غياب البرلمان، إلا أنه يرى أهمية تشكيل مجلس تشريعي رقابي يتولى سن التشريعات الجاذبة للاستثمار ومتابعة تنفيذ هذه الاتفاقيات الدولية.
تأثير إقليمي
اختتم الدكتور فتح الرحمن الفضيل إفادته بالتأكيد على أن الخطوة السعودية ستنعكس إيجاباً على علاقات السودان بدول الخليج والمجتمع الدولي. بما يضمن إرساء حالة من الطمأنينة لدى المستثمرين الأجانب حول ملاءة البيئة الاستثمارية في البلاد، ومشيراً إلى أن ثقل الرياض يسهم مباشرة في إحداث تطبيع اقتصادي واسع يُعيد السودان إلى المنظومة الاقتصادية العالمية.




