الخبز يشتعل.. والجيوب تحترق

كمال كرار: المعالجات الحالية مؤقتة ولن تؤدي إلى خفض الأسعار
الخرطوم– هيام المغربي

رغم انفراج أزمة الوقود واستقرار إمدادات الدقيق، لم تنعكس التطورات على أسعار الخبز في مخابز الخرطوم، التي واصلت الارتفاع وسط تراجع ملحوظ في الإنتاج وضعف القوة الشرائية للمواطنين.
وشكا أصحاب مخابز من ارتفاع متسارع في أسعار الدقيق والجاز والخميرة والزيت، إلى جانب زيادة تكاليف التشغيل والرسوم، مؤكدين أن استمرار الزيادات دفع بعض المخابز إلى تقليص الإنتاج وأخرى إلى الخروج من الخدمة.
وفي المقابل، يجد المواطن نفسه أمام فاتورة معيشية متصاعدة، مع ارتفاع تكلفة الحصول على الخبز، إحدى السلع الأساسية التي لا تستطيع الأسر الاستغناء عنها.
وبينما يطالب أصحاب المخابز بتدخل حكومي لضبط أسعار المدخلات وتوفير الوقود، يرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة تتجاوز الزيادات الآنية، وترتبط بمشكلات أعمق في سياسات إنتاج واستيراد القمح والدقيق، ما يهدد باستمرار أزمة الخبز ما لم تُعالج جذورها.
ارتفاع المدخلات يخفض إنتاج المخابز
وقال مزمل العاليابي، صاحب مخبز العاليابي بالسوق المركزي الخرطوم، إن المخابز تشهد تراجعاً كبيراً في حجم الإنتاج بسبب ضعف القوة الشرائية وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، موضحاً أن مخبزه كان يعمل بنحو 15 جوال دقيق يومياً، قبل أن يتراجع الإنتاج إلى 6 جوالات فقط.
وأشار العاليابي إلى أن سعر جوال الدقيق ارتفع خلال فترة وجيزة من 78 ألف جنيه إلى 85 ألفاً، ثم إلى 105 آلاف، قبل أن يصل إلى 108 آلاف جنيه، إلى جانب ارتفاع أسعار الخميرة والزيت والثلج والجاز، وقال إن هذه الزيادات لم تعد مغطاة في تكلفة الإنتاج.

وأضاف أن أصحاب المخابز يعملون حالياً بهامش ربح ضئيل أو بخسارة، موضحاً أن العائد من الجوال الذي كان يصل إلى نحو 19 ألف جنيه، تراجع إلى 3 أو 4 آلاف جنيه فقط، في وقت يتحمل فيه أصحاب المخابز تكاليف إضافية تشمل سكن وإطعام العمال.
وأوضح أن المواطن لم يعد متقبلاً لارتفاع سعر الخبز، قائلاً إن المخبز يبيع حالياً 3 قطع خبز بألف جنيه، مطالباً الجهات المسؤولة بضبط أسعار الدقيق والجاز وتخفيف الأعباء عن المخابز.
بدوره، قال يوسف أحمد، أحد باعة الخبز المتجولين، إن سعر شراء 100 قطعة خبز ارتفع من 25 ألف جنيه إلى 29 ألفاً، مشيراً إلى أن دخله تراجع بصورة كبيرة مقارنة بالسابق، في ظل تكاليف إضافية تشمل أكياس التعبئة وإيجار الدرداقة ومكان البيع.

وأضاف أن سعر الطاولة التي يشتريها من المخبز ارتفع من 38.5 ألف جنيه إلى 45 ألفاً، داعياً الجهات المسؤولة إلى مراعاة أوضاع المواطنين، والعمل على خفض أسعار الخبز بما يمكن الأسر من توفير احتياجاتها الأساسية.
الخبز يغلو.. والقوة الشرائية تتراجع
من جهته، قال محي الدين الياقوت، صاحب مخبز الياقوت بالسوق المركزي الخرطوم، إن القوة الشرائية ضعيفة، وإن المخابز تواجه أعباء متزايدة بسبب ارتفاع تكلفة الجاز والدقيق ومدخلات الإنتاج.
وأوضح أن مخبزه كان يعمل بنحو 8 إلى 9 جوالات يومياً، لكنه تراجع حالياً إلى 5 جوالات، مبيناً أن سعر جوال الدقيق بلغ 205 آلاف جنيه من دون تكلفة العتالة، فيما وصلت كرتونة الخميرة إلى 190 ألف جنيه، وسعر الزيت إلى 270 ألف جنيه.
وقال الياقوت إن المخبز يبيع حالياً 3 قطع خبز بألف جنيه، مطالباً بدعم الدقيق والجاز، كما اشتكى من تعدد الرسوم والجهات التي تراجع المخابز، مشيراً إلى مراجعات من جهات مختصة بالنفايات والرخص التجارية والصحية والمخالفات العامة.

وفي السياق، قال المواطن محمد عبدالله عمر إن الوضع المعيشي أصبح صعباً، مشيراً إلى أنه ينفق يومياً نحو 15 ألف جنيه لشراء الخبز، مطالباً الجهات المسؤولة بالعمل على تخفيف الأعباء عن المواطنين.
وفي سوبا، خرجت بعض المخابز عن الخدمة بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج. وقال أحمد التوم، صاحب مخبز الحرمين بسوبا شرق، إن الزيادة في أسعار مدخلات الإنتاج وتكاليف التشغيل أدت إلى انخفاض الإنتاج، بالتزامن مع ضعف القوة الشرائية.
وأشار التوم إلى أن المخبز أصبح يبيع قطعتين بألف جنيه، واصفاً الوضع بالصعب، خاصة في ظل محدودية دخول المواطنين، مطالباً بدعم الدقيق والجاز وتشديد الرقابة على توزيع الدقيق لمنع تسريبه إلى السوق السوداء.
وقالت أم محمد، وهي من سكان المنطقة، إن أسرتها المكونة من سبعة أفراد، بينهم أطفال، تواجه صعوبة في توفير احتياجاتها من الخبز، موضحة أن دخل الأسرة محدود وأن ارتفاع تكاليف المعيشة دفعها إلى الاستغناء عن كثير من الاحتياجات.
وأضافت: «نحن أسرة كبيرة، وعيش بي 20 ما بكفينا، والدخل بسيط والمعيشة غالية جداً»، معربة عن أملها في تحسن الأوضاع، ومؤكدة أن الأمن يمثل أولوية للأسر.

مخابز تخرج من الخدمة والمواطن يدفع الثمن
وكان مخبز الرحاب قد خرج عن الخدمة بسبب ارتفاع سعر الدقيق ومدخلات الإنتاج، في وقت تتزايد فيه الضغوط على قطاع المخابز بفعل ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف القوة الشرائية.
أزمة التخطيط
وقال الخبير الاقتصادي د. كمال كرار إن أزمة الخبز الحالية ليست مرتبطة بصورة أساسية بصعود الدولار أو انهيار الجنيه، وإنما تعكس أزمة في التخطيط الاقتصادي، مشيراً إلى عجز السودان عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح رغم اتساع المساحات الزراعية وتوفر المياه.
وأوضح كرار أن استمرار هذا الوضع يجعل الأمن الغذائي معرضاً للخطر، معتبراً أن الأزمة الراهنة جاءت نتيجة سياسات رفعت الدعم عن الدقيق والقمح وتركت الاستيراد وتحديد الأسعار لمجموعة من التجار، إلى جانب الرسوم والجبايات المفروضة على المخابز وارتفاع أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج.
وأشار إلى أن المعالجة الحالية مؤقتة ولن تؤدي إلى خفض أسعار الخبز، وحتى في حال تراجع السعر، فإن ذلك قد يأتي على حساب أوزان الخبز، بما يجعل المواطن في نهاية المطاف هو من يدفع تكلفة الأزمة.
ودعا كرار الحكومة إلى تولي مسؤولية استيراد الدقيق باعتباره سلعة حيوية واستراتيجية، والعمل على دعمه، إلى جانب الاهتمام بالزراعة وزيادة إنتاج القمح وخفض تكلفة إنتاجه، وصولاً إلى تقليل فاتورة الاستيراد وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.




