حلاوة العودة
اعداد/ سراج الدين مصطفى

من عذوبة الغناء إلى رحابة المديح
الجيلي الشيخ .. من ظلال وردي إلى أنوار البرعي
البدايات الفنية:
امتلك الجيلي الشيخ صوتا دافئا ومقدرات أدائية لافتة جعلته واحدا من الأصوات التي استرعت الانتباه خلال تسعينيات القرن الماضي فقد جمع بين عذوبة الصوت والطرب والقدرة على التعامل مع الألحان الصعبة وهو ما منحه حضورا فنيا مميزا ومهد أمامه الطريق لبناء تجربة غنائية واعدة.
مدرسة وردي:
ارتبطت تجربة الجيلي الشيخ بأغنيات الفنان محمد وردي الذي يمثل مدرسة فنية تحتاج إلى إمكانات صوتية خاصة وحس موسيقي عال وقد استطاع الجيلي أن يؤدي أعماله ببراعة واضحة مستوعبا طبيعة ألحانها ومتفاعلا مع مساحاتها التعبيرية ليقدم نموذجا للمغني الذي يتعامل مع الأغنية بوعي واقتدار.
ملامح الطرب:
لم يكن تميز الجيلي الشيخ قائما على جمال الصوت وحده بل امتد إلى قدرته على تطويع صوته لخدمة المعنى وإضفاء الروح الطروبة على الأداء فقد امتلك خامة صوتية قادرة على ملامسة الوجدان وهو ما جعله مؤهلا للانتقال من أداء تجارب الآخرين إلى البحث عن شخصيته الفنية المستقلة.
مشروع غنائي:
في مرحلة من مسيرته اتجه الجيلي الشيخ إلى تقديم أغنياته الخاصة في خطوة عكست رغبته في تأسيس مشروع غنائي يحمل اسمه ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن قدراته وقد بدا حينها كأنه يمضي نحو مستقبل واعد خاصة أن حضوره خلال التسعينيات كان يفتح أمامه احتمالات متعددة للانتشار والتطور.
منعطف روحي:
شهدت مسيرته تحولا لافتا حين اتجه إلى المديح النبوي متأثرا بالشيخ عبدالرحيم البرعي الذي ترك حضورا عميقا في الوجدان السوداني وفتح أمام كثيرين أبواب هذا اللون الروحي وقد مثل هذا التحول انتقالا من فضاء الأغنية إلى رحابة الإنشاد الديني بما يحمله من معان وجدانية وإيمانية.
سر التحول:
لم يكن انتقال الجيلي الشيخ إلى المديح مجرد تغيير في نوعية النصوص التي يؤديها بل بدا وكأنه اكتشاف جديد لوظيفة صوته وقدراته التعبيرية فالصوت الدافئ الذي خدم الأغنية استطاع أن يتكيف مع طبيعة المديح ومقاماته الروحية ويمنح الكلمات مساحة من الخشوع والتأثير القريب من قلوب المستمعين.
براعة المديح:
أظهر الجيلي الشيخ تمكنه من أشكال متعددة في المديح النبوي مستفيدا من خبرته الغنائية ومرونة صوته وحسن أدائه وهي عناصر ساعدته على تقديم هذا اللون بقدرة لافتة وقد وجد في المديح مجالا رحبا لتوظيف موهبته مع المحافظة على الخصوصية التعبيرية التي ميزت صوته منذ بداياته الفنية.
سيرة إنسانية:
إلى جانب موهبته الفنية ارتبط اسم الجيلي الشيخ بالالتزام وحسن الخلق والابتعاد عن الخصومات وهي صفات تمنح سيرته بعدا إنسانيا يستحق التوقف عنده وتظل تجربته جديرة بالتوثيق بوصفها رحلة فنان امتلك مقومات الغناء ثم اختار المديح طريقا لمواصلة العطاء مستندا إلى صوت محبب وروح هادئة.
///////////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
محمد يوسف موسي .. يا أخر حب وأول
قيمة شعرية :
لم يكن محمد يوسف شاعرا يكتب على عجل أو يكتفي بالتقاط المعنى القريب بل امتلك قدرة واضحة على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة رفيعة تتوازن فيها الفكرة والعاطفة وتمنح الأغنية مساحة أوسع من التعبير وكان غزير العطاء متنوع الموضوعات ويعرف كيف يترك للكلمة جمالها وطاقتها داخل اللحن وبصيرة فنية واضحة.
لغة أنيقة :
تبدو قيمة محمد يوسف في أنه لم يتعامل مع الشعر الغنائي باعتباره كلاما يضاف إلى الموسيقى بل شريكا أساسيا في صناعة الأغنية لغته أنيقة ومشدودة وفيها موسيقى داخلية تجعل العبارة قابلة للغناء دون أن تفقد معناها أو تتحول إلى زخرفة لفظية تستعرض البلاغة على حساب الإحساس وتخدم وجدان المستمع السوداني.
صلاح البادية :
مع صلاح بن البادية كتب محمد يوسف أغنيات كشفت عن انسجام بين شاعر يعرف حساسية الكلمة ومطرب يمتلك أدوات الأداء والتلوين وفي كلمة وفات الأوان وصدفة عجيبة تظهر قدرة النص على حمل الانفعال من غير مبالغة وعلى بناء صورة عاطفية قريبة من الناس ومتصلة بتجاربهم اليومية دون افتعال أو مباشرة.
محمد وردي :
ومع محمد وردي جاءت عذبني لتؤكد أن الكلمة الجيدة تستطيع أن تلتقي بصوت كبير ولحن يفتح أمامها آفاقا جديدة لم تكن العلاقة بين النص والأداء مجرد توافق عادي بل تفاعل يمنح المفردة نبرة أخرى ويجعل المعنى أكثر اتساعا ويكشف كيف يمكن للشاعر أن يترك مساحة للموسيقى كي تكمل قوله وتمنحه أبعادا.
عثمان حسين :
أما الدرب الأخضر التي غناها عثمان حسين فتضعنا أمام جانب آخر من حساسية محمد يوسف وقدرته على كتابة نص ينساب في الوجدان بهدوء وعمق وفي صوت السماء مع سيد خليفة تتجلى مرونته في الانتقال بين الحالات التعبيرية مع الاحتفاظ بملامح لغته الخاصة ووضوح صورته الشعرية وتنوع قاموسه الشعري الغنائي المتجدد.
مثقف وصحفي :
لم تنحصر تجربة محمد يوسف في كتابة الأغنيات وحدها فقد كان مثقفا وصحفيا ومحررا يدرك صلة الإبداع بالحياة العامة ويتابع حركة الثقافة وأسئلتها هذه الخبرة وسعت نظرته إلى اللغة ومنحته وعيا بالتفاصيل وبطريقة وصول النص إلى الناس لذلك بدت كلماته محكمة من دون أن تفقد عفويتها وفي احترام عقل القارئ.
اتحاد الشعراء :
وترؤسه اتحاد الشعراء يشير إلى حضوره في المجال الثقافي وإلى مسؤولية تجاوزت حدود تجربته الشخصية كان الشعر عنده مساحة للحوار بين المبدعين ومجالا لحفظ مكانة الكلمة في الحياة السودانية ومن خلال موقعه وخبرته ظل جزءا من المشهد الذي تتجاور فيه الكتابة والصحافة والعمل الثقافي وتطوير أدوات التعاون والتواصل بين الشعراء.
رحيل موجع :
رحيل محمد يوسف خسارة ثقافية وجمالية لأن السودان فقد شاعرا أسهمت كلماته في تشكيل ذاكرة الأغنية ورفدها بنصوص تستحق الإنصات والقراءة وتبقى الحاجة قائمة إلى توثيق تجربته ودراسة لغته وعلاقاته بالملحنين والمطربين حتى تتعرف الأجيال الجديدة إلى شاعر صنع مكانته بالكلمة الرفيعة والعمل المتواصل وهذا واجب على المؤسسات والباحثين والقراء.
/////////////////
نص كلمة
هدى عربى .. اعلان الخرطوم آمنة
عودة متجددة :
عادت الفنانة هدى عربي لتعانق مسارح الخرطوم بعد غياب طويل فرضته ظروف الحرب والنزوح التي ألقت بظلالها على المشهد الفني السوداني وأبعدت كثيرا من الفنانين عن جمهورهم. وتمثل عودتها لحظة تستحق التوقف عندها باعتبارها واحدة من الأصوات التي احتفظت بحضورها الجماهيري وقدرتها على استقطاب المحبين رغم قسوة الظروف.
نجومية راسخة :
اللافت في تجربة هدى عربي أنها لم تفقد بريقها رغم سنوات الاضطراب والابتعاد عن مسارح العاصمة حيث ظلت نجوميتها حاضرة في وجدان جمهورها وظلت أغنياتها تتردد بين الناس. وهذه الجماهيرية تكشف عن علاقة خاصة تربطها بمستمعيها وتؤكد أن الفنان الحقيقي يستطيع الحفاظ على مكانته متى امتلك القبول والحضور والتواصل.
رسالة الخرطوم :
لكن عودة هدى عربي إلى إحياء الحفلات في الخرطوم تفتح بابا مهما للنقاش حول واقع الأمان في العاصمة السودانية فإقامة الحفلات مؤشر على عودة بعض مظاهر الحياة لكنها لا تكفي وحدها للحكم بأن الخرطوم أصبحت آمنة تماما. فالأمان الحقيقي تقيسه حياة المواطنين واستقرارهم وقدرتهم على العيش دون خوف.
///////////////////
أسماء فى الذاكرة
أحمد المصطفى:
يمثل تجربة غنائية تأسست على الأناقة في الأداء والقدرة على انتقاء الألحان التي تمنح الصوت مساحة للتعبير فقد امتلك أسلوبا خاصا في تقديم الأغنية العاطفية وصنع علاقة مميزة بين بساطة المفردة ورقي اللحن وتحتاج تجربته إلى قراءة تكشف دوره في تشكيل الذائقة الغنائية السودانية وتطورها عبر الأجيال.
إبراهيم عوض:
فنان أحدث تحولا مهما في مسار الغناء السوداني بصوته القوي وشخصيته الأدائية المختلفة وقدرته على تقديم الأغنية بإيقاع حيوي وحضور جماهيري واسع ولم يكن نجاحه قائما على الصوت وحده بل على فهمه لطبيعة الأداء والتواصل مع الجمهور وتستحق تجربته دراسة تكشف أسباب استمرارية تأثيره في الذاكرة الفنية السودانية.
أحمد الجابري:
امتلك صوتا يحمل حساسية خاصة في التعامل مع النصوص العاطفية وتميز بقدرته على تقديم المعاني بهدوء وعمق بعيدا عن الاستعراض الصوتي وكانت تجربته قائمة على التوازن بين جمال الصوت وصدق التعبير واختيار الألحان التي تناسب شخصيته الفنية وتحتاج أعماله إلى قراءة تكشف خصوصية مدرسته ومكانته بين كبار المطربين السودانيين.
أبوعركي البخيت:
تجربة فنية تجاوزت حدود الطرب التقليدي لتقدم نموذجا للمغني الذي يلتقي فيه الإبداع بالوعي الإنساني وقد استطاع أن يمنح الأغنية أبعادا تعبيرية ترتبط بالوجدان والأسئلة الاجتماعية والوطنية كما حافظ على استقلال شخصيته الفنية وتستحق مسيرته قراءة تتناول اختياراته الشعرية وتنوع ألحانه ومواقفه من التحولات السودانية.
صلاح بن البادية:
فنان جمع بين جمال الصوت والقدرة على التنقل بين المدارس الغنائية المختلفة مع احتفاظه بملامح أدائية تميزه عن غيره وقد أسهم في تقديم أعمال رسخت حضوره في الوجدان السوداني وتستحق تجربته دراسة تتناول علاقته بالتراث والتجديد وخصائص صوته وطريقته في بناء الجملة الغنائية وتوصيل إحساس النص إلى المستمع.
//////////////



