حلاوة العودة
اعداد/ سراج الدين مصطفى

يطارد الخوف بالأخبار ويبث الطمأنينة
أحمد صبري .. وكالة أنباء في هاتف بسيط
إعلام شعبي :
لم يصنع أحمد صبري حضوره من استديو مجهز أو غرفة أخبار واسعة بل من هاتف بسيط حمله إلى قلب المشهد وصار نافذته إلى الناس. ومن خلاله تابع ما يجري في الخرطوم ونقل الأخبار والصور والانطباعات فبدا كأنه وكالة أنباء تتحرك في جيب صاحبها وتصل إلى جمهور ينتظر المعلومة كل يوم.
تجربة الحرب:
حكاية الرجل لا تختصرها سيرة وظيفية تقليدية بقدر ما تكشفها تجربة فرضتها الحرب وأسئلة الناس اليومية. لم يكن المطلوب مجرد معرفة ما حدث بل فهم ما يدور في الشارع وما إذا كانت الحياة قادرة على استعادة إيقاعها. هنا وجد أحمد صبري مساحة لدور إعلامي شعبي يتجاوز النشر للناس.
هاتف بسيط :
لم يكن الهاتف في يده أداة اتصال فحسب بل غرفة تحرير متنقلة يلتقط بها التفاصيل ويرتبها ثم يضعها أمام متابعيه. ومع تتابع الرسائل والمشاهدات اتسعت دائرة حضوره حتى صار كثيرون يتعاملون معه بوصفه مصدرا قريبا من المكان والناس في زمن شحت فيه المعلومات الموثوقة في قلب الأحداث وعلى مدار الأيام.
بث الطمأنينة:
قيمة ما يقدمه أحمد صبري لا تقاس بعدد المنشورات وحده بل بما أحدثه من طمأنينة لدى أشخاص أنهكهم الخوف والانتظار. كان يتابع نبض الشوارع وينقل ما يراه ويسمعه بلغة مباشرة تمنح المتلقي إحساسا بأن الخرطوم ليست خبرا بعيدا وأن وراء الصورة حياة تحاول أن تستمر يوميا في تلك الظروف الصعبة.
طمأنينة الناس :
في أوقات الحرب تصبح المعلومة جزءا من احتياجات الناس الأساسية وقد تتحول الكلمة إلى نافذة يتنفس منها الخائفون. ومن هنا اكتسب حضوره معنى يتجاوز التغطية الخبرية إذ ساعدت رسائله على تبديد بعض المخاوف وإعادة وصل المقيمين والنازحين بأحيائهم وبيوتهم وتفاصيل مدينتهم التي غابت عن أعينهم طويلا وسط غياب اليقين اليوم.
مؤسسة إعلامية:
لم ينتظر أحمد صبري مؤسسة إعلامية تمنحه الصفة أو الإمكانات بل صنع من المتاح مساحة عمل مفتوحة. وهذه هي دلالة تجربته الأهم فالإعلام في جوهره مسؤولية تجاه الناس وقدرة على الإصغاء والتحقق والنقل. وحين يغيب الصحفي المحترف عن بعض المواقع يصبح حضور المواطن الواعي مهما وضروريا دائما.
قرار العودة :
أسهمت رسائله في تشجيع كثيرين على التفكير في العودة إلى الخرطوم بعدما وصلتهم صورة أكثر قربا عن أحوال الشوارع والحياة اليومية. ولا يعني ذلك أن قرار العودة يصدر عن منشور أو أن المخاطر انتهت بل إن الاطمئنان النسبي والمعلومة المتاحة قد يساعدان الأسر على تقدير خياراتها بقدر أكبر وبصورة مسؤولة.
التأثير الإعلامى:
تظل تجربة أحمد صبري جديرة بالتأمل لأنها تذكر بأن التأثير الإعلامي لا يحتاج دائما إلى معدات ضخمة أو منصات كبيرة. لكنه يحتاج إلى حس بالمسؤولية ودقة في نقل الوقائع وإدراك لثقل الكلمة. وبين الهاتف والشارع تشكلت تجربة شعبية تستحق التوثيق والنقد والإنصاف وتفتح بابا واسعا للتفكير في الذاكرة العامة السودانية.
//////////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
صلاح بن البادية.. كيف جعل من العبير أغنية تسكن الوجدان
همس العبير:
في وشوشني العبير يفتح أبو آمنة حامد نافذة على لحظة حب تتسلل من الحواس قبل أن تستقر في القلب فالعبير هنا ليس رائحة فحسب بل رسول يوقظ الوجدان ويقود صاحبه إلى نشوة لا يملك ردها ومنذ المطلع تبدو الطبيعة شريكة في الحكاية وصوتا خفيا يعلن حضور المحبوبة منذ أول سماع.
رعشة الحرير:
يقول الشاعر وشوشني العبير فانتشيت وساقني الهوى فما أبيت وفي هذه الصورة يتحول العبير إلى كائن يهمس ويقود بينما يصبح العاشق مستجيبا لنداء لا يقاوم ثم تأتي يد الحرير لترسم ملمسا رقيقا ترتعش له الكف وتفيض العين بالبكاء في مفارقة تجمع اللذة والارتباك وصدق الانفعال في لحظة لا تنسى أبدا.
صبية العطر:
وتتسع اللوحة حين يصف المحبوبة بصبية العطر ويضع الرغبة أمام سؤال الضمير أمذنب أنا إذا اشتهيت فالسؤال لا يطلب إجابة بقدر ما يكشف دهشة العاشق من قوة انجذابه أما السفر في عينيها دهورا فيمنح النظرة زمنا مفتوحا لا تنتهي رحلته ولا تبلغ العين بعده ارتواءها في فضاء الشوق والانتظار الدائم.
جدائل الليل:
وفي صورة جدائل الليل على كتفيها يبتعد أبو آمنة عن الوصف المباشر ويستدعي الليل بما يحمله من سحر وامتداد ليجعل الشعر فضاء يحيط بالعاشق ويضلل خطاه هنا تتداخل الصورة البصرية مع الإحساس بالحيرة فلا يعود الجمال منظرا يتأمله بل تجربة تسكن الجسد وتربك الطريق في عتمة الشوق وفتنة الانتظار الطويل.
ريشة اللحن:
أما صلاح بن البادية فيلتقط هذه الصور بحس ملحن يعرف كيف يحول الكلمة إلى مشهد مسموع فلا يكتفي بتزيين النص بالأنغام بل يمنح عباراته مساحات تتنفس فيها الدلالات ويتقدم اللحن مع حركة القصيدة من همس العبير إلى رعشة اليد ثم اتساع الدهشة أمام عيني المحبوبة بكل هدوء وثقة ووعي فني.
سحر الأداء:
تبدو قدرة صلاح في اختياره لحنا يوازن بين رقة الاعتراف وحرارة الوجد فلا يندفع إلى انفعال صاخب ولا يترك الكلمات باردة وقد ساعده صوته المميز على تجسيد هذا التدرج فكل جملة تحمل إحساسها وتؤدي معناها فيما تظل الجملة اللحنية قريبة من روح المفردة وإيقاعها الداخلي في أدق تفاصيل هذا الأداء.
بوح القيثار:
وعندما تبلغ القصيدة منطقة السر ينسحب العاشق من أسئلة الناس ويحتفظ بحكايته في القلب ثم يستدعي القيثار ليبوح بما عجز اللسان عن قوله هنا تتكامل الكتابة والتلحين فالموسيقى تصبح لغة بديلة للبوح ويمنح صلاح هذا التحول صدقا مؤثرا دون أن يفسد غموض اللحظة ويترك للمتلقي باب التأويل مفتوحا على مهل.
حنين الأغنية:
وفي الختام تعود رعشة البكاء التي بدأت بها الأغنية لكن معناها يتبدل فقد صار البكاء هذه المرة استجابة لرقة اللحن وحنين القيثار وهكذا يلتقي أبو آمنة حامد وصلاح بن البادية في عمل تتساند فيه الصورة الشعرية والرؤية الموسيقية وتظل وشوشني العبير شاهدا على جمال هذا اللقاء في الوجدان السوداني الأصيل.
////////////////////////
نص كلمة
احمد وحسين الصادق .. الأخاء الصادق !!
أخوة صادقة:
في مرحلة من مسيرته الفنية استطاع حسين الصادق أن يتقدم في دائرة النجومية متجاوزا شقيقه الأكبر أحمد الصادق في الحضور الجماهيري والانتشار ولم تكن تلك المكانة سببا في فتور العلاقة بينهما بل ظلت المحبة حاضرة وكان أحمد أول الداعمين لتجربة شقيقه الأصغر ومصدر فخر بنجاحه في المشهد الفني السوداني بوضوح.
محبة متبادلة:
ذلك الموقف يكشف جانبا جميلا من شخصية أحمد الصادق الذي تعامل مع نجاح حسين بروح الأخوة الصافية بعيدا عن حسابات المنافسة وضيق الأفق فالفن قد يضع الأشقاء في مساحة واحدة من الضوء لكن المحبة الصادقة تمنحهم القدرة على الاحتفاء بنجاح بعضهم وتجاوز المقارنات التي يفرضها الجمهور أحيانا في كل الظروف.
سند الأخوة:
واليوم تتجدد الصورة بصورة معكوسة مع عودة أحمد الصادق إلى الساحة الفنية بقوة حيث يسانده حسين بمحبة ووفاء ويقف إلى جواره في مرحلة تستحق الدعم والتشجيع وبين التجربتين تتضح قيمة الأخوة حين تتحول إلى موقف عملي وسند متبادل ليقدم الشقيقان نموذجا جميلا للعلاقة التي لا تهزمها النجومية على نحو صادق.
////////////////////
كلام فى الفن
عماد أحمد الطيب:
غاب عماد أحمد الطيب عن المشهد الفني بصورة لافتة خلال الفترة الأخيرة ولم يعد حضوره كما عرفه جمهوره من قبل ويبدو أن ظروف النزوح التي فرضتها الحرب ألقت بظلالها على نشاطه ومسيرته فالفنان مثل غيره من أبناء الوطن وجد نفسه أمام واقع قاس عطّل مشروعاته وأبعده عن جمهوره ومنصاته المعتادة.
يوسف القديل:
ترك الملحن الراحل يوسف القديل بصمة واضحة في تجربة محمود عبدالعزيز إذ ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من مسيرة الحوت وقدم له ألحانا تحمل قدرا كبيرا من الدهشة والخصوصية ولم تكن تلك الأعمال مجرد إضافات إلى رصيد الفنان بل أسهمت في تشكيل ملامح تجربته ومنحت صوته مساحات جديدة للتعبير والتألق الموسيقي.
خوجلي هاشم:
يواصل الفنان خوجلي هاشم حضوره الغنائي من عطبرة محافظا على صلته بالفن والناس في مدينته ولا يقتصر حضوره على الغناء وحده فهو معروف أيضا بمبادراته المجتمعية واهتمامه بالشأن العام وهذه الروح تمنح تجربته بعدا إنسانيا جميلا وتجعل علاقته بجمهوره ممتدة خارج خشبة المسرح وفي تفاصيل الحياة اليومية بعطبرة ومحيطها ووسط أهلها.
صديق عباس:
يحمل صوت الفنان الراحل صديق عباس دفء كردفان وملامحها القريبة من الوجدان ففي أدائه تتجلى تفاصيل البيئة التي جاء منها وتنعكس بساطة أهلها وصدق إحساسهم ولذلك أراه من الأصوات الجميلة التي قدمها الإقليم فقد امتلك خامة خاصة جعلت الغناء عنده امتدادا للمكان والناس والذاكرة الشعبية في كردفان وأهلها الطيبين.
هيثم كابو:
أفتقد كثيرا قلم الصديق الصحفي هيثم كابو فقد كان حضوره في الكتابة النقدية يضيف إلى المشهد الفني حيوية ورأيا يستحق التوقف عنده وغيابه يترك فراغا واضحا في ساحة النقد التي تحتاج إلى أقلام تعرف تفاصيل التجارب وتقرأ الأعمال بوعي وجرأة وتمنح الفنانين والجمهور مساحة للحوار الفني الجاد والمسؤول دائما.
///////////////////



