إعادة هندسة التعاون الدولي (2-3)
دعوات لتأسيس كيان وطني مستقل لإدارة الشراكات الخارجية

في امتداد مسار البحث الذي فتحه هذا الملف تواصل صحيفة “العودة” في جزئه الثاني تفكيك واحدة من أكثر القضايا تشابكاً في المشهد الراهن حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الاقتصاد، وتتداخل اعتبارات التمويل مع تحديات الحوكمة وبناء الثقة الدولية ، فالمسألة لم تعد مجرد نقاش حول البنية الإدارية أو موقع القرار، بل تحولت إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة الدولة على إدارة علاقاتها الخارجية بأدوات موحدة ورؤية متماسكة، في بيئة دولية شديدة الحساسية والتغير.
. السفير معاوية البخاري : “الأزمة ليست في تعدد القنوات ”
. “تشتت الخطاب التفاوضي يضعف ثقة الشركاء ”
. “لا بد من إطار وطني واحد يعيد ترتيب الأولويات قبل أي انفتاح خارجي.”
. الشريف : «لا يمكن جذب التمويل في بيئة تفتقر إلى الاستقرار المؤسسي والسياسي.»
. «ضعف الحوكمة وتعدد مراكز القرار يربك الشركاء ويعطل تدفق الدعم.»
. «نجاح التجارب الدولية بدأ من وضوح الرؤية وربط التمويل بالإصلاح.»
. مصدر رفيع : «توحيد قنوات إدارة العون شرط أساسي لبناء ثقة المانحين.»
. «لا يمكن إدارة هذا الملف دون شبكة معلومات دقيقة ومتكاملة.»
تقرير معمق : نشوة أحمد الطيب
قراءة ثانية ..
في هذا الجزء تتسع زاوية النظر من الإطار المؤسسي إلى عمق التحديات الدبلوماسية والاقتصادية التي تحكم إدارة الشراكات الخارجية حيث لا يتوقف النقاش عند شكل الكيان الإداري بل يمتد إلى فاعلية الخطاب التفاوضي ومستوى التنسيق الداخلي وقدرة الدولة على بناء رؤية اقتصادية متماسكة تستعيد ثقة المانحين وتفتح مسارات التمويل والاستثمار.
وتضع صحيفة “العودة” في هذا السياق إفادات متقاطعة لعدد من المختصين تشمل رؤية دبلوماسية تستقرئ موقع السودان في النظام الدولي وقراءة اقتصادية تفكك معوقات جذب التمويل إلى جانب طرح مؤسسي من داخل الجهاز التنفيذي يعكس تحديات إدارة العون الخارجي. وبين هذه المستويات المختلفة تتكشف صورة أكثر تعقيداً لملف لا تحكمه القرارات الإدارية وحدها بل يتطلب إعادة صياغة شاملة للأدوات وتوحيداً للخطاب وبناء ثقة تقوم على الوضوح والكفاءة والالتزام.
الدبلوماسية الاقتصادية..
يرى السفير الدكتور معاوية البخاري، أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية، في حديثه لصحيفة “العودة”، أن الدبلوماسية الاقتصادية بعد الحرب تمثل أداة حاسمة لإعادة إدماج السودان في النظام الدولي، بما يتيح الاستفادة منها في مجالات البناء والتأهيل وإعادة الإعمار. غير أنه يشير إلى أنها لا تزال حتى الآن أقرب إلى رد الفعل منها إلى كونها استراتيجية استباقية تقوم على أولويات وطنية وبرامج واضحة.
ضم الملف للخارجية..
ويعتبر أن ضم ملف التعاون الدولي إلى وزارة الخارجية خطوة إيجابية من حيث توحيد القناة التفاوضية، لكنه يلفت في المقابل إلى أن هذه الخطوة لم تحقق فعاليتها الكاملة، بسبب ضعف التكامل مع الوزارات القطاعية، وغياب قاعدة بيانات موحدة للمشروعات، إضافة إلى غياب قيادة استراتيجية شاملة تحقق مقاصد هذا الملف
تحديات التمويل..
ويحدد أبرز التحديات التي تواجه جذب التمويل والمنح في عدم الاستقرار السياسي، ومترتبات الحرب، وضعف الثقة الدولية، وغياب الحياد، إلى جانب غياب رؤية اقتصادية متماسكة، ومحدودية الشفافية في إدارة الموارد، وسوء توزيع واستغلال الثروات.
المؤسسات المالية الدولية..
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، يرى أنها ما تزال مقيدة بخلفيات وصفها بالمجحفة، حيث تُدار العلاقة بصورة فنية أكثر منها سياسية واستراتيجية. ويشير إلى أنها دون المستوى المطلوب من حيث المبادرة والتأثير، مع غياب استراتيجية تفاوضية طويلة المدى ونقطة ارتكاز أكثر احترافية وفاعلية.
ضعف التنسيق الداخلي..
ويؤكد أن ضعف التنسيق الداخلي ينعكس سلباً على مصداقية الدولة، ويعطي انطباعاً بأنها شريك غير قادر على تنفيذ التزاماته، وهو ما يدفع المانحين إلى تبني نهج حذر أو مشروط، محدود الجدوى والأثر.
الخطاب التفاوضي
ويرى أن الخطاب التفاوضي السوداني لا يزال متذبذباً وغير موحد، إذ تتعدد الرسائل بتعدد الجهات، ما يؤدي إلى إرباك الشركاء الدوليين ويقلل من فرص الحصول على دعم إقليمي ودولي نوعي ومستدام، قائم على أولويات التنمية المستدامة وأهدافها.
كفاءة الهيكل الحالي
ويشير إلى أن الهيكل المؤسسي الحالي يعاني من ضعف المرونة والتخصص، وتداخل الاختصاصات وتضارب الرؤى، الأمر الذي يحد من قدرته على إدارة ملف التعاون الدولي بكفاءة عالية، ويستدعي تعزيز التنسيق الأفقي والرأسي بين الجهات ذات الصلة.
الحاجة المؤسسية
ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب إنشاء كيان مركزي متخصص، مستقل أو شبه مستقل، لإدارة التعاون الدولي، مدعوم بمجلس للتخطيط الاستراتيجي، ويضم خبرات علمية وفنية وتفاوضية، ويعمل وفق رؤية استراتيجية موحدة للدولة بآجال محددة.
دور التعاون الدولي
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الشريف، في حديثه لصحيفة “العودة”، أن دور التعاون الدولي يمثل محوراً أساسياً في استقطاب التمويل والترويج للمشروعات، وإقناع المانحين من المنظمات الدولية والإقليمية وشركاء التنمية بتوفير متطلبات إعادة الإعمار، خصوصاً في مجالات البنية التحتية والخدمات الأساسية.
أدوار أساسية
أوضح مصدر رفيع المستوى بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، فضّل حجب اسمه، في حديثه لصحيفة “العودة”، أن للتعاون الدولي دوراً أساسياً في تعزيز العمل الدبلوماسي وانسياب العون الخارجي، باعتباره أحد الأدوات الأساسية لدعم مسارات التنمية وإعادة الإعمار.
بناء الخطط
ويشير المصدر إلى أن وضع خطط التعاون الدولي يتم وفق دراسة شاملة لملف الدول من منظور سياسي ودبلوماسي واقتصادي، استناداً إلى المعلومات التي توفرها الدبلوماسية السودانية، بما يضمن تكاملاً بين الرؤية الخارجية والأولويات التنموية داخل الدولة.
تكامل الأدوار
ويؤكد أن أهمية المرحلة تبرز في ضرورة تكامل الأدوار بين العمل الدبلوماسي والاقتصادي والتنموي، عبر تحديد مسار واضح لتعظيم الاستفادة من شركاء التنمية، مدعوماً بشبكة اتصالات ومعلومات دقيقة (Network) تعزز العلاقات مع مؤسسات التمويل والمنظمات الإنسانية والتنموية، بما يرفع من كفاءة المشروعات والبرامج الحالية والمستقبلية وفق أولويات الدولة.
اتجاهات التعاون
ويضيف أن التعرف على الاتجاه العام لدول التعاون الدولي (Trend) يسهم في تحسين التخطيط الاستراتيجي للعون الخارجي، وتوجيهه بما يتسق مع المتغيرات الدولية وفرص التمويل المتاحة.
إدارة العون
كما يشير إلى أن توفير معلومات دقيقة حول احتياجات السودان، وتوحيد قنوات إدارة العون، يسهمان في إعداد استراتيجية تعاون دولي قائمة على برنامج مدروس، مدعوم بمصفوفة واضحة للمهام والمسؤوليات، بما يضمن الانسجام المؤسسي في إدارة الملف.
تحديث السياسات
ويؤكد المصدر أهمية الاستعانة بعدد من الخبراء لتحديث سياسات التعاون الخارجي، والعمل على عرض مآلات الوضع السوداني بعد الحرب بصورة مهنية وواقعية وشفافة، بما يعزز القدرة على ما وصفه بـ“الدفاع عن الحالة” (Defend the case)، بهدف استقطاب وإدارة المنح والقروض بفاعلية أكبر.
الشراكات الذكية
ويختتم بالتشديد على ضرورة تعزيز القدرة التفاوضية للسودان، والحصول على دعم ومناصرة شركاء التنمية للقضايا الاقتصادية والتنموية، إلى جانب تقديم مبادرات تقوم على مفهوم “الشراكات الذكية”، بما يحقق استفادة مثلى من منظومة التعاون الدولي.
تحديات التمويل
ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الشريف إلى أن أبرز التحديات التي تواجه السودان في جذب التمويل تتمثل في عدم الاستقرار السياسي والأمني، إضافة إلى تجميد العديد من المؤسسات المالية لعلاقاتها مع السودان، وهو ما يحد من تدفق الموارد ويعقد مسار التعاون الدولي.
الهيكل المؤسسي
ويؤكد أن غياب هيكل مؤسسي مستقل لإدارة ملف التعاون الدولي يضعف فعالية التفاوض، بسبب تعدد التقاطعات والمنابر، ما يؤدي إلى إرباك المشهد التفاوضي وفقدان ثقة المانحين في استدامة التعامل مع السودان.
توحيد المنظومة
ويرى أن تحسين ثقة المانحين والمستثمرين يتطلب توحيد العمل عبر وكالة للتعاون الدولي، بما يضمن وضع خارطة طريق واضحة ومتفَق عليها، تتيح التعامل مع الشركاء برؤية ومنهج موحد، وتوفر بيانات ومعلومات موثوقة تعزز من مستوى الثقة.
تنسيق السياسات
ويضيف أن تنسيق السياسات الوطنية مع المعايير الدولية يعد أمراً بالغ الأهمية لضمان تعاون المجتمع الدولي مع السودان، والاستفادة القصوى من التمويل المتاح، إلى جانب جذب الاستثمارات والشركات الأجنبية.
الخبرات الوطنية
ويشدد على ضرورة الاستفادة من الكوادر التي عملت سابقاً في وزارة التعاون الدولي، نظراً لخبرتها العملية وقدرتها التفاوضية في التعامل مع المانحين وتنسيق العمل مع الجهات المختصة، معتبراً أن هذه الخبرات الفنية المكتسبة لا تتوفر بالشكل الكافي لدى بعض الكوادر الدبلوماسية في وزارة الخارجية.
الدبلوماسية الاقتصادية
ويؤكد أن الدبلوماسية الاقتصادية تلعب دوراً مهماً في جذب التمويل وإقناع المؤسسات المالية، ليس من الزاوية السياسية فحسب، بل من خلال أدوات فنية واقتصادية أكثر تأثيراً وفاعلية.
تجارب دولية
ويستعرض عدداً من التجارب الدولية الناجحة، من بينها تجربة فيتنام التي أعادت هيكلة علاقتها بالتعاون الدولي عبر استراتيجية “دوي موى” (التجديد)، حيث تحولت المساعدات من مجرد دعم إغاثي إلى تمويل للإصلاح الهيكلي، وربطت القروض الميسرة بتطوير البنية التحتية مثل الموانئ والطرق، ما ساهم في جذب الاستثمارات وتحولها إلى مركز صناعي عالمي.
كما يشير إلى تجربة كوريا الجنوبية التي ركزت على بناء رأس المال البشري واستخدام أموال التعاون الدولي في تطوير التعليم والتقنيات المتقدمة، إضافة إلى تجربة سنغافورة التي أولت اهتماماً بنقل المعرفة (Knowledge Transfer) أكثر من السعي وراء التمويل المباشر.
عوامل النجاح
ويحدد أن القاسم المشترك بين هذه التجارب يتمثل في وضوح الرؤية الوطنية، وعدم ترك الشريك الدولي يفرض أجندته، مقابل تحديد أولويات داخلية واضحة تشمل الصحة والتعليم والزراعة، بما يعزز مفهوم الملكية الوطنية للبرامج التنموية.
كما يؤكد أهمية الشفافية والحوكمة لضمان استمرار تدفق المنح والقروض الميسرة، عبر أنظمة رقابية صارمة تحد من الفساد في إنفاق الأموال، إضافة إلى التركيز على الاستدامة، بحيث لا يُنظر إلى المنح كحلول مؤقتة بل كأدوات لإنتاج دخل قومي مستقل.

مقترحات عملية
ويطرح الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الشريف عدداً من المقترحات العملية لتعزيز الاستفادة من الدعم الفني، من بينها توطين التكنولوجيا عبر اشتراط نقل المعرفة في العقود الدولية، وتنفيذ برامج تدريبية مشتركة على غرار المبادرة المصرية اليابانية في التعليم.
كما يدعو إلى تحديث البيئة التشريعية، خصوصاً قوانين الملكية الفكرية لتشجيع الابتكار المحلي، والتركيز على قطاعات ذات أولوية مثل الرقمنة والابتكار والزراعة والصناعة والطاقة المتجددة.
بناء المؤسسات
ويشدد على أهمية إنشاء منصات مؤسسية للتعاون، مثل مكاتب مشتركة للبحث والابتكار على غرار التجربة المصرية مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب إبرام اتفاقيات طويلة الأمد مع الشركاء الدوليين.
تنسيق العون
ويختتم بالتأكيد على ضرورة إنشاء وحدة لتنسيق العون (Aid Coordination Unit)، بهدف مواءمة الدعم الخارجي مع الأولويات الوطنية، وضمان إدارة أكثر كفاءة وفاعلية لملف التعاون الدولي في السودان.
الإطار الوطني
ويشدد على أن الخطوة الأهم بشكل فوري تتمثل في إعداد وتبني “إطار وطني موحد للتعاون الدولي”، يحدد الأولويات والآليات وأدوات التنفيذ، وينسق بين المؤسسات، ويقدم خطاباً تفاوضياً واضحاً يعيد بناء الثقة مع الشركاء والمانحين.
أزمة إدارة لا شُحّ موارد
في ضوء هذه الإفادات المتقاطعة يتضح أن أساس الأزمة لا يكمن في غياب الموارد بقدر ما يرتبط بضعف القدرة على إدارتها ضمن رؤية موحدة ومؤسسات منسجمة ، فالتحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من تعدد المراكز وتباين الخطابات إلى بناء منظومة متكاملة تُحسن قراءة الواقع الدولي، وتُقدّم نفسها كشريك قادر على الالتزام والتنفيذ. كما أن استعادة ثقة المانحين لا ترتبط فقط بتحسين المؤشرات السياسية، بل بمدى وضوح الأولويات الوطنية، ووجود آليات شفافة لإدارة الموارد، وقدرة تفاوضية تستند إلى المعرفة والخبرة. وبين هذا وذاك، يظل النجاح مرهوناً بقدرة الدولة على تحويل هذا الملف من ساحة للتقاطعات إلى منصة تنسيق فعّالة، تُدار بعقل استراتيجي يستوعب تعقيدات المرحلة ويستثمر فرصها.
في الجزء الثالث
وفي الجزء الثالث من هذا التقرير تتناول صحيفة “العودة” قراءة من زاوية الخبرة التنفيذية وصنع القرار من خلال إفادة أسامة فيصل السيد وزير الدولة الأسبق بالخارجية والاستثمار، ومستشار تطوير الأعمال حالياً حيث يطرح رؤية عملية لكيفية إدارة هذا الملف على أرض الواقع وآليات تفعيل الشراكات وتحويل المقترحات النظرية إلى سياسات قابلة للتنفيذ ضمن مؤسسات الدولة.



