(العودة) تتحصل على كشف مثير داخل مصلحة أراضي الخرطوم
نقل 44 موظفاً يفتح زلزال الصلاحيات داخل المؤسسة

بعد أن أطاحت بعضو مجلس السيادة سلمى ..
تحصلت صحيفة “العودة” على تفاصيل واسعة بشأن أزمة إدارية وقانونية متصاعدة داخل مصلحة الأراضي بولاية الخرطوم عقب صدور كشف تنقلات شمل 44 موظفاً وعاملاً، في خطوة أعادت فتح ملف الصلاحيات بين وزارة التخطيط العمراني والمصلحة، وسط اتهامات بمحاولات “تذويب” استقلالية الأراضي وإلحاقها الكامل بالوزارة.
ويأتي هذا التطور في ظل أجواء مشحونة داخل قطاع الأراضي، وهو الملف الذي سبق أن أطاح بعضو مجلس السيادة السابقة الدكتورة سلمى عبد الجبار، بعد أزمة متصلة بمعاملات واستثمارات عقارية، في قضية اعتبرها مراقبون مؤشراً مبكراً على حجم التعقيدات والصراعات المرتبطة بإدارة الأراضي في السودان.
تقرير : نشوة أحمد الطيب

صراع قديم
كشف مصدر إداري رفيع بمصلحة الأراضي لـ“العودة” أن الصراع بين وزارة التخطيط العمراني والمصلحة “قديم ومتجدد”، ويتعلق بصورة مباشرة بالسؤال حول ما إذا كانت مصلحة الأراضي وحدة مستقلة إدارياً ومالياً أم مجرد إدارة تتبع للوزارة.
وأوضح المصدر أن هذا الجدل ظل يتكرر بصورة مستمرة، ما دفع جهات داخل المصلحة إلى اللجوء سابقاً لوزارة العدل لطلب تفسير قانوني، مشيراً إلى أن هناك فتاوى إدارية سابقة تناولت طبيعة وضع مصلحة الأراضي وصلاحياتها.
بداية الأزمة
وقال المصدر إن جذور الأزمة الحالية تعود إلى شهر أكتوبر الماضي تقريباً، عندما قام مدير عام مصلحة الأراضي بتشكيل لجنة خاصة بالمزاد رقم واحد، باعتبار أن المزادات وعمليات البيع والتصرف في الأراضي تدخل ضمن صلاحياته المباشرة وفق المادة 43 من قانون التخطيط العمراني، إلى جانب مشروع التصرف في الأراضي لسنة 1947.
وأضاف أن العاملين داخل المصلحة تفاجأوا لاحقاً بصدور قرار وزاري بتشكيل لجنة مزادات أخرى، دون الإشارة إلى اللجنة التي سبق أن شكلها المدير العام، وهو ما فتح الباب أمام حالة من التداخل الإداري.
وأشار المصدر إلى أن بعض الأطراف تدخلت لاحقاً لاحتواء الأزمة، لافتاً إلى أن ممثلين من مصلحة الأراضي لم يشاركوا في الاجتماع الأول للجنة الوزارية، قبل أن تتم معالجات لاحقة هدفت إلى تعديل القرار الوزاري وإضافة أعضاء من اللجنة الأصلية التابعة للمصلحة.
وأكد أن العاملين فضّلوا احتواء الخلاف وعدم التصعيد “حتى لا يتم كسر القرار الوزاري أو إحراج الوزيرة في ظل ظروف الحرب والطوارئ”.

تعيينات جديدة
وكشف المصدر أن الأزمة لم تتوقف عند ملف المزادات، بل امتدت لاحقاً إلى قرارات تعيين ونقل داخل إدارات الأراضي، موضحاً أن الوزارة أصدرت قراراً بتعيين مدير لإدارة الاستخدامات، رغم أن الإدارة تضم بالفعل مديراً تابعاً للمصلحة.
وقال إن القرار تضمّن نقل الباشمهندس فيصل من إدارة المساحة إلى إدارة الاستخدامات، ما دفع إدارة الأراضي لإجراء معالجات داخلية ونقل المدير السابق ياسر عثمان إلى الاستثمار الصناعي.
وأضاف أن المشكلة امتدت كذلك إلى إدارة شؤون العاملين، بعد نقل مديرة الإدارة ضمن كشف عام صادر من ديوان شؤون الخدمة، قبل أن تتفاجأ المصلحة – بحسب المصدر – بتعيين مدير واحد لشؤون العاملين على مستوى الوزارة ووحداتها، ما يعني عملياً إلغاء وجود مدير مستقل لشؤون العاملين داخل الأراضي.
وأشار المصدر إلى أن إدارة المصلحة خاطبت ديوان شؤون الخدمة بشأن هذه المسألة، وتلقت وعوداً بمعالجتها، إلا أن الأمر لم يُحسم حتى الآن.

كشف التنقلات
وأوضح المصدر أن الأزمة بلغت ذروتها مع صدور القرار الأخير بنقل 44 مديراً وموظفاً وعاملاً من إدارات مختلفة داخل مصلحة الأراضي.
وأكد أن النقل في حد ذاته لا يمثل مشكلة داخل المؤسسة، باعتبار أنه إجراء روتيني معتاد يتم بصورة دورية، موضحاً أن العاملين بالأراضي اعتادوا على التنقلات باعتبارها جزءاً من تطوير الخبرات وتبادل المواقع الإدارية.
لكنه شدد على أن حقيقة الأزمة تتمثل في أن القرار صدر من وزير التخطيط العمراني المكلف، وليس من مدير عام مصلحة الأراضي.

وقال المصدر إن هذا الأمر يُعد وفق الأعراف الإدارية داخل المؤسسة سابقة غير معهودة مضيفاً أن التدخلات السابقة من مسؤولين أعلى كانت تتم عبر إعداد كشوفات أو مقترحات تُمرر لاحقاً عبر المدير العام للمصلحة ليصدر القرار بتوقيعه باعتباره صاحب الاختصاص.
وأشار في هذا السياق إلى تجربة سابقة للفريق حسن صالح، موضحاً أنه أعد كشفاً بالأقدمية لكنه لم يصدره بنفسه، وإنما تم اعتماده عبر مدير عام مصلحة الأراضي في ذلك الوقت.

خلاف قانوني
وقال المصدر إن قرار التنقلات الحالي استند إلى المادتين 70 و71 من لائحة الخدمة لسنة 2015، والتي تمنح “رئيس الوحدة” حق نقل الموظفين.
لكنه أوضح أن أساس الخلاف يتمثل في تحديد من هو “رئيس الوحدة” داخل مصلحة الأراضي: هل هو وزير التخطيط العمراني أم مدير عام مصلحة الأراضي؟
وأضاف أن هذا السؤال يمثل حقيقة النزاع القائم حالياً ويتصل مباشرة بمسألة استقلالية المصلحة وحدود تبعيتها الإدارية.
وأشار إلى أن هناك اتجاهاً داخل الوزارة يعتبر مصلحة الأراضي مجرد وحدة تتبع للوزير مثلها مثل إدارات المباني وغيرها، بينما يتمسك العاملون داخل المصلحة بأن مديرها العام هو صاحب الاختصاص الإداري المباشر.
مواد قانونية
وأوضح المصدر أن قانون التخطيط العمراني فصل بين صلاحيات الوزير وصلاحيات مدير عام الأراضي، مشيراً إلى أن المواد 42 و43 من القانون تناولت بصورة واضحة الاختصاصات الخاصة بكل جهة.
وأضاف أن لائحة الخدمة تحدثت كذلك عن صلاحيات “رئيس الوحدة”، بينما ظل العرف الإداري داخل الأراضي يعتبر المدير العام هو المرجعية الإدارية المختصة بالنقل والتعيين.
وأكد المصدر أن تاريخ مصلحة الأراضي الممتد منذ عام 1903 لم يشهد بحسب علمه سابقة يتم فيها نقل حتى العمال بقرار مباشر من وزير التخطيط العمراني.

مذكرة للوالي
وكشف المصدر أن مدير عام مصلحة الأراضي قام بإعداد مذكرة للوالي باعتباره الجهة التي قامت بتعيينه، موضحاً فيها أن بعض الصلاحيات تم سحبها من المصلحة.
وأضاف أن النقاش داخل المؤسسة لم يعد يدور حول رفض أو قبول كشف التنقلات فقط، وإنما حول ما إذا كانت المصلحة ستتمسك باستقلاليتها أم ستقبل بالتحول إلى إدارة تابعة بالكامل للوزارة.
مخاوف التذويب
وقال المصدر إن العاملين داخل المصلحة ينظرون إلى الخطوات الأخيرة باعتبارها محاولة لـ“تذويب” مصلحة الأراضي، بحيث تفقد صلاحياتها المتعلقة بالنقل والتخصيص وتشكيل لجان المزادات وإدارة الملفات العقارية.
وأضاف أنه في حال استمرار هذا الاتجاه، فإن مدير عام مصلحة الأراضي سيفقد معظم صلاحياته التنفيذية، لتصبح القرارات الرئيسية بيد الوزير المكلف.
استقلال عملي
وأوضح أن استقلالية الأراضي لا تقتصر على النصوص أو الفتاوى الإدارية، بل تنعكس عملياً في وجود إدارات مالية وإدارية مستقلة داخل المؤسسة.
وأشار إلى وجود مدير حسابات خاص بالمصلحة إلى جانب مدير حسابات الوزارة، وكذلك وجود إدارات منفصلة للشؤون المالية وشؤون العاملين والمراجعة، إضافة إلى خزائن مستقلة داخل الأراضي.
وأضاف أن المشكلة القديمة كانت تتركز في مسألة التسيير المالي والميزانية التشغيلية، حيث كانت المصلحة تطالب بأن تصل مخصصاتها مباشرة من وزارة المالية باسم مدير عام الأراضي، بدلاً من تمريرها عبر الوزارة.
صراع مفتوح
وأكد المصدر أن الأزمة الحالية تجاوزت حدود كشف التنقلات، وتحولت إلى صراع أوسع حول حق النقل وحق التصرف وحق إقامة المزادات داخل قطاع الأراضي.
وأضاف أن القضية مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة، في ظل تمسك كل طرف بتفسيره القانوني والإداري لطبيعة المؤسسة وصلاحياتها.
أسئلة معلقة..
ومع اتساع الجدل داخل أروقة مصلحة الأراضي، تتجه الأنظار إلى رد فعل وزارة التخطيط العمراني وولاية الخرطوم في وقت يظل فيه السؤال الأكبر معلقاً ..
هل ما يجري مجرد إعادة تنظيم إداري داخل مؤسسة حكومية، أم بداية معركة لإعادة تشكيل واحدة من أقدم الجهات الحكومية المختصة بإدارة الأراضي في السودان؟




