قرار تصفية وظائف الحكومة الاتحادية.. «إصلاح مالي» أم «تمكين سياسي جديد»؟

«لجنة المعلمين» : قرار باطل يُعيد إنتاج “التمكين” ويُصفّي الخصوم باسم الإصلاح!

​نقابي : الخطوة تعكس قصوراً إستراتيجياً وتمنح الضوء الأخضر لتعسف القطاع الخاص!

​«الرؤية البديلة».. 3 عناصر أساسية يحتاجها السودان للإصلاح الإداري الرشيد

 

بين مطرقة التوجس العمالي الغاضب وسندان المبررات الحكومية المستندة إلى حزمة من القرارات والتوجيهات الانتقالية، تفجرت موجة عارمة من الاستنكار والرفض النقابي في السودان فور صدور خطة رسمية لتقليص عمالة الخدمة المدنية؛ ففي الوقت الذي تدفع فيه الوزارة بمساعي الإصلاح الإداري وضبط النفقات بناءً على توجيهات مجلس الوزراء، جابه الموظفون والكيانات النقابية هذه الخطوة برفض قاطع وصادم، واصفين التوقيت بالدامي والقرارات بالتعسفية التي تفتح جبهة حرب معيشية جديدة تفاقم من معاناة آلاف الأسر السودانية وسط ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي الراهن.

 

تقرير – عماد النظيف 

 مبررات وتفاصيل القرار الحكومي

أصدر وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، قراراً وزارياً يحمل الرقم (22) لسنة 2026م، قضى بتتشكيل لجنة فنية متخصصة لدراسة وحصر العاملين في مؤسسات الحكومة الاتحادية، ووضع خطط عملية لتخفيض أعدادهم.

وجاء القرار استناداً إلى السلطات المخولة للوزير، وبناءً على قرار مجلس الوزراء الانتقالي رقم (170) لسنة 2025م، وتوجيهات رئيس مجلس الوزراء الصادرة في جلسة الأمانة العامة رقم (4) المنعقدة في السادس عشر من أبريل الماضي.

وقضى القرار بتكليف وزير الدولة بوزارة المالية، المستشار محمد نور الدائم، برئاسة اللجنة، على أن يتولى وكيل وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، د. أبوبكر كوكو ضحية، منصب الرئيس المناوب. وتضم اللجنة في عضويتها كلاً من:

مديري عموم الصندوق الوطني للمعاشات والتأمينات.

ديوان شؤون الخدمة المدنية (عضواً ومقرراً).

الأمين العام للمجلس الأعلى للأجور.

مديري الإدارات العامة للموازنة والهيئات والشركات بوزارة المالية.

 

محاور وصلاحيات اللجنة الفنية

حُددت مهام اللجنة الفنية في أربعة محاور رئيسية تشمل: حصر كافة العاملين بالحكومة الاتحادية، فرز وتحديد العاملين الذين لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر، وضع تصور متكامل لتقليص حجم العمالة، ومن ثم رفع توصيات نهائية بآليات وكيفية تنفيذ هذا التخفيض.

ومنحت الوزارة اللجنة سلطات واسعة للاطلاع على كافة البيانات والمعلومات الرسمية، مع حق الاستعانة بمن تراه مناسباً لإنجاز مهامها، كما تم تشكيل سكرتارية تنفيذية لمتابعة أعمالها تضم ممثلين عن الجهاز القومي لتشغيل الخريجين ووزارتي المالية والموارد البشرية.

 

لجنة المعلمين تعلن الرفض القاطع وتصف القرار بـ “الباطل”

في مقابل ذلك، أعلنت لجنة المعلمين السودانيين رفضها القاطع للقرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026م، واصفةً القرار بأنه “باطل سياسياً وأخلاقياً وقانونياً”، وامتداد لسياسات الفصل التعسفي والتشريد للصالح العام التي شهدتها الخدمة المدنية عقب العام 1989م.

واتهمت اللجنة، في بيان صحفي صادر عن مكتبها الإعلامي السبت ، السلطة القائمة والقوى والحركات المسلحة المتحالفة معها بإعادة إنتاج نظام “التمكين” وتقاسم مؤسسات الدولة ومواقع النفوذ تحت غطاء “الإصلاح الإداري وترشيد العمالة”، مستغلةً ظروف الحرب المشتعلة منذ منتصف أبريل 2023م وغياب السلطة المدنية الشرعية والمؤسسات الدستورية المنتخبة.

وأوضح البيان أن الهدف الحقيقي من وراء تشكيل هذه اللجنة ليس الإصلاح، وإنما فتح الطريق لمزيد من الإحلال والإقصاء السياسي لصالح كوادر الحركة الإسلامية وحلفائها من قوى السلطة وحركات دارفور المشاركة في الحكم، فضلاً عن استخدام الإجراء الإداري كأداة لتصفية الخصوم وإسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح، بغرض بناء جهاز دولة قائم على الولاء السياسي بدلاً من الكفاءة والاستحقاق.

واعتبرت اللجنة أن استهداف الوظائف ولقمة عيش الموظفين في هذا التوقيت يمثل “جريمة اجتماعية وسياسية مكتملة الأركان”، نظراً للأوضاع المأساوية والنزوح والانهيار الاقتصادي وتدهور الأجور التي يعاني منها العاملون بالدولة جراء الحرب الراهنة.

وفي ختام بيانها، شددت لجنة المعلمين على تمسكها بحق العاملين في الأمن الوظيفي، داعيةً كافة النقابات العمالية والأجسام المطلبية إلى توحيد صفوفها والتصدي الفوري لمحاولات التشريد والتمكين الجديدة، مؤكدة أن الخدمة المدنية ملك للشعب السوداني وليست غنيمة تتقاسمها قوى الحرب والسلطة.

 

توجس عمالي حاد: “جبهة حرب جديدة”

وقوبلت هذه الخطوة بتوجس حاد وسط الموظفين؛ حيث عبر أحدهم -في تصريح لصحيفة “العودة”- عن استنكاره لتوقيت القرار في ظل الظروف الراهنة، قائلاً بتهكم: «خلاص مشاكل السودان كلها اتحلت والحرب انتهت وما باقي غير حصر العاملين وتخفيضهم وتشريد أسر وعائلات عانت ومازالت تعاني».

وأضاف الموظف أن حوافز الطوارئ التي يتلقاها بعض المداومين أغرت الوزارة لاتخاذ خطوة تمثل «فتح جبهة حرب جديدة أخطر من حرب الجنجويد ذاتها» لما لها من تداعيات معيشية كارثية على آلاف الأسر السودانية.

 

فقر إستراتيجي وشرعنة لتعسف القطاع الخاص

​وفي سياق متصل، فصّل النقابي عمار الباقر لـ “العودة” أبعاد هذه الأزمة، مشيراً إلى أن صدور هذا القرار في ظل حالة التعتيم والغياب الكامل للشفافية داخل الحكومة جعل من الصعب التحقق من صحته أو معرفة أسباب تسريبه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الوقت بالتحديد، على الرغم من أن تاريخه يعود إلى نهاية الشهر الماضي.

​ووصف الباقر الخطوة بأنها “كوميديا سوداء” وتساؤل أخلاقي عميق حول إحساس مجلس الوزراء بالمسؤولية؛ إذ كيف يفكر في تشريد الموظفين بدلاً من تقديم يد العون لهم في ظل حرب كارثية شردت الملايين؟! مضيفاً أنه كان الأجدر بوزير الموارد البشرية السعي لاسترداد مستحقات آلاف العمال الذين فُصلوا في الأيام الأولى للحرب بدلاً من التوجه نحو فصل من تبقى.

​وأكد الباقر أن الحكومات الرشيدة والمسؤولة التي تعمل على ضمان أمن ورفاه مواطنيها لا تلجأ إلى “الصدمات العنيفة” أو الفصل التعسفي الشامل لما له من تبعات اجتماعية خطيرة مثل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، مستعرضاً عدة نماذج دولية للإصلاح الإداري الحقيقي:

​المملكة المتحدة: تعتمد برامج النقل والتأهيل الكفء (Civil Service Mobility) لإعادة تدريب الموظفين الفائضين ونقلهم داخلياً لسد الفجوات في القطاعات الحكومية الأخرى بدلاً من تشريدهم.

​المجر ومصر: إرساء نظم الخدمة المدنية القائمة على الاستحقاق، والامتحانات التنافسية، وإنشاء مجالس متخصصة لربط الترقيات والمكافآت بمعايير الأداء الفعلي، متسائلاً إن كان مجلس الوزراء يملك الجرأة على فعل ذلك .

​الإكوادور: اعتمد البنك المركزي مطلع التسعينيات برامج للخروج الطوعي غادر بموجبها الفائضون مقابل مكافآت نهاية خدمة عادلة بلغت ما يعادل دخل 30 سنة من متوسط دخل الفرد الوطني.

​التآكل النقدي ومخاطر تصفية الحسابات

​واستطرد الباقر محذراً من أن مجرد صدور مثل هذه القرارات ينطوي على تدنٍ مخيف في المستوى الأخلاقي وعدم رشد إداري، مبيناً أن مساعي التسريح وضبط الرواتب أثبتت تاريخياً أنها محدودة وقصيرة الأمد ولم تُفضِ يوماً لتجويد الخدمات العامة.

​ونبّه إلى أنه حتى وإن وفت صناديق المعاشات بالتزاماتها، فإن تدهور سعر صرف العملة السودانية سيفقد فوائد ما بعد الخدمة قدرتها الشرائية بالضرورة، محذراً من تحول بند التقليص إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية والإدارية في ظل سيطرة قادة الحركات على الوزارات المهمة.

​واختتم الباقر تحليله بالإشارة إلى أن قرار مجلس الوزراء رقم (170) وتوجيهات رئيس الوزراء تهدف بوضوح لتقليص الأعداد كأداة جافة لخفض النفقات لا لتجويد الأداء، مؤكداً أن هذا إجراء خطير يمنح الشرعية للإجراءات التعسفية التي قامت بها شركات القطاع الخاص بفصل آلاف العاملين دون حقوق، ويعطيها الضوء الأخضر لمزيد من الجور؛ جازماً بأن الحكومات الناجحة هي التي تجمع بين برامج الحماية الاجتماعية والتحديث الإداري والتقليص التدريجي (عبر رفع كفاءة الموظف بالتكنولوجيا، وتجفيف منابع التوظيف العشوائي، وتشجيع التقاعد المبكر الطوعي والعادل).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى