سراج الدين مصطفى يكتب : اسماعيل عبدالجبار .. ما خفى أجمل !!

نقر الأصابع ..
تتعدد المسارات وتتشابك الرؤى الإبداعية في كل عمل فني يترك بصمة في وجدان الناس وفي هذا الفيديو خمسة مسارات.. المسار الاولى يتعلق بشاعر أغنية (ما كنت عارف) وهو الشاعر (محمد جعفر عثمان) وهو حالة شعرية تحتاج لمقالة منفصلة .. المسار الثانى يتعلق بالملحن (عمر الشاعر) الذي صاغ النص لحنيا وهو غنى بالكتابة عنه والمسار الثالث يتعلق بالفنان الراحل (بهاء الدين ابوشلة) وهو المغنى الاول للأغنية وصاحبها الحقيقي المسار الرابع يتعلق بالفنان (عبدالعزيز المبارك) الذي اشتهرت الأغنية عبر صوته والمسار الخامس يتعلق بعازف الكمان الشهير اسماعيل عبدالجبار مؤدى الأغنية فى هذا المقطع ولكنى اخترت المسار الاخير لأكتب عنه وقوفا عند الوجه الآخر للمبدع الشامل اسماعيل عبدالجبار والذي يعتبر من أبرز عازفى الكمان فى السودان وتقريبا لا تخلو اي فرقة موسيقية من وجوده وذلك لبراعته وقدراته العالية فى عزف الكمان إن أداء العازف والملحن الأستاذ إسماعيل عبد الجبار في هذه الحلقة التلفزيونية الترفيهية يمثل نموذجا فريدا لكيفية انعكاس الاحتراف العزفي على الأداء الغنائي الهاوي أو غير المحترف ويمكن قراءة هذا الأداء وتحليله.
يمتلك الأستاذ اسماعيل عبدالجبار صوتا دافئا وممتلئا بالشجن يتناسب تماما مع طبيعة اللحن والأغنية التي يؤديها ورغم أنه لا يمتلك التقنيات الصوتية المعقدة للمغنيين المحترفين والمناورة في المساحات العالية إلا أن صوته يحمل قبولا كبيرا وإحساسا صادقا يصل إلى المستمع العادي بسلاسة.
يتحرك صوت اسماعيل عبدالجبار في منطقة دافئة ومحدودة نسبيا وهي المنطقة الآمنة لطبقة صوته الطبيعية دون التكلف أو محاولة صعود طبقات قد تظهره بمظهر المجهد صوتا
وهو استفاد من كونه عازف كمان محترف في ضبط أدائه.
و دراسة واحتراف آلة الكمان تحديدا تمنح الموسيقي ميزات استثنائية تنعكس تلقائيا على غنائه حتى وإن لم يتدرب كصوت بشكل احترافي وتظهر هذه الاستفادة في الأداء المرتب لانه يمتلك
الأذن الموسيقية الحساسة والالتزام و آلة الكمان من الآلات التى سيتطلب السيطرة عليها أذنا بالغة الدقة وبالتالي فإن عازف الكمان يمتلك ضبطا داخليا صارما وهو ما جعل أداءه الغنائي دقيقا جدا من الناحية النغمية دون أي نشاز أو خروج عن الخط اللحني
كما يظهر بوضوح مدى التزامه التام بالدخول مع الفرقة الموسيقية والتوقف بدقة عند القفلات فالإيقاع الداخلي لديه منضبط تماما بحكم ممارسته الطويلة للعزف الجماعي في الأوركسترا والفرق الموسيقية.
وفى الواقع العملى العازف المحترف يعرف متى يبدأ الكوبليه ومتى ينتهي المذهب الموسيقي وكيف يترك المساحة للآلات لترد عليه ويظهر هذا في أدائه المرتب حيث لا يوجد تداخل بين صوته وبين اللوازم الموسيقية بل يغني بتوازن وتناغم تام ومريح للفرقة المصاحبة له.
هذا النموذج الفني الفريد يقدم درسا بليغا في كيفية ترويض الموهبة وصقلها بالخبرة الأوركسترالية الطويلة حيث يتحول العازف إلى قائد لطبقات صوته وموجها لإحساسه بما يخدم الفكرة اللحنية الأساسية دون بهرج غنائي زائد لتظل التجربة الموسيقية السودانية غنية بهؤلاء المبدعين الشاملين الذين يبهرون الجمهور خلف الآلات وأمام المايكرفونات بذات القدر من التميز والإبداع الرصين.



