سراج الدين مصطفى يكتب : ليل الشجن .. حينما تمرد أنس العاقب

نقر الأصابع .. 

 

عقل مختلف:

 

حينما نتحدث عن الدكتور أنس العاقب فإننا نتحدث عن واحد من أكثر العقول الموسيقية فرادة فى تاريخ الغناء السوداني فقد امتلك رؤية سبقت عصره بسنوات طويلة واستطاع أن يخرج بالموسيقى من حدود المألوف إلى آفاق جديدة أكثر رحابة ووعيا لذلك لم يكن ملحنا عاديا بل صاحب مشروع فني متكامل يقوم على التجريب والتطوير المستمر.

 

خارج القوالب:

 

فى زمن كانت فيه الألحان السودانية تتحرك داخل الأشكال التقليدية التى رسخها كبار الرواد اختار أنس العاقب طريقا مختلفا تماما فذهب نحو بناء لحني جديد يعتمد على التحرر من النمط السائد والبحث عن مساحات تعبيرية أوسع لذلك جاءت أعماله محملة بروح الحداثة ومؤسسة لمرحلة موسيقية مختلفة فى تاريخ الأغنية السودانية الحديثة.

 

مقدمة هجومية:

 

تظل أغنية ليل الشجن واحدة من أبرز الشواهد على هذا التمرد الموسيقي فقد جاءت بمقدمة غير مألوفة يمكن وصفها بالمقدمة الهجومية التى صاغها الموسيقار يوسف الموصلي من روح اللحن ذاته فجاءت متماسكة وسلسة وتقود المستمع نحو الجملة الأساسية دون فجوات أو انقطاع لتشكل مدخلا دراميا شديد الذكاء والجاذبية والتأثير.

 

بناء أوركسترالي:

 

تكشف الأغنية عن وعي موسيقي متقدم فى توظيف التوزيع الأوركسترالي والهارموني الجماعي حيث حضرت الآلات الحديثة إلى جانب الكمنجات والفلوت والساكسفون فى حالة من التوازن الجميل كما ظهر الكورال الجماعي للبلابل بصورة أكاديمية مختلفة تعددت فيها الطبقات الصوتية فصنعت فضاء موسيقيا واسعا ومفعما بالحركة والجمال والابتكار.

 

نص وجداني:

 

أما على مستوى الكلمات فقد قدم عزيز التوم نصا ينتمي بوضوح إلى مدرسة البوح الوجداني الهادئ التى تعتمد على الصورة الرومانسية الرقيقة والتعبير الشفاف عن الحنين والشوق لذلك جاء النص قريبا من وجدان المستمع السوداني وممتلئا بالمشاعر الإنسانية التى تتدفق دون تكلف أو تعقيد أو استعراض لغوي مباشر.

 

صور بديعة:

 

من أجمل ما فى النص تلك الصور التى تجعل الحبيب حاضرا فى كل تفاصيل الكون كما فى قوله لقيتك فى السماء نجمة ولقيتك فى الصفاء نسمة ولقيتك فى الصباء كلمة حيث تتحول الذكرى إلى حالة روحية شاملة تحاصر العاشق فى كل الأمكنة والأزمنة بصورة شعرية رقيقة وعميقة التأثير.

 

حزن ناعم:

 

يلعب التكرار فى الأغنية دورا محوريا فى تعميق الإحساس بالشجن خاصة فى عبارة وناجيتك وما رديت التى جاءت بمثابة العمود الوجداني للنص كله كما أن مواجهة الحقيقة فى المقاطع اللاحقة لم تتحول إلى غضب أو انفعال بل ظلت محكومة بنبرة الحزن الناعم التى تميز الأغنية السودانية الأصيلة.

 

علامة فارقة:

 

لهذا كله تبقى ليل الشجن أكثر من مجرد أغنية ناجحة فهى تجربة فنية متكاملة التقت فيها عبقرية اللحن مع جمال النص وروعة الأداء لتؤكد أن أنس العاقب كان بالفعل مشروعا موسيقيا متقدما أعلن مبكرا ميلاد حس فني جديد ما زالت الموسيقى السودانية الحديثة تستلهم الكثير من ملامحه حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى