حلاوة “العودة”

لا يطارد السهل ولا يكرر ما انجزه
شمت محمد نور ..تشكيل اللحن وفق احتياجات النص
تقرير: سراج الدين مصطفى
رؤية موسيقية:
كلما توقفت عند تجربة شمت محمد نور ازددت يقينا بانه واحد من اهم المجددين في الموسيقى السودانية الحديثة فهو لا يطارد اللحن السهل ولا يكرر ما انجزه السابقون بل يبحث عن جملة موسيقية جديدة تحمل بصمته وتكشف عن عقل مؤلف يمتلك رؤية تتجاوز حدود المألوف وتفتح افاقا ارحب للابداع.
ذائقة رفيعة:
ما يلفت الانتباه في تجربة شمت محمد نور انه لا يفصل بين الكلمة واللحن بل يجعلهما كيانا واحدا لذلك تبدو اعماله شديدة التماسك منذ لحظة الميلاد وحتى النهاية فهو يحسن اختيار النصوص ويمنحها موسيقى تعمق دلالاتها وتضيف اليها ابعادا جديدة من الجمال والدهشة والتعبير الصادق المستمر.
اعمال خالدة:
اغنيات مثل تبتبا ويابا مع السلامة وست البيت ونتمناك موحد ليست مجرد الحان ناجحة بل محطات اكدت قدرة شمت محمد نور على بناء مشروع موسيقي متكامل يمتلك شخصيته المستقلة ويخاطب وجدان المستمع بلغة حديثة دون ان يفقد ارتباطه العميق بالهوية السودانية وثرائها الموسيقي المعروف والمتجدد دائما.
ثنائية نادرة:
ارتبط شمت محمد نور بالشاعر الكبير محجوب شريف بعلاقة ابداعية نادرة تجاوزت حدود التعاون الفني الى حالة من التوافق الوجداني لذلك جاءت الالحان منسجمة مع روح القصيدة وكأن الكلمة ولدت وهي تبحث عن موسيقاه بينما وجدت الموسيقى في شعر محجوب فضاءها الطبيعي والاكثر صدقا وجمالا وتأثيرا.
قوالب جديدة:
سبق كثيرون شمت محمد نور في ميدان التاليف الموسيقي لكنه استطاع ان يضيف عناصر جديدة غيرت شكل البناء اللحني واعادت صياغة العلاقة بين الاصوات والايقاعات فخرجت اعماله مختلفة في الفكرة والتكوين والطرح لتؤكد ان التجديد الحقيقي يبدأ من الفكر قبل ان يظهر في الموسيقى والاداء معا.
تحرر فني:
تقوم تجربة شمت محمد نور على التحرر الكامل من القوالب الجامدة لذلك يصعب حصر اعماله داخل مدرسة واحدة فهو يعيد تشكيل اللحن وفق احتياجات النص لا وفق قواعد مسبقة وبذلك منح الموسيقى السودانية افقا اكثر رحابة واثبت ان الابداع الحقيقي لا يعترف بالحدود ولا القيود التقليدية القديمة.
اثر متجدد:
نجحت الحان شمت محمد نور في صناعة هوية خاصة لفرقة عقد الجلاد واسهمت في ترسيخ حضورها داخل الوجدان السوداني لانها جمعت بين العمق الفني وسهولة التلقي وقدمت نموذجا يؤكد ان الموسيقى الراقية تستطيع الوصول الى الجمهور دون ان تتخلى عن قيمتها الجمالية والفكرية الرفيعة والاصيلة دائما.
مشروع باق:
تجربة شمت محمد نور ليست مجرد مرحلة في تاريخ عقد الجلاد بل مشروع فني متكامل يستحق الدراسة والتوثيق لما يحمله من افكار جديدة ورؤية موسيقية متقدمة تؤكد ان السودان ما يزال قادرا على انجاب مؤلفين يمتلكون الجرأة على الابتكار والقدرة على صناعة الجمال باعلى درجات الوعي والاتقان.
///////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
سعدالدين ابراهيم .. الطفل المعجزة !!
موهبة مبكرة:
لم يكن سعد الدين ابراهيم شاعرا عاديا مر على خارطة الاغنية السودانية ثم انصرف بل جاء وهو يحمل مشروعا شعريا مختلفا استطاع ان يفرض حضوره منذ سنواته الاولى حتى بدا واضحا ان الساحة تستقبل موهبة استثنائية تمتلك ادواتها وتعرف منذ البداية الطريق الذي تريد ان تمضي فيه بثقة واقتدار ووعي.
معجم شعري:
امتلك سعد الدين ابراهيم ثروة لغوية واسعة ومعجما شعريا زاخرا بالصور والتراكيب والمعاني لذلك جاءت قصائده مشبعة بجمال التعبير وثراء الدلالة ولم يكن ذلك وليد المصادفة بل ثمرة قراءة عميقة للتراث الشعري السوداني الذي تحول في تجربته الى مصدر الهام لا قيد يحد الخيال والابتكار والتميز.
روح التراث:
لم يتعامل سعد الدين ابراهيم مع التراث بوصفه مادة للحفظ والتكرار بل اعاد اكتشافه داخل نصوصه ومنحه حياة جديدة لذلك ظهرت ملامحه بوضوح في قصائد عديدة وعلى راسها فاطنة وحسن حيث امتزج عبق الماضي بحيوية الحاضر في صياغة شعرية بالغة الجمال والخصوصية والصدق الفني العميق دائما.
مرحلة نضج:
بلغ سعد الدين ابراهيم مرحلة متقدمة من النضج عندما تجاوز دائرة التقليد وانطلق يعبر عن عالمه الداخلي وتجربته الخاصة مستلهما التراث دون ان يقع في اسره فخرجت قصائده نابضة بالصدق والاحساس وكان ديوان حروف للعزيزة ابرز شاهد على هذا التحول الابداعي المهم في مسيرته الشعرية المميزة.
طفل معجزة:
لفت سعد الدين ابراهيم الانظار مبكرا عندما تغنت له منى الخير باغنية ابوي فاجمع كثيرون على انه طفل معجزة يمتلك موهبة نادرة وكانت تلك الاغنية بوابة العبور نحو فضاء اوسع من الابداع لتعلن ميلاد شاعر ينتظره مستقبل كبير في عالم الاغنية السودانية بكل ثقة واستحقاق وابهار واضح.
محطات خالدة:
بعد نجاح ابوي واصل سعد الدين ابراهيم رحلته بثبات فكتب العزيزة ثم حكاية عن حبيبتي التي تغنى بها ابو عركي البخيت لتصبح واحدة من اهم علامات التجديد في تاريخ الاغنية السودانية بما حملته من رؤية شعرية مختلفة وبناء فني تجاوز القوالب الموروثة بكل جدارة وتميز وابداع متواصل.
وعي متقدم:
تميز سعد الدين ابراهيم بقدرته على تحويل التجربة الشخصية الى احساس جماعي لذلك وجد المستمع نفسه داخل قصائده دون عناء وكان يعبر عن تفاصيل الحياة بلغة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه فامتلك حضورا نادرا جعل قصائده تعيش في الذاكرة وتتجدد مع كل قراءة واستماع جديد ومتواصل عبر الاجيال.
بصمة خالدة:
رحل سعد الدين ابراهيم جسدا لكنه ترك ارثا شعريا سيظل حاضرا في وجدان السودانيين لان الموهبة الحقيقية لا تغيب وما كتبه من قصائد منح الاغنية السودانية افقا جديدا يؤكد ان الابداع يبقى اطول عمرا من اصحابه وان الكلمة الصادقة لا تعرف الغياب ابدا مهما تعاقبت السنون.
/////////////////
نص كلمة
احمد بركات .. النسخة المشوهة لعميد الفن !!
حق مشروع:
في احيان كثيرة تتغير المواقف عندما تتكشف الحقائق وهذا ما حدث في قضية عزالدين احمد المصطفى ضد الفنان أحمد بركات فقد بدا موقفه المتشدد من حماية اغنيات والده محل انتقاد لكن الواقع اثبت ان الحفاظ على التراث الغنائي مسؤولية كبيرة تستوجب الحزم حتى لا يصبح الارث الفني مستباحا لكل من يفتقد الوعي والقدرة.
تقليد فارغ:
المشكلة فى أحمد بركات لا تكمن في اعادة تقديم اعمال الرواد بل في غياب الحد الادنى من الوعي الفني فالمقلد الذي يعجز عن بناء شخصيته الابداعية يسيء الى الاغنية اكثر مما يخدمها لذلك يصبح التقليد عبئا على الفن عندما يخلو من الرؤية والاضافة والاحترام الحقيقي لقيمة النص واللحن والاداء.
مسؤولية الإعلام:
لا تقل مسؤولية القنوات الفضائية عن مسؤولية الفنانين لانها حين تفتح شاشاتها لمن يفتقدون الموهبة والمعرفة تمنح المشاهد نموذجا يهبط بالذائقة العامة بينما يستحق تراث احمد المصطفى ان يقدم عبر اصوات مؤهلة تدرك قيمة هذا الارث وتحافظ على جماله وخصوصيته للاجيال القادمة بكل احترام.
//////////////////
كلام فى الفن
أنس العاقب:
يمثل الدكتور انس العاقب نموذجا للموسيقي الذي جمع بين المعرفة والموهبة لذلك جاءت الحانه محكمة البناء وعميقة الاثر وتبقى ليل الشجن واحدة من العلامات الخالدة التي لم يبهت بريقها كما تؤكد روح معاك عمر الهنا انه ملحن يمتلك رؤية فنية راقية تتجاوز حدود الزمن وتبقى في الوجدان.
جعفر السقيد:
تكمن قيمة جعفر السقيد في شجاعته الفنية فقد حرر اغنية الطنبور من اسر العاطفة التقليدية وفتحها على اسئلة الواقع والانسان عبر نصوص مختلفة ورؤى جديدة لذلك لم يكن خروجه على المألوف خروجا على الهوية بل كان انحيازا للتجديد الذي يمنح الفنون قدرة دائمة على الحياة والتطور والاستمرار.
صلاح حاج سعيد:
يصعب الحديث عن الشعر الغنائي السوداني دون التوقف عند صلاح حاج سعيد فهو شاعر امتلك صدقا نادرا في التعبير واستطاع ان يمزج بين بساطة المفردة وعمق الدلالة فخرجت اعماله نابضة بالحياة والجمال لذلك فان تجاهل قامة بهذا الحجم لا يليق بتاريخ السودان ولا بقيمة عطائه الابداعي الكبير.
رمضان حسن:
لم يولد رمضان حسن في كنف الشهرة بل جاء من تفاصيل الحياة البسيطة حاملا صوته وموهبته حتى اكتشفه عبد الرحمن الريح وامن بقدراته فصنع منه فنانا له مكانته وكانت يا غرامي الاول بداية رحلة اثبتت ان الموهبة الصادقة تجد طريقها مهما تاخرت البدايات وتعددت ظروف الحياة الصعبة.
زكي عبدالكريم:
استمد زكي عبدالكريم روحه الفنية من حضارة النوبة وثراء البيئة المطلة على النيل فانعكس ذلك على اغنياته التي امتازت بالعمق والصدق والجمال ومع سنوات طويلة من الاجتهاد والمثابرة رسخ مكانته بين كبار الفنانين مؤكدا ان الابداع الحقيقي يصنعه الوفاء للفن قبل البحث عن الاضواء والشهرة.




