السودان الجديد أم الطريق المسدود؟ (٢-٢)

كيف تحولت أحلام السلطة إلى مأزق سياسي لقادة الحركات المتحالفين مع الدعم السريع؟
■ عندما أخطأت النخبة الحساب.. كيف تحول رهان الحسم السريع إلى عبء سياسي ثقيل؟..
■ من مجلس السيادة إلى هامش المشهد.. السقوط البطيء لقيادات الحركات المتحالفة مع الدعم السريع..
■ أهل دارفور في مواجهة السؤال الصعب.. من يتحدث باسم الضحايا ومن يبرر للحرب؟..
■ السودان الجديد بين الشعار والواقع.. لماذا تعجز النخب المتحالفة مع المليشيا عن تقديم مشروع دولة؟..
تقرير تحليلي/علم الدين عمر
دارفور بين الشعارات والواقع..
مضينا في الجزء الأول من هذه القراءة لتحديد ملامح المأزق السياسي والمجتمعي لمنسوبي الحركات الذين تحولوا من قيادات صف اول في صف الدولة لقادة مستوى ثالث خلف مشروع المليشيا بيد أن الأزمة الأعمق تتعلق بعلاقة هذه القيادات بقواعدها الإجتماعية..
فالحركات المسلحة لم تستمد شرعيتها من السلاح فقط.. وإنما من شعور قطاعات واسعة من سكان دارفور بأنها تعبر عن قضاياهم وتطلعاتهم..وأنها تمثل صوت المجتمعات التي عانت لعقود من التهميش والحرب وضعف التنمية..
لكن الحرب الحالية وضعت هذه العلاقة تحت إختبار غير مسبوق..
فالنازح الذي فقد منزله..والأسرة التي غادرت قريتها.. والمواطن الذي يعيش آثار الحرب بصورة يومية.. ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة تماماً عن حسابات النخب السياسية..إنه يبحث عن الأمن والإستقرار والحماية قبل أي شيء آخر..
ولذلك تزداد صعوبة الموقف بالنسبة للقيادات التي وجدت نفسها مطالبة بالدفاع عن خيارات سياسية وعسكرية..بينما تتصاعد معاناة المجتمعات التي جاءت أصلاً للدفاع عنها..
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة..فالكثير من القيادات التي بنت مشروعيتها السياسية على الحديث باسم ضحايا الحرب في دارفور.. وجدت نفسها خلال هذه الحرب في موقع سياسي يضعها أمام أسئلة صعبة تتعلق بمواقفها من المأساة الإنسانية التي أصابت الإقليم نفسه..
ولذلك لم تعد الأزمة تتعلق بالخلافات السياسية وحدها..بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بصورة هذه القيادات داخل المجتمعات المحلية التي منحتها الثقة والشرعية لعقود.
من الدولة إلى التبعية السياسية..
من أكثر التحولات إثارة للإنتباه خلال الحرب أن بعض القيادات التي كانت تشغل مواقع سيادية رفيعة داخل الدولة السودانية إنتقلت تدريجياً إلى موقع سياسي أقل تأثيرًا بكثير مما كانت عليه قبل الحرب.
فعضو مجلس السيادة..بحكم موقعه الدستوري.. يشارك في صناعة القرار الوطني ويتحمل مسؤولية مباشرة تجاه قضايا الدولة والمجتمع..أما عندما يصبح جزءاً من تحالف سياسي أو عسكري لا يمتلك داخله الوزن الحاسم أو القرار النهائي.. فإن دوره يتغير بصورة جوهرية..
وفي هذا الإطار يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين.. ماذا كسبت هذه القيادات من هذا الإنتقال؟..
فمن الناحية العملية إنتقلت من موقع الشريك في الدولة إلى موقع المدافع عن مشروع لا تملك السيطرة الكاملة على قراراته..وأصبحت في كثير من الأحيان أقرب إلى واجهات سياسية أو إعلامية منها إلى مراكز قرار حقيقية..فمثال سليمان صندل حقار الذي يتحدث من منصة إدعاء كوزير داخلية لما يعرف بحكومة التأسيس كناشط سياسي ضعيف القدرات وبلا معلومات..ومع مرور الوقت اتسعت الفجوة بين حجم المناصب التي كانت تشغلها سابقاً وحجم التأثير الفعلي الذي تملكه اليوم..
ولهذا يرى كثير من المتابعين أن الحرب لم تؤد فقط إلى إعادة تشكيل الخريطة العسكرية.. بل أعادت أيضاً رسم المكانة السياسية لعدد من الشخصيات التي كانت حتى وقت قريب جزءاً من قمة هرم السلطة في البلاد..
كما أن هذا التحول كشف أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين هذه القيادات ومشروع المليشيا نفسه..فبينما كانت تلك الشخصيات تمثل في السابق حركات سياسية تمتلك هياكلها التنظيمية وخطابها المستقل وقواعدها الإجتماعية الخاصة..أصبحت اليوم تتحرك داخل فضاء سياسي يطغى عليه النفوذ العسكري وموازين القوة الميدانية..
ومع الوقت تراجعت المساحات التي تسمح لها بالمبادرة السياسية المستقلة.. وأصبحت في موقع الدفاع عن خيارات لم تكن بالضرورة صاحبة القرار النهائي فيها..
السودان الجديد.. غياب المشروع..
المشكلة الأساسية في خطاب “السودان الجديد” ليست في الشعار..إنما في غياب التفاصيل..
فحتى الآن لا توجد إجابات واضحة عن طبيعة الدولة المقترحة أو شكل نظام الحكم أو كيفية إدارة الإقتصاد أو إعادة الإعمار أو معالجة آثار الحرب..
ولا توجد رؤية متماسكة بشأن مستقبل المؤسسات العسكرية أو العدالة الإنتقالية أو إدارة التنوع السوداني..
ولهذا يبدو أن الحديث عن السودان الجديد ظل أقرب إلى شعار تعبوي منه إلى مشروع سياسي متكامل..
فالتاريخ يعلمنا أن الإرتكاز لفكرة البنيان علي إعلان نهاية مرحلة سابقة فقط..وعدم تقديم بديل واضح وقابل للتطبيق..هو خطل كامل..
فالشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة في الحروب لا تكتفي بالشعارات.. بل تبحث عن إجابات عملية تتعلق بالأمن والخدمات والتعليم والصحة وفرص العمل والإستقرار..
ومن دون هذه الإجابات يبقى الحديث عن السودان الجديد مجرد عنوان سياسي كبير يفتقر إلى المضمون التنفيذي القادر على إقناع الناس..
المفارقة أن الخطاب المتداول وسط المتحالفين مع الدعم السريع يركز بصورة أكبر على هدم الواقع القائم أكثر من تركيزه على شرح البديل المقترح..
فمن السهل الحديث عن نهاية السودان القديم..لكن الأصعب هو تقديم تصور واقعي ومقنع لسودان جديد قادر على إدارة التنوع وتحقيق الإستقرار ومنع تكرار أسباب الحرب..
درس الحركات المسلحة في إفريقيا..
التجارب الإفريقية تقدم بدورها دروساً بالغة الأهمية..فالكثير من الحركات المسلحة التي وصلت إلى السلطة عبر القوة العسكرية اكتشفت لاحقًا أن الإنتصار في الحرب لا يعني بالضرورة النجاح في الحكم..ناهيك عن قيادة معركة مفتوحة دون الإستناد لأي برنامج سياسي أو مجتمعي شامل وقادر على الإقناع..
فإدارة الدولة تتطلب مؤسسات فاعلة ورؤية إقتصادية وإستقراراً إجتماعياً وشرعية سياسية واسعة..تفتقر المليشيا وبرنامجها لها كلها تماماً..فهي ببساطة شروط لا يوفرها السلاح والإرتزاق والإرتهان ثلاثية البرنامج الدقلوي المزعوم..
ولهذا انتهت تجارب عديدة إلى أزمات جديدة بعدما عجزت عن تحويل شرعية البندقية إلى شرعية دولة..
وفي حالات كثيرة تحولت الحركات التي رفعت شعارات التحرير والتغيير إلى كيانات منشغلة بإدارة السلطة أكثر من إنشغالها بتحقيق الأهداف التي خرجت من أجلها..وهنا يبرز السؤال نفسه أمام القوى السياسية السودانية كافة..
هل الهدف هو الإنتصار في الحرب أم بناء الدولة؟..
لأن الإجابتين ليستا شيئاً واحداً..
فالحرب قد تنتج غالباً ومغلوباً..لكنها لا تنتج بالضرورة دولة مستقرة أو عقداً إجتماعياً جديداً أو نظاماً سياسياً قادراً على الإستمرار..
المسؤولية الأخلاقية قبل المسؤولية السياسية..
وربما يواجه هؤلاء القادة المتحالفين مع المليشيا اليوم سؤالاً أكثر صعوبة من الأسئلة السياسية التقليدية المتعلقة بالتحالفات والمواقف والرهانات العسكرية.. وهو سؤال المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمعات التي خرجوا منها ومثلوها لسنوات طويلة..
ففي نهاية المطاف.. لم تصل هذه القيادات إلى مواقعها عبر المناصب وحدها.. وإنما عبر رصيد معنوي كبير صنعته معاناة المجتمعات المحلية التي قدمت أبناءها في ساحات القتال.. وأحتملت ويلات النزوح والتشريد والحروب أملاً في تحقيق العدالة والإنصاف والتنمية والإستقرار فعلي الأقل هذا ما سوقوه خلال المراحل الماضية..
ومن هنا تنبع حساسية الموقف الحالي..
فالمواطن الذي فقد منزله أو نزح من قريته أو عاش سنوات الحرب بكل قسوتها..قد لا ينظر إلى المسألة من زاوية التعقيدات السياسية التي تتحدث عنها النخب بقدر ما ينظر إليها من زاوية أبسط وأكثر مباشرة.. أين كانت القيادات التي تحدثت بإسمنا عندما كانت مجتمعاتنا تواجه هذه المحنة؟..
وهذا السؤال تحديداً يفسر جانباً من الحرج الذي قد يكتنف مستقبل هذه القيادات سياسياً واجتماعياً..
فمن الصعب على أي قائد سياسي أن يعود إلى المجتمعات المحلية نفسها ليتحدث مجدداً عن الإصلاح السياسي أو التنمية أو الخدمات أو الحقوق المدنية.. دون أن يواجه أسئلة تتعلق بمواقفه أثناء الحرب وبطبيعة الأدوار التي لعبها وحدود مسؤوليته السياسية والأخلاقية عن التحالفات التي انخرط فيها..
ولا يتعلق الأمر هنا بالمسؤولية القانونية أو الجنائية..فهذه مسائل تحددها المؤسسات المختصة.. وإنما بالمسؤولية السياسية والأخلاقية التي يحكمها الرأي العام وذاكرة المجتمعات المحلية..
ففي أوقات الأزمات الكبرى لا يتذكر الناس فقط من حمل السلاح وقتل وشرد ونهب وأغتصب بصورة مباشرة..إنما يتذكرون أيضاً من وفر الغطاء السياسي..ومن إلتزم الصمت..ومن إختار الإنحياز للقاتل ..ومن تحدث باسمهم في اللحظات الأكثر صعوبة..
ولهذا فإن التحدي الأكبر الذي قد يواجه هذه القيادات بعد الحرب لن يكون إستعادة المواقع السياسية أو الحصول على مناصب جديدة.. وإنما إستعادة الثقة نفسها..
لأن الثقة الإجتماعية.. بخلاف المناصب.. لا تُمنح بقرار سياسي ولا تُستعاد بخطاب إعلامي..هي تُبنى عبر مراجعات شجاعة ومواقف واضحة وقدرة حقيقية على مواجهة أسئلة الماضي قبل الحديث عن إستحقاقات المستقبل..
المأزق الشخصي والسياسي..
اليوم تبدو بعض القيادات المتحالفة مع الدعم السريع وكأنها تواجه وضعاً سياسياً شديد التعقيد..
فهي لا تستطيع التراجع بسهولة عن مواقفها السابقة..هذا الخيار غير متاح.. كما لا تستطيع الادعاء بأن الوقائع سارت وفق الحسابات التي بنت عليها خياراتها الأولى..
ولذلك تبدو خطاباتها السياسية في كثير من الأحيان محاولة لتبرير الماضي أكثر من كونها رؤية واضحة للمستقبل..
إنها حالة من ضيق الخيارات السياسية..
فكل خطوة إلى الخلف مكلفة..وكل خطوة إلى الأمام محفوفة بالمخاطر..
ولهذا يستمرون في الدفاع عن المسار ذاته حتى عندما تتراجع فرص نجاحه..حالة سليمان حقار نموذجاً..
ماذا بعد الحرب؟..
في نهاية المطاف ستتوقف الحرب..
وعندما يحدث ذلك سيجد الجميع أنفسهم أمام أسئلة جديدة تتعلق بالمسؤولية السياسية والأخلاقية وإعادة بناء الدولة وتحقيق المصالحة الوطنية..
وحينها لن يكون المعيار هو حجم الشعارات التي رفعتها القوى السياسية أثناء الحرب..وإنما حجم مساهمتها الفعلية في حماية المجتمع والحفاظ على الدولة وتقليل الخسائر الوطنية..
لقد غيرت الحرب السودان بالفعل.. وغيرت معها مصائر كثير من السياسيين والحركات المسلحة..
لكن التجربة أثبتت أيضًا أن الرهان على السلاح يختلف كثيراً عن بناء الشرعية.. وأن الطريق إلى السلطة ليس بالضرورة طريقاً إلى الدولة..
أما الحديث عن إنتهاء السودان القديم وولادة السودان الجديد..فلن يكون كافياً لإقناع شعب أنهكته الحرب.. ما لم يصاحبه مشروع وطني حقيقي يقدم إجابات واضحة عن أسئلة الأمن والإستقرار والعدالة وإعادة البناء..
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيواجه الجميع عندما تنتهي المعارك ويبدأ الحساب السياسي والتاريخي.. فحينها ستتحدد مكانة الأفراد والحركات والتحالفات..



