أهلية وديموقراطية الحركة الرياضية.. انتخابات الهلال نموذجًا

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

وربما تكون قدرة هذا “العنوان” قليلة جدًا هذه الأيام حتى يستطيع أن يزاحم أخبار وعناوين يفرضها “المونديال” المقام في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، إلا أن الزخم الجماهيري الذي يلقاه هذا الحدث العالمي يلفت اهتمامنا للتعامل مع “جماهيرية” هذا النشاط، بلا منازع، في العالم، وأن هذه الجماهيرية تصنع له شغفًا حتى خارج المستطيل الأخضر، ولهذا عدة مستويات ومؤشرات للقياس، منها مستوى التغطية والاهتمام الإعلامي الذي تلقاه اللعبة، إضافة إلى حجم “رؤوس الأموال” التي تضخ استثماراتها في نشاط كرة القدم. وفي الآونة الأخيرة، وعلى الرغم من اجتهادات الاتحاد الدولي المنظم للعبة كرة القدم “FIFA” لترسيم خطوط فاصلة بين كرة القدم كنشاط رياضي والسياسة، إلا أن ذلك لم يعد ممكنًا، بل صار التداخل بين جغرافيا الرياضة والسياسة أمرًا يؤثر ويتأثر بما يحدث في ميداني الرياضة والسياسة.

ما نحن بصدد التعاطي معه الآن ينقسم إلى جزأين؛ أولهما “أهلية” هذا النشاط في السودان، والثانية هي “ديموقراطية” هذا النشاط وترسيخ مفاهيمها.

يجب التأكيد على أنه، وعلى تأثيرات الحرب الواسعة على المشهد العام في السودان، فإن المشهد الرياضي دفع أيضًا كلفتها بتوقف النشاط الرياضي بشكل عام، وتضرر كل البنى التحتية التي يعتمد عليها نشاط كرة القدم.

كرة القدم كنشاط “أهلي” تظهر ملامحه في السودان أكثر من ديموقراطيته، بسبب أن الدولة، وبأجهزتها الرسمية الممثلة في وزارات الشباب والرياضة، يظل الإسهام الرسمي للدولة من الخزانة العامة صفريًا إذا ما قارناه بمساهمات القطاع الأهلي والخاص، الذي ظل على الدوام يتحمل هذا العبء الثقيل، بل وأصبح العمل الرياضي هو الملاذ الآمن والمتنفس في مشهد عام تخنقه السياسة.

وقد يكون السؤال الملح هنا عن مسؤوليات القطاع الرسمي في هذا النشاط في السودان، وعن لماذا تتضاءل مساهماته “المالية” إذا ما قارناها في مقابل التدخلات المباشرة والسافرة للقطاع الرسمي في المشهد الرياضي؟

الدولة لديها “تصنيف” متأخر للرياضة بشكل عام، إضافة إلى أنها تفهم تمامًا بأن القطاع الأهلي ينوب عنها تمامًا في هذا الأمر، وبالتالي ليس هنالك حاجة لأن تشغل بال الخزانة العامة بالإنفاق على النشاط الرياضي.

(*) ديموقراطية في فضاء غير مستقل..

“شكلًا” تظهر تمظهرات للديموقراطية في الفضاء الرياضي الخاص بنشاط كرة القدم لأسباب متعددة، منها النفوذ الذي تتمتع به المؤسسات الدولية لكرة القدم “FIFA”، وقدرتها على فرض وتنفيذ سياساتها وقوانينها على الهيئات الرياضية، وإن كانت تلك الهيئات قادرة بصورة كبيرة على التحايل على الشروط الديموقراطية المطلوبة فيها.

نقول “شكلًا” لأن “FIFA” نفسه لا يزال عاجزًا عن تطبيق وترسيخ القيم الديموقراطية التي يدعو لها ويدعمها في أدبياته، إذ لا تزال انتخاباته وترشيحات مكاتبه ولجانه المتخصصة خاضعة للنفوذ السياسي والاقتصادي، وغير متحررة من تأثيرات سالبة على الممارسة الديموقراطية، وبات أقرب للديكتاتورية المدنية منه للممارسة الديموقراطية.

وما ذكرناه يمكن إسقاطه تطابقًا على الاتحادات الإقليمية والوطنية، والحال في الاتحاد السوداني لكرة القدم، الذي ظل لعقود ودورات طويلة نموذجًا للتدخل السياسي الصارخ في المشهد الرياضي، على الرغم من انعقاد الجمعيات العمومية وصياغة النظم الأساسية واللوائح التي تعطي انطباعًا بأن كل شيء تم ترتيبه وفق المبادئ الديموقراطية.

لم نشعر في يوم من الأيام بأنه، ووفق الاشتراطات الديموقراطية، فإن الهيئات الرياضية في السودان متحررة من قيد ظل يعطل مسيرتها لسنوات.

وظلت وزارة الشباب والرياضة، وعلى الدوام، هي “عضل” السلطة الذي تلوي به ذراع أهلية وديموقراطية الحركة الرياضية، وتتحكم في رسم السياسات الرياضية وفقًا لرؤاها وتصوراتها.

(*) الهلال.. نادي الحركة الوطنية..

أو هكذا يحب أهل الهلال أن يذكروا ناديهم، الذي يعيش هذه الأيام “أجواء” الممارسة الديموقراطية بانقضاء أجل دورة مجلس إدارته المنتخب منذ العام 2022م. ونأخذ النموذج الأزرق في هذه الحالة لأسباب متعددة، في مقدمتها أن هذا النادي، ولمن لا يعلم أو أولئك من أصحاب الاهتمام المحدود بالنشاط الرياضي، والذين لديهم اعتقاد جازم بأن كرة القدم هي نشاط لا يتعدى ما يشاهدونه عبر شاشات العرض التلفزيونية، بينما هو نشاط يتعدى ذلك بكثير.

نادي الهلال الآن، وفي هذه المرحلة، يعيش فترة يمكن وصفها بالفترة “الانتقالية”، وهي الفترة التي تفصل بينه وبين سيطرة وتدخلات ما يعرف عند المشرع الرياضي باسم “الطرف الثالث”، والمتمثل في “مفوضية” هيئات الشباب والرياضة، ذراع السلطة التي كانت هي الناهي والآمر في نشاط كرة القدم، تضع القوانين واللوائح، بل كان القانون الحاكم، ولأوقات كثيرة، وعبر المادة (9) في القانون، يعطي السلطة التنفيذية للوزير الحق في “تعيين” و”حل” مجالس إدارات الهيئات الرياضية، والهلال نفسه لم ينجُ من هذه التدخلات في أوقات كثيرة بحسب “تقديرات” الوزير الشخصية.

هذا التدخل السلطوي السافر تمت “شرعنته” بأيادٍ رياضية عبر “نصوص” قانونية في قانون هيئات الشباب والرياضة، ونصوص مماثلة لهذه النصوص في النظم الأساسية للأندية، وهذا ظل مؤكدًا في النظام الأساسي لنادي الهلال منذ العام 2008م، واستمر حتى تعديله في العام 2022م، ليتوافق مع مطلوبات استقلالية الهلال كهيئة رياضية.

أجازت الجمعية العمومية لنادي الهلال النظام الأساسي الجديد، وكان ذلك أول تحول إيجابي حقيقي للنادي ناحية الديموقراطية، وشمل ذلك تغييرات جوهرية في دستور النادي، أهمها تشكيل “النظام العدلي” المستقل في النادي، والذي تضمن تشكيل لجنة الانتخابات، ولجنة الاستئنافات الانتخابية، ولجنة الاستئنافات العامة، ولجنة الانضباط والأخلاق، وينتخب أعضاء هذه اللجان من داخل الجمعية العمومية لنادي الهلال، ويخضعون لفحص النزاهة، ويحدد النظام الأساسي لنادي الهلال أجل المجلس المنتخب، ومطلوبات الشفافية المالية، والصلاحيات، إضافة إلى القيم الإنسانية التي يحتكم إليها أعضاء النادي.

وبالضرورة، فإن كل ما ذكرناه يجعل من نادي الهلال يسبق حتى المشهد السياسي بركعتين في الممارسة الديموقراطية، والمقاربة بين ممارسة أهل الهلال في صياغة دستور الهلال ونظامه الأساسي، وما حدث في الوثيقة الدستورية من جدل واختلاف في عدد الوثائق، ناهيك عن محتواها، يؤكد ما ذهبنا إليه آنفًا.

صحيح بأن الوقت لا يزال مبكرًا جدًا للحكم على اكتمال التجربة الديموقراطية في الهلال، وأن الممارسة والتطبيق لا تزال بعيدة عن الوضع المثالي، وأن هنالك انحرافات كبيرة في ذلك، إلا أنه يمكننا القول بأن ما سيحدث في الأسبوع القادم في انتخابات الهلال هو شيء يمكن البناء عليه كأساس للممارسة التي تليق بنادٍ بحجم وجماهيرية نادي الهلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى