رئيس المجلس السوداني الأوروبي الخبير القانوني دكتور محمد الزين:

غياب “قانون وطني” يصنف الدعم السريع منظمة إرهابية يُضعف موقف السودان

 اتفاقيات “الدفاع المشترك” تحمي الإمارات من العقوبات الأمريكية

عقوبات “أوفاك” سياسية.. والمصالح الاستراتيجية تمنع مساءلة الدول الداعمة للمليشيا

الأزمة في السودان معركة وجود للدولة وليست مجرد خلاف سياسي يُحل بالحوار

أرقام مؤتمر برلين تفتقر للمصداقية.. وما يصل للمتضررين فتات تبتلعه النفقات

 

في ظل تعقيدات المشهد السوداني وتداخل أبعاده الإنسانية والسياسية والدولية، يطرح مؤتمر برلين الأخير تساؤلات جوهرية حول جدوى التعهدات المالية في غياب آليات إلزام واضحة، ودور الفاعلين الدوليين في إدارة الأزمة. وبين دعوات الحوار الشامل وتصاعد مسار العقوبات، تتكشف إشكاليات أعمق تتعلق بطبيعة الصراع، وحدود التأثير الدولي، وإمكانية توظيف الأدوات القانونية والسياسية في مسار الحرب. في هذا السياق، يقدّم الخبير القانوني ورئيس المجلس السوداني الأوروبي الدكتور محمد الزين قراءة نقدية لهذه الملفات، كاشفًا عن فجوات في التعاطي الدولي، ومحددات الفعل القانوني في مواجهة الأزمة في حوار مع قناة إسانبير أجرته أفراح تاج الختم:

.

*مخرجات مؤتمر برلين تحدثت عن تعهدات بنحو مليار ونصف المليار يورو، كيف تقرأون واقعية هذه الأرقام؟*

مؤتمر برلين يضم عدداً من المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر وغيرها، فضلاً عن منظمات مدنية وسياسية سودانية.

لكن حكومة السودان لم تتم دعوتها، وهناك غياب في البيانات الدقيقة المتعلقة بالوضع داخل السودان.

ومن المفترض عند الحديث عن مساعدات أو تمويل أن تُستشار الحكومة باعتبارها الجهة الموجودة على الأرض والمطلعة على تفاصيل الواقع.

وعليه، فإن الحديث عن 1.5 مليار يورو أو دولار يفتقر إلى الوضوح والمصداقية، خصوصاً أن هذه المنظمات تمتلك أصلاً ميزانيات مخصصة للسودان، وبالتالي فإن هذه الأموال ليست وليدة المؤتمر، بل مخصصات قائمة سلفاً.

كما أن هذا الرقم لا يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية في السودان من نزوح واسع وخسائر كبيرة وارتفاع أسعار الغذاء والدواء، والمبلغ محدود جداً مقارنة بالاحتياجات الفعلية.

إضافة إلى ذلك، فإن نسبة كبيرة من أموال المساعدات الدولية—قد تصل إلى 40% في الظروف العادية وترتفع إلى 70% في الحالات الاستثنائية مثل السودان—تذهب للنفقات الإدارية والتشغيلية، مما يعني أن ما يصل فعلياً إلى المستفيدين يكون محدوداً للغاية.

 

*ما آليات إيصال هذه المساعدات إلى مستحقيها، خاصة في ظل عدم مشاركة الحكومة السودانية في المؤتمر؟*

هناك مستويان لعمل المساعدات الإنسانية. الأول يتمثل في المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي. أما المستوى الثاني، فيتمثل داخل السودان عبر مفوضية العون الإنساني، التي تشرف بدورها على منظمات وطنية يفترض أن تضطلع بدور أساسي في توزيع المساعدات.

كما تشارك في هذه العملية شركات خاصة، مثل شركات النقل والشحن. غير أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت وجود فجوة كبيرة في التنسيق، نتيجة عمل بعض المنظمات بمعزل عن الحكومة، بل واتجاهها للعمل عبر الحدود، خصوصًا في المناطق المتاخمة لتشاد.

 

*هل يرتبط توزيع هذه المساعدات بمسارات سياسية؟*

للأسف، يتم توظيف المساعدات الإنسانية أحيانًا لأغراض سياسية. وهناك جانب إيجابي، لكن في المقابل توجد ممارسات خطيرة، من بينها تسرب بعض المساعدات إلى المليشيات. وقد حدث بالفعل أن دخلت شحنات دون علم الحكومة أو حمايتها، وانتهت إلى مناطق تسيطر عليها هذه المجموعات، خاصة في دارفور.

الأخطر من ذلك هو محاولة تكريس واقع سياسي جديد عبر التعامل مع هذه المليشيات كسلطة أمر واقع، وإلزام المنظمات بالتسجيل لديها، وهو ما يمثل سابقة خطيرة

 

*كيف تقرأون دعوة الآلية الخماسية إلى حوار سوداني شامل؟*

تضم الآلية الخماسية الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، والإيقاد، والاتحاد الأوروبي.

لكن الإشكالية تكمن في تشخيص طبيعة الأزمة. فالوضع في السودان ليس مجرد صراع داخلي، بل يتضمن أبعادًا تتعلق بالعدوان الخارجي والتدخلات الإقليمية.

وبالتالي، فإن طرح الحوار في هذا السياق دون معالجة جذور الأزمة يمثل قراءة غير دقيقة. نحن أمام معركة تتعلق بوجود الدولة، وليس مجرد خلاف سياسي.

كما أن هناك انقسامًا واضحًا داخل هذه الأطراف.

 

*مقاطعة لكن الآلية تؤكد أنها تدعو إلى حوار سوداني شامل لا يستثني أحدًا؟*

هذا الطرح، في تقديري، لا يعكس الواقع. فإدماج المليشيات في مسار سياسي يتجاهل طبيعة ما ارتكبته من انتهاكات خطيرة. نحن نتحدث عن مجموعات متهمة بارتكاب جرائم واسعة، وليس عن قوى سياسية يمكن التحاور معها.

الأولوية الآن هي الحفاظ على الدولة، وليس الدخول في تسويات سياسية سابقة لأوانها.

 

*هل هناك تعاطٍ دولي مع ملف السودان، خاصة فيما يتعلق بفرض عقوبات على شركات متورطة في تجنيد مقاتلين لصالح المليشيا؟*

الملف يرتبط بمكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (أوفاك)، الجهة المختصة بفرض العقوبات. وهي بطبيعتها سياسية وتخدم المصالح الأمريكية.

المكتب أصدر ثلاثًا وأربعين عقوبة على السودان، شملت أشخاصًا وكيانات، من بينهم قيادات في النظام السابق، والحكومة الحالية، إضافة إلى قيادات في المليشيا، مثل محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وعبد الرحيم دقلو، وجمعة بارك الله، وأبو لؤلؤة.

وخلال الأيام الماضيوة ، أُدرجت أسماء جديدة مرتبطة بشركات كولومبية. في المقابل، توجد شركات أخرى تعمل في مجال تجنيد المرتزقة ومسجلة في دول أخرى، من بينها شركات في دبي. وعندما أُثيرت مسألة ارتباطها بدولة الإمارات، جرى نفي ذلك رسميًا.

وهنا يبرز التساؤل: هل فُرضت عقوبات على دولة الإمارات؟ الإجابة: لا. ويرتبط ذلك، بحسب ما هو مطروح، بوجود اتفاقية حماية موقعة بين الولايات المتحدة والإمارات قبل عامين.

بالتالي، فإن أثر هذه العقوبات يظل محدودًا في نطاقه، إذ يقتصر على الأفراد، مثل تجميد الأصول داخل الولايات المتحدة، دون أن يمتد إلى مساءلة جنائية أو إجراءات بحق الدول.

*هل يمكن أن تقود العقوبات إلى ملاحقة تلك الشركات أمام مجلس الأمن أو المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها جرائم حرب؟*

، ليس لها تأثير مباشر في هذا الاتجاه. فالولايات المتحدة لديها إشكالية مع المحكمة الجنائية الدولية. ورغم دعمها السابق لميثاق روما، فإنها تراجعت عن ذلك لاحقًا، بل واتخذت مواقف معارضة عندما شرعت المحكمة في التحقيق في قضايا حساسة.

وبالتالي، فإن العقوبات الأمريكية لا تُترجم إلى إجراءات قضائية دولية. ومع ذلك، يمكن للسودانيين الاستفادة منها كأدلة داعمة في القضايا المرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وفي هذا السياق، هناك بالفعل شكوى قُدمت في يناير 2024 ضد عدد من الأطراف، من بينهم محمد بن زايد، ومحمد كاكا، ومحمد حمدان دقلو، ويمكن تعزيز هذه القضايا بما يتوفر من معطيات، مثل وثائق وصور تُظهر تحركات مرتزقة عبر مطارات في المنطقة.

 

*هل تمتلك الولايات المتحدة أدوات فعلية لوقف الدعم الخارجي وشبكات توريد السلاح للمليشيا؟*

من حيث الإمكانات، نعم. الولايات المتحدة دولة عظمى تمتلك قدرات تقنية متقدمة، بما في ذلك الأقمار الصناعية، التي تمكنها من رصد تحركات السلاح.

لكن المسألة تتعلق بالإرادة السياسية. فهناك تحالفات استراتيجية واتفاقيات دفاع مشترك مع بعض الدول، وهو ما يحدّ من اتخاذ إجراءات قد تمس هذه العلاقات ،الإمارات والولايات المتحدة نموذجا” .

في المقابل، كشفت لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة عن مسارات نقل أسلحة وطائرات، انطلقت من دول مثل صربيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا. وكانت التعاقدات تتم مع دول وسيطة، ثم يُفترض ألا تُنقل الأسلحة إلى طرف ثالث.

لكن الواقع يُظهر وصول هذه الأسلحة إلى أطراف النزاع داخل السودان، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية انتقالها، ويعزز الاتهامات بوجود خروقات في هذا الجانب.

وتبرز هنا إشكالية ازدواجية المعايير في القانون الدولي، حيث تختلف المواقف تبعًا للمصالح السياسية.

 

*هناك مطالبات من بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي بتصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، ما دلالة الخطوة؟*

خطوة مهمة ومطلوبة، لكنها تواجه تعقيدات. فالعقوبات التي يفرضها “أوفاك” تستهدف أفرادًا، بينما تصنيف كيان كمنظمة إرهابية يتطلب تشريعًا من الكونجرس، ويترتب عليه آثار قانونية واسعة.

ما يعني تجريم أي تعامل مع هذا الكيان، سواء من دول أو شركات، ويخلق إشكالات سياسية كبيرة.

ولهذا، تتجنب بعض الأطراف المضي في هذا الاتجاه، حتى لا تُغلق قنوات التفاوض السياسي. فالتصنيف الإرهابي يقيّد أي تواصل سياسي لاحق.

وفي المقابل، من المهم أن تبادر الحكومة السودانية بإصدار قانون وطني يصنف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، لتعزيز موقفها عند مخاطبة المجتمع الدولي، إذ لا يمكن المطالبة بتصنيف خارجي دون وجود سند قانوني داخلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى