كيف أعادت منظومة الصناعات الدفاعية تشكيل معادلة الحرب في السودان؟
“ساها 2026”..

حضور لافت ضمن خارطة كبار منتجي الصناعات الدفاعية عالمياً
أسرار صمود الجيش السوداني في معركة الإستنزاف الكبرى
حين أُستُهدفت المصانع قبل البنادق
المعركة الخفية لتفكيك القوة العسكرية السودانية
“ساها 2026” يكشف المفاجأة..
متابعة/ علم الدين عمر
في واحدة من أعمق دلالات التحولات العميقة داخل المشهد السوداني..شكل حضور السودان في معرض “ساها 2026” الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء في إسطنبول عبر منظومة الصناعات الدفاعية السودانية حضوراً مختلفاً ولافتاً.. بدا وكأنه إعلان سياسي وعسكري وإستراتيجي للدولة السودانية..التى أستمرت رغم الحرب ومحاولات الإنهاك والتفكيك..فى إمتلاك القدرة على إنتاج القوة..وإعادة بناء أدواتها..والتحرك داخل واحد من أعقد قطاعات العالم وأكثرها حساسية.. قطاع الصناعات الدفاعية..
الرسالة التي حملها جناح منظومة الصناعات الدفاعية السودانية لم تكن محصورة في عرض أكثر من تسعين منتجاً وخدمة عسكرية وتقنية..بل تجاوزت ذلك إلى تقديم صورة مختلفة عن السودان..كدولة تخوض حرباً شرسة.. لكنها في الوقت نفسه قادرة على المحافظة على خطوط إنتاجها.. وتأمين إحتياجات جيشها..وتطوير تقنياتها وقدراتها العسكرية .والظهور بثقة وسط أكثر من 120 دولة و1700 شركة عالمية في معرض يعد من أكبر منصات الصناعات العسكرية في العالم..
فقد تشارك الفريق أول ركن ميرغني إدريس سليمان..مساعد القائد العام لشؤون الصناعات العسكرية ومدير عام منظومة الصناعات الدفاعية.. إلى جانب الفريق حسن داؤود كبرون وزير الدفاع..واللواء الركن المعتصم عبدالله الحاج نائب مدير المنظومة لتطوير المنتجات الدفاعية.. إضافة إلى السفير السوداني لدى تركيا والقنصل السوداني في إسطنبول الجلوس إلي منصة الكبار خلال الإستعراض..
كما سجل الجناح السوداني إقبالاً لافتاً من الوفود والزوار والمتخصصين..الذين أبدوا اهتماماً واضحاً بالتجربة السودانية في مجالات التصنيع العسكري والخدمات الفنية والتقنيات الدفاعية..خاصة في ظل الظروف المعقدة التي يعمل فيها السودان..
الحرب التي إستهدفت المصانع قبل الجبهات..
ما جرى لمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية خلال السنوات الماضية يكشف أن استهدافها لم يبدأ مع اندلاع الحرب الحالية..بل سبق ذلك بوقت طويل..ضمن محاولات متدرجة لإعادة هندسة موازين القوة داخل الدولة السودانية..
فخلال سنوات الإنتقال السياسي الأولى.. تصاعدت محاولات إخضاع الشركات التابعة للمنظومة لولاية الحكومة المدنية تحت شعارات الإصلاح الإقتصادي وتفكيك التمكين وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية.. غير أن كثيراً من المراقبين رأوا في تلك التحركات محاولة لإنتزاع أهم أدوات الإستقلال الإستراتيجي للقوات المسلحة السودانية.. وتجريد الجيش من شبكاته الإقتصادية والإنتاجية واللوجستية التي تمثل العمود الفقري لإستمرارية العمليات العسكرية..
الأخطر.. أن هذه المحاولات جاءت في وقت كانت فيه البيئة الإقليمية والدولية تضغط باتجاه إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السودانية بصورة تقلل من إستقلاليتها وقدرتها الذاتية على التسليح والإنتاج..
لكن قيادة منظومة الصناعات الدفاعية تعاملت مع الملف بحس أمني عال وحصافة واضحة.. وأدركت مبكراً أن تفكيك المنظومة لا يعني فقط نقل شركات من ولاية إلى أخرى..بل يعني فتح الطريق عملياً لإضعاف الجيش نفسه..وتحويله إلى مؤسسة تعتمد بالكامل على الخارج في الإمداد والتسليح والذخائر والصيانة..
ولولا ذلك الإدراك المبكر..لربما بدأت عملية تفكيك الجيش السوداني من بوابة الصناعات الدفاعية.. وليس من خطوط القتال ولنجحت خطة إبتلاع الدولة السودانية خلال ساعات من تمرد مليشيا الدعم السريع..
كلمة السر في الحرب.. الإمداد..
أثبتت الحرب السودانية أن الجيوش تنتصر لإرادة شعبها بقدرتها على الإستمرار..وبذلك برز الدور الحاسم لمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية..
ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تواجه ظروفاً معقدة من الحصار الإقتصادي..وتعطل سلاسل الإمداد.. واستهداف البنية التحتية..كانت المنظومة تتحرك بهدوء لإعادة ترتيب خطوط الإنتاج.. وتأمين المخزون الإستراتيجي..وضمان تدفق الذخائر والمعدات وقطع الغيار واحتياجات العمليات..
النجاح الحقيقي للمنظومة لم يكن في إنتاج السلاح فحسب.. بل في المحافظة على استمرارية الحرب لصالح الدولة السودانية.. ومنع إنهيار قدرات الجيش اللوجستية والفنية..
فالحروب الطويلة تُحسم غالباً داخل المصانع والمخازن ومراكز الصيانة أكثر مما تُحسم في الخنادق..
وخلال مراحل عديدة من الحرب..ظهر بوضوح أن القوات المسلحة السودانية استطاعت إستعادة زمام المبادرة الميدانية تدريجياً بفضل قدرتها على تعويض الفاقد.. وإعادة التأهيل.. وتطوير بعض القدرات التشغيلية.. وهو ما يرتبط بصورة مباشرة بفاعلية منظومة الصناعات الدفاعية..

اخغتراق تعقيدات التصنيع الحربي..
العمل في قطاع الصناعات العسكرية ليس مهمة بسيطة.. خاصة بالنسبة لدولة تواجه عقوبات وضغوطاً سياسية وإقتصادية ممتدة مثل السودان..
فهذا القطاع يرتبط بشبكات معقدة من التكنولوجيا والمواد الخام والبرمجيات وأنظمة التحكم وسلاسل الإمداد العالمية..فضلاً عن القيود المتعلقة بالتصدير والتعاون التقني..
ومع ذلك.. تمكنت منظومة الصناعات الدفاعية السودانية من بناء خبرات تراكمية مهمة خلال العقود الماضية.. شملت مجالات التصنيع العسكري.. والصيانة..والذخائر.. والمركبات..والأنظمة الإلكترونية.. والتقنيات المرتبطة بالدفاع..
وخلال الحرب الأخيرة..تحولت هذه الخبرات من مجرد قدرات صناعية إلى عنصر حاسم في الأمن القومي..
فالمنظومة لم تواجه فقط تحديات التشغيل..بل واجهت أيضاً محاولات إستهداف مباشر وغير مباشر لبنيتها ومقدراتها وخبراتها البشرية..وسط بيئة معقدة سعت فيها المليشيا إلى ضرب مراكز القوة الإستراتيجية للدولة السودانية..
لكن ما حدث عملياً كان العكس تماماً.. إذ دفعت الحرب المنظومة نحو مزيد من التكيف والتوسع والإعتماد على القدرات الذاتية.. ما جعلها أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع الظروف الاستثنائية..
“ساها 2026”.. السودان يخرج من خانة الإستهلاك إلى دائرة التأثير..
المشاركة السودانية في معرض “ساها 2026” تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الفني أو التجاري..
فوجود جناح سوداني متكامل وسط هذا الحضور الدولي الكثيف يعني أن السودان لم يعد يُنظر إليه فقط كساحة نزاعات.. فقظ تحول لدولة تمتلك تجربة صناعية دفاعية تستحق المتابعة..
الإقبال الكبير على الجناح السوداني والإهتمام بالمنتجات والخدمات المعروضة يكشف أيضاً عن حقيقة مهمة..متعلقة بأن التجارب التي تنشأ تحت ضغط الحروب غالباً ما تنتج حلولاً عملية ومبتكرة وذات كفاءة عالية..
كما أن المعرض وفر فرصة مهمة لفتح قنوات تعاون جديدة.. وعرض الإمكانات السودانية أمام شركات ومؤسسات دولية متخصصة في الصناعات العسكرية والطيران والفضاء والتقنيات الحديثة..
الدولة التي استطاعت الحفاظ على منظومتها الدفاعية وسط واحدة من أعنف الحروب في المنطقة.. قادرة أيضاً على تطوير شراكاتها.. وتعزيز صناعاتها.. والتحرك بثقة داخل سوق عالمي شديد التعقيد والتنافس..
ما بعد الحرب.. الصناعة الدفاعية رافعة للدولة..
التجربة السودانية خلال الحرب أعادت طرح سؤال بالغ الأهمية..هل يمكن للصناعات الدفاعية أن تتحول إلى رافعة وطنية لإعادة بناء الدولة بعد الحرب؟
الإجابة تبدو أقرب إلى “نعم”..إذا ما تم إستثمار هذه الخبرات بصورة صحيحة..
فمنظومة الصناعات الدفاعية لا تمثل فقط قدرة عسكرية..فهي تمثل أيضاً قاعدة تكنولوجية وصناعية وبشرية يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إعادة بناء الإقتصاد الوطني.. ونقل التكنولوجيا.. وتأهيل الكوادر.. وتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة والهندسة والإتصالات والبرمجيات..
لقد كشفت الحرب أن الدول التي تمتلك قدراتها الذاتية في التصنيع والإمداد تكون أكثر قدرة على الصمود.. وأكثر إستقلالاً في قرارها السياسي والعسكري..
ولهذا فإن الظهور اللافت في “ساها 2026” تجاوز عرض المنتجات العسكرية.. لإعلان صريح بأن السودان..رغم الجراح والحصار والحرب.. ما يزال يحتفظ بأحد أهم عناصر قوته الإستراتيجية في القدرة على إنتاج أدوات بقائه بنفسه..
في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.. تبدو هذه الرسالة أكثر أهمية من أي وقت مضى..



