منى ابوزيد تكتب : الأمة قبل الدولة..!

هناك فرق..

“يتعلم الإنسان بالظروف الجديدة لأنه يتخلص من سطوة العادات”.. فرانسيس بيكون..!

 

السفير الفرنسي الأسبق في السودان “ميشيل رامبو” له كتاب مقروء بعنوان “السودان في كل حالاته ودوله” قال فيه إنه لم يجد طيلة فترة عمله كدبلوماسي دولة مستهدفة مثل السودان، وقدم فيه تأصيلاً تاريخياً للتدخلات الخارجية في السودان من خلال إشارته لحديث المستشرق البريطاني “برنارد لويس” عن مخطط خارجي قديم لتقسيم السودان إلى أربع دويلات. وبطبيعة الحال فإن مثل هذه التدخلات التي تتغول على سيادة الدول لا تحتاج إلى شن الحروب المباشرة في ظل وجود وكلاء إقليميين وعملاء محليين..!

 

في كتابها “حب متشدد” تحدثت سوزان رايس – مسئولة الشئون الإفريقية في عهد الرئيس أوباما – عن دورها ودور الكيان الذي تمثله في فصل جنوب السودان، ثم كيف أضطرت إلى الاعتراف لاحقاً بفداحة ذلك الخطأ. وفي موضوع المحكمة الجنائية الدولية تحدثت عن السودانيين الذين شاركوها في تحريك القضية والتشجيع على فرض العقوبات..!

 

وفي مذكراته تحدث “جوزيف لاقو” بوضوح عن تاريخ الدعم الإسرائيلي للحركة الشعبية منذ عهد” الأنانيا ون”، وكيف أن” جولدا مائير” كانت تشرف بنفسها على ذلك. وحتى بعد حلول السلام ذكرت “هيلدا جونسون” – ممثلة الأمم المتحدة في جنوب السودان – كيف أنهم قد تملصوا من التزاماتهم تجاه السودانيين بعد اتفاقية نيفاشا وتركوهم يواجهون تبعات الانفصال المعلومة سلفاً..!

 

ومع تفاقم صراع الموارد ظل السودان مرتعاً للكثير من التدخلات ومطمعاً للكثير من الدول، حتى قال بعض المحللين إن اعتماد فرنسا على ذهب شركة أرياب السوداني من أهم أسباب قلة معاناتها – مقارنة بغيرها من الدول – أيام الأزمة الاقتصادية العالمية، وحتى قال بعضهم الآخر إن روسيا قد استعدت لدخول حربها مع أوكرانيا باحتياطي كبير من الذهب السوداني الذي ظلت تتسلمه وتكنزه تباعاً ة، في غفلة من السودانيين الذين انشغلوا بالتناحر على السلطة منذ اندلاع ثورة ديسمبر وحتى اشتعال حرب إبريل..!

 

والآن بعد كل مظاهر الشر الدولي والفشل المحلي المذكور أعلاه – وبعد كل مظاهر النكد الاجتماعي والاقتصادي التي أنتجتها هذه الحرب – هل تأخذني على محمل الجد إذا ما قلت لك إن الثقافة هي السلاح الأمضى والأمثل لإصلاح كل ما حاق بنا من دمار وبناء سودان ما بعد الحرب.. ؟

 

أرجو أن تفعل، لأن العلاقة بين الثقافة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية طردية جداً ووثيقة جداً. الثقافة هي الوجه الناطق للوعي الاجتماعي المفقود في هذا الوطن الذي نشأت فيه الدولة قبل نشوء الأمة. هذا الوطن الذي أخذ الجهل بطبيعة الآخر فيه مظاهر القبلية والقبائلية والجهوية والمناطقية، فتسلل الغرباء الطامعون عبر هذه الثقوب وامتطوا الصراعات واستمرئوا التدخلات ونهبوا الثروات. فهل يا ترى من مُذَّكِر..!

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى