مدير تحرير صحيفة الأسبوع المصرية الاستاذ خالد محمد علي الخبير في الشأن السوداني وأفريقيا جنوب الصحراء.. حوار الراهن:

الخرطوم نجحت في رسم “خريطة الفضيحة” للدعم الخارجي بمجلس الأمن

الحرب في السودان ليست حرباً أهلية.. بل حرب بالوكالة

الملف السوداني تم اختطافه دولياً وإقليمياً.. 

أن رفع الغطاء الخارجي عن هذه المليشيا لدحرها الجيش منذ فترة طويلة

واشنطن تعيد إنتاج “الكذبة العراقية” في السودان.. ولابد من لجان تحقيق عربية وأفريقية موازية

العقوبات الأمريكية “فعل انتقامي منظم” لتجريد الجيش من سلاحه 

أمريكا تفرض عقوبات صورية لتوحي بمعاقبة المرتزقة الكولمبيين وتمنع السودان من حقه في تسليح نفسه

كولومبيا التي تبعد آلاف الكيلومترات أصبحت جزءاً أساسياً في الحرب السودانية وكلمة مشتركة في كل المحافل”

صيغ الهدن الدولية تستهدف إعادة تمكين التمرد

“أعتبر مسعد بولس وسيطاً غير نزيه ولا يصلح لإنهاء الأزمة

“================

أكد مدير تحرير صحيفة الأسبوع المصرية الخبير في الشأن السوداني وأفريقيا جنوب الصحراء، الاستاذ خالد محمد علي أن المعركة الحالية في البلاد هي “حرب بالوكالة” لتفتيت الدولة والسيطرة على مقدراتها، كاشفا أن الدبلوماسية السودانية نجحت في إسقاط الأقنعة خلال جلسة مجلس الأمن الاخيرة المتعلقة بالسودان ورسم خريطة فاضحة لخطوط الإمداد الخارجي للميليشيا. وحذر خالد محمد علي من نسف مفهوم الأمن الإقليمي في منطقة الساحل والقرن الأفريقي بعد دخول مرتزقة أجانب من كولومبيا في المعارك، واصفا العقوبات والاتهامات الأمريكية بملف الأسلحة الكيميائية بأنها “أعمال انتقامية وكذب بين” تعيد للأذهان أكاذيب غزو العراق.

جاء ذلك خلال استضافته في برنامج “السودان في الصحافة العالمية” مع الصحفية أفراح تاج الختم على شاشة “أسانيبر”.

==============

 

كواليس مجلس الأمن.. خريطة فضائح الدعم الخارجي، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة بشأن الأزمة السودانية مؤخراً ناقش فيها ملفات متعددة، ما هي الرسالة الأساسية التي حاولت الخرطوم إيصالها للعالم عبر المجلي ؟

 

بدايهً، مجرد انعقاد مجلس الأمن ليناقش المسألة السودانية خطوة متقدمة تعكس اهتماماً دولياً نرجو أن يتسع ويتحول إلى خطوات جادة لإيقاف هذه المهزلة؛ التي يطلق عليها البعض حرباً، لكنها في الحقيقة “حرب بالوكالة”.

أما بخصوص الرسالة، فالخرطوم نجحت كعادتها عبر مندوبها الدائم في الأمم المتحدة، الحارث إدريس وهو رجل منظم ومرتب يجيد عرض الملفات بشكل يبهر الحضور في كشف الحقائق كاملة أمام العالم، وخاصة للمجموعات الدولية في شرق وغرب أوروبا التي لم تكن تعرف الكثير عن طبيعة الدعم الخارجي المقدم لميليشيا الدعم السريع.

لقد نجح المندوب في رسم خريطة توضيحية شاملة لجميع المطارات ومناطق الدعم ومسارات الطائرات وتحركاتها، ولم يكن ينقصه سوى إعلان الكميات المرصودة بدقة. السودان نجح للمرة الثالثة في توضيح الدور الخارجي الداعم لاستمرار الحرب والانتهاكات ضد الإنسان والمنشآت والدولة السودانية، وبمعلومات علمية دقيقة افتقدها الطرف الآخر تماماً ولم يستطع تفنيدها.

في ذات الجلسة، أعادت الخرطوم اتهام دولة الإمارات وشبكات إقليمية بدعم ميليشيا الدعم السريع عبر مسارات جوية وبرية.. هل تمثل هذه الخطوة محاولة لتدويل الملف، أم للضغط نحو إعادة تشكيل الموقف الدولي؟

الملف السوداني مدول عملياً وتم اختطافه دولياً وإقليمياً منذ اندلاع الحرب. المحاولات الحثيثة والدؤوبة التي تقوم بها الدبلوماسية السودانية حالياً هي لتوضيح الصورة أكثر، على أمل أن يتحرك المجتمع الدولي بشكل عادل وسليم لإنهاء الأزمة.

لكن الحقيقة أن ما يسمى بالمجتمع الدولي، أو “القوى الاستعمارية الحديثة المهيمنة عليه”، هي الفاعل الرئيسي في استمرار هذه الحرب، ولو أرادت هذه الدول وقفها لتوقفت في غضون ساعات.

الجميع يعلم الآن الأهداف الكبرى والمعلنة وغير المعلنة لاستمرار الحرب: السيطرة على ثروات السودان، وتقسيمه إلى كيانات ومجموعات صغيرة، وإدخاله في نزاعات قبلية وجغرافية ومناطقية مستمرة، ليستمر الجميع في الاقتتال بينما يستولون هم على المقدرات.

فخ “المساواة” والهدن الإنسانية

طالب السودان في مجلس الأمن بعدم المساواة بينه وبين ميليشيا الدعم السريع، وطالب بتصنيفها “منظمة إرهابية”.. ما الأثر السياسي المتوقع لهذا الطلب؟

مسألة المساواة بين الطرفين، وكأن التمرد أصبح طرفاً موازياً للدولة وللحكومة الشرعية، هي مقاربة دولية شديدة السوء. تسعى دول مثل مصر والسودان والسعودية وإريتريا دائماً لإلزام المجتمع الدولي بعدم المساواة بين قوى متمردة وميليشيات تجمع المرتزقة من خارج الوطن وترتكب جرائم إبادة موثقة بعدساتهم أنفسهم، وبين دولة وجيش وطني يدافع عن شرعيته وأرضه وشعبه. لا يمكن أبداً المساواة بين طرفين لا يجتمعان في مكان واحد.

بالنظر إلى الاتهامات الموجهة لدول مثل تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى؛ كيف أثرت الحرب السودانية على مفهوم “الأمن الإقليمي” في منطقة القرن الأفريقي والساحل؟

في البداية، كان السودان يتحفظ على الإفصاح الكامل عن بعض الدول المشاركة في دعم المتمردين، ولكن بعدما اتسع دور هذه الدول وأصبحت شريكة فعلياً في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، كان لا بد للدبلوماسية السودانية من كشف خريطة الدعم المنتشرة في تلك الدول، سواء عبر المطارات والممرات أو مناطق الحشد على الحدود.

هذه الحرب ضربت مفهوم الأمن الإقليمي تماماً في القرن الأفريقي ومنطقة الساحل. لم يعد الأمن يقوم على حماية الحدود، أو استقلال الدول، أو رفض التدخل الخارجي، بل أصبح مفهوم الأمن يتحرك وفقاً لحجم الأموال والأسلحة المتدفقة من الخارج لتحقيق مطامع قوى دولية. المفهوم الذي يترسخ للاسف في المنطقة هو: “كيف تحصل على أكبر قدر من المكاسب والأموال وتستعين بأي مجموعات مرتزقة من أي مكان”، حتى إننا نرى مقاتلين من كولومبيا—التي تبعد آلاف الكيلومترات—باتوا جزءاً أساسياً من هذه الحرب وكلمة مشتركة في الحوارات التي تتناول الشأن السوداني.

 

الخرطوم أعلنت أنها لا ترفض وقف إطلاق النار، لكنها ترفض الصيغ التي تعيد تموضع ميليشيا الدعم السريع.. برايك، لماذا تتعسر مبادرات الهدن وما هي الشروط الواقعية لأي وقف إطلاق نار قادم؟

 

أنا لا أعتقد أن المبادرات “تتعثر” بعوامل طبيعية، بل أرى أن الطرح الذي يقدمه الوسطاء الدوليون والمجتمع الدولي مقصود منه ألا تنجح الهدنة وألا ينتهي النزاع. بديهيات أي هدنة أو إنهاء نزاع تبدأ من وقف التمرد لضرب المدنيين، واستهداف المنشآت، وحصار المدن وتجويعها، واختطاف النساء والمتاجرة بالبشر. كل هذه الملفات لا تُطرح في صيغ الهدن الدولية؛ ما يُطرح فقط هو أن يتوقف الجيش السوداني عن ملاحقة المتمردين، وكأن الهدنة تُصاغ خصيصاً لإعادة تمكين التمرد وتأمين موقعه، والأمر واضح تماماً للقيادة السياسية والعسكرية في السودان.

تلك الهدن تم اختبارها؛ وعندما وافقت الحكومة السودانية على فتح معبر “أدري” لم تكن تختبر كذب المجتمع الدولي فحسب، بل أرادت كشفه علانية، حيث تبيّن لاحقاً أن المعبر استُخدم كممر لتمويل الميليشيا بكل أنواع الأسلحة الغربية الحديثة بدلاً من المساعدات الإغاثية. المجتمع الدولي لا يرى السودان كأزمة إنسانية بل كملف جيوسياسي يخدم مصالحه فقط، ولا يهمه حق المواطن السوداني في الحياة، بل يهدف لتجريد الدولة السودانية من عناصر قوتها من جيش وأجهزة أمنية وصناعات عسكرية لتفتيتها تحت مزاعم حماية المدنيين.

 

العقوبات الأمريكية.. إستراتيجية انتقامية

 

فرضت وزارة الخزانة الأمريكية مؤخراً عقوبات على ثمانية قادة من الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع استهدفت شبكات الإمداد والتجنيد.. هل تمثل هذه الخطوة امتداداً للسياسات السابقة أم مقاربة أمريكية جديدة؟

 

في ملف العقوبات الأمريكية ضد السودان، هناك دافع “انتقامي” واضح يتجاوز التوصيف السياسي. مسلسل العقوبات استمر على السودان لأكثر من 30 عاماً، وكانوا يزعمون أنه سينتهي بذهاب نظام البشير، لكن بمجرد سقوطه أعيد المسلسل مرة أخرى بأساليب خداعية.

أمريكا تفرض عقوبات صورية على مجموعات إجرامية ومرتزقة في كولومبيا لا يمكن الوصول إليها بالأصل ومثقلة بآلاف العقوبات السابقة، لتوحي للعالم بأنها تفرض عقوبات على المرتزقة؛ لكنها في الوقت نفسه تفرض عقوبات منظمة وإستراتيجية ضد المؤسسة الصناعية العسكرية السودانية لمنع السودان من حقه الطبيعي في تصنيع واستيراد السلاح وتجنيد شعبه للدفاع عن أرضه. هذه ليست أوراق ضغط سياسية أو أدوات لإنهاء الحرب، بل هي أعمال انتقامية تعاقب حتى الدول التي تحاول مساندة الجيش السوداني، وتتطلب جهداً كبيراً من الحكومة السودانية والدول الشقيقة لوقف هذا السيل.

 

شهدت جلسة مجلس الأمن أيضاً إثارة ملف الأسلحة الكيميائية، حيث نفت الخرطوم الاتهامات الأمريكية وطالبت بإحالة الملف لجهات دولية مستقلة.. كيف يؤثر هذا الاتهام على صورة الجيش السوداني وفرص التفاوض؟

 

بالرغم من أن الحقيقة المطلقة تؤكد أن هذا الاتهام كذب بَيِّن، إلا أننا نحتاج مجهوداً إعلامياً ودبلوماسياً ضخماً لمحاصرة هذا التزييف وكشفه. يجب ألا ننسى أن الولايات المتحدة دمرت دولاً بالكامل (مثل العراق) بناءً على أكاذيب وخدع حول أسلحة الدمار الشامل حشدت لها 60 دولة، ثم اعترفوا لاحقاً بأنها كانت كذبة.

الخرطوم أكدت أن فريقاً أمريكياً زار أربع ولايات سودانية سابقاً ولم يسجل أي ملاحظة من هذا القبيل. وإذا كان هناك توجه للتحقيق، لابد أن يطالب السودان بتشكيل لجنة مستقلة (عربية – أفريقية) تابعة للمنظمات الإقليمية موازية للجان الدولية الخاضعة للسيطرة الأمريكية؛ لأننا لا نضمن صدقية تقارير لجان تتحكم بها أجهزة الاستخبارات الغربية. وللأسف الشديد، يتم استنزاف السودان إعلامياً من الداخل والخارج بمشاركة مجموعات سياسية سودانية في الخارج تروج لهذه الأكاذيب؛ وهي ذات التيارات المستعدة لإبادة الشعب بالكامل والتحالف مع أطراف خارجية ووسائط غير نزيهة مثل مسعد بولس—الذي يتحرك وفق أجندات عواصم خارجية من بينها تل أبيب.

 

حصار “الأبيض” والسيناريوهات المحتملة

 

يفرض الدعم السريع، كما يدعي، حصاراً على مدينة “الأبيض” (حاضرة شمال كردفان)، وأصدرت أكثر من 7 دول بيانات تعرب فيها عن قلقها من فضائع جماعية وشيكة.. إلى ماذا تستند هذه المخاوف الدولية؟

 

هذا التحذير الدولي الواسع يحتمل ثلاثة تفسيرات وإستراتيجيات أساسية:

1. الاحتمال الأول: أن هذه الدول نسقت ورتبت خطة عسكرية محكمة للدعم السريع لاقتحام الأبيض وارتكاب جرائم كبرى على غرار ما حدث في الفاشر، وبالتالي تحاول هذه الحكومات استباق الأحداث وإصدار بيانات تحذيرية لتبرئة ساحتها أمام شعوبها ومثقفيها الرافضين لحرب الإبادة.

2. الاحتمال الثاني: أن تكون لدى هذه الدول معلومات استخباراتية متكاملة عبر الأقمار الصناعية تفيد بأن الدعم السريع بات قريباً جداً من دخول المدينة بعد حصوله على إمدادات السلاح الحديثة، لاسيما وأن التجربة والوقائع أثبتت أن هذه الميليشيا ما دخلت قرية أو مدينة إلا وأفسدتها وارتكبت فيها القتل العشوائي وبثته في مقاطع فيديو عبر رجالها، دون أي اعتبار لقيم قانونية أو أخلاقية، مستندة إلى إدراكها بأن المجتمع الدولي لن يعاقبها.

3. الاحتمال الثالث: وهو تمثيلية واستعراض سياسي للضغط على الحكومة السودانية للتسليم بالمبادرة والهدنة الأمريكية (التي هي من طرف واحد)، بحيث يتدخل المجتمع الدولي لمنع دخول المليشيا للأبيض مقابل خطوة تنازلية من الخرطوم. علماً بأن بعض العسكريين السودانيين يؤكدون أن الأبيض بعيدة تماماً عن متناول الدعم السريع وليست كالفاشر، ولا تستطيع المليشيا دخولها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى