حين تضيق الأرض تتسع الهوية..!

*”القبيلة ليست نقيض الدولة، بل ظلها حين تطول العتمة”.. الكاتبة..!*
الواقع السوداني بعد حرب إبريل لم يشهد عودة القبيلة، بل شهد غياب الدولة. فالدولة السودانية منذ الاستقلال لم تنجح يوماً في أن تكون بيتاً جامعاً، بل ظلت مشروعاً ناقصاً يتعامل مع التنوع بوصفه عبئاً لا ثراءً..!
وقد حاولت الدولة فيما مضى أن تتجاوز القبيلة دون أن تدمجها، وأن تستخدمها دون أن تعترف بها، وأن تُقصيها دون أن تستغني عنها. فتركتها في الهامش، والهامش لا يَنسى. لذلك، حين غابت العدالة لم تختفِ القبيلة، بل تقدَّمت، وحين تآكل القانون لم تتراجع، بل لبست ثوب الحماية. وحين ضعفت الدولة لم تسقط القبيلة، بل صارت دولة مصغَّرة “تحمي، تُجنّد، تُفاوض، وتقتل”، وهذا ليس ارتداداً إلى البدائية بقدر ما هو فشل في التحديث. فالقبيلة بهذا المعنى ليست نقيض الدولة، بل ضحيتها المؤجلة..!
الدولة الحديثة دخلت الريف بالجباية بدلاً عن الخدمات، وبالقوة عوضاً عن التنمية. وحين فشلت في إدارة الأرض والماء والموارد، حولت الناس إلى متنافسين داخل حلبة ضيقة لا يربح فيها إلا من يحمل السلاح. وهنا لا تصبح القبيلة خياراً ثقافياً، بل ضرورة بقاء..!
القبيلة في السودان ليست أصل المأساة بل مرآتها. حين فشلت الدولة في أن تكون عادلة صارت القبيلة عادلة على طريقتها، وحين عجزت السياسة عن أن تكون وطنية صارت العصبية سياسة، وحين لم يجد الناس معنى المواطنة عادوا إلى ما يعرفونه جيداً “الاسم، الدم، الأرض”..!
وهنا تتكثف الحكمة القاسية “لا يمكن هزيمة القبلية بخطاب أخلاقي، ولا بتجريم اجتماعي، ولا بالقوة”. الطريق الوحيد هو بناء دولة لا تضطر الناس إلى الاحتماء بأنسابهم..!
ومع ذلك، لم تكن الحرب على بشاعتها ظلاماً خالصاً في قلب الفوضى، بل ظهرت لحظات تجاوز نادرة “أحياء مختلطة حمت سكانها دون سؤال عن الأصل، مبادرات إغاثة عبرت القبائل، وشبكات تضامن صغيرة قاومت منطق منا وليس منا”. هذه الومضات وإن بدت خافتة إلا أنها تقول شيئاً مهماً “القبلية ليست قدراً مطلقاً، والمجتمع السوداني رغم كل ما جرى لا يزال يمتلك قدرة كامنة على تخيل انتماء أوسع، حين تتوفر الإرادة والعدالة”..!
في السودان، لم تكن التنمية يوماً مشروعاً وطنياً جامعاً، بل كانت امتيازاً جغرافياً. مناطق أُشبعت خدمات، وأخرى تُركت لتتدبَّر أمرها بالسلاح والعصبية. ومع غياب الدولة كضامن عادل، تحول الصراع على الموارد إلى صراع على الأسماء والأنساب.
تجارب أخرى تقول إن الأمر ليس قدراً. في رواندا لم تُهزم القبلية بالمحاكم وحدها، بل بإعادة توزيع التنمية بعد الإبادة، فجُعلت المدرسة والطريق والكهرباء أدوات مصالحة صامتة. وفي ماليزيا، خفَّفت سياسات التنمية المتوازنة من التوترات العرقية حين ربطت العدالة الاقتصادية بالاستقرار الاجتماعي. التنمية لا تُلغِي الهويات، لكنها تنزع عنها سلاحها. وحين يشعر الناس أن الدولة تراهم جميعاً لا يعودون بحاجة إلى أن يروا بعضهم أعداء.!
فالأرض العادلة لا تطلب دماً لتثمر، وهنا تكمن الحكمة القاسية التي لم يقرأها كثيرون بعد حرب أبريل “لا يمكن هزيمة القبلية بخطاب أخلاقي، ولا بتجريم اجتماعي، ولا بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء الدولة على العدالة والمواطنة على المساواة، والتنمية على الشمول”، حينها فقط لا يحتاج الإنسان أن يختبئ وراء أنسبته، ولا أن يحمي حقه في الحياة باسم الدم، لأن الأرض نفسها تكون قد حمت الجميع قبل أن يهدأ الناس!.
السؤال الآن ليس ماذا فعلت الحرب بالقبيلة؟. بل ماذا سنفعل نحن بالقبيلة بعد الحرب؟. إما أن نتركها وعاءً لإعادة إنتاج الصراع، أو نعيد قراءتها بوصفها مكوِّناً اجتماعياً يحتاج إلى تفكيك سياسي عميق، لا إلى شيطنة سهلة. فالقبيلة لن تختفي لكن وظيفتها يمكن أن تتغير..!
يمكن أن تعود كذاكرة اجتماعية وليس كخندق حرب، ويمكن أن يعود الوطن إلى معناه البسيط والعميق، أن يكون أكبر من الدم، وأعدل من السلاح، وأقرب للناس من خوفهم. ربما عندها فقط لا نحتاج أن نسأل “من أي قبيلة أنت”؟. بل “أي وطن نريد أن نبنيه”؟. حتى لا نُجبَر مرة أخرى على الاحتماء بأنسابنا!.
munaabuzaid2@gmail.com



