​خسائر مليارية بالجامعات تهدد التعافي الاقتصادي

خبير اقتصادي: تآكل الأجور وهجرة المعلمين يهددان بحرمان الأجيال من التأهيل

​خبيرة علاقات دولية: التضخم وارتفاع الرسوم يفرضان تسرب الطلاب نحو التعدين والعمل

​أكاديمية: خروج ملايين الأطفال عن التعليم يهدد بانهيار إنتاجية المستقبل

تقريرــ أمين محمد الأمين

 

​كشفت تقييمات صادرة عن خبراء وأكاديميين واقتصاديين عن فاتورة باهظة يتكبدها قطاع التعليم في السودان جراء الحرب، مؤكدين أن تدمير عشرات الجامعات وتعطيل آلاف المدارس جاوز الخسائر المادية إلى “نزيف معرفي” وتجريف لرأس المال البشري. وحذرت التقييمات من أن شلل الخزينة العامة، وتصاعد موجات التضخم، وهجرة العقول التعليمية، باتت تهدد بإغلاق أبواب المستقبل أمام ملايين الطلاب، وتنذر بفجوة كفاءات غير مسبوقة ترهن اقتصاد البلاد لدائرة مفرغة من الفقر وتراجع الإنتاجية، داعيةً في الوقت ذاته إلى حشد دعم دبلوماسي دولي وتبني حلول استثمارية جريئة لتمويل إعادة إعمار القطاع.

 

​عجز الخزينة

 

​ومن زاوية التحليل الاقتصادي الكلي، أكد الخبير الاقتصادي أبوبكر التيجاني أن تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية التعليمية باهظة جداً في وقت تُعاني فيه الخزينة العامة من انعدام الأرصدة والسيولة، نتيجة توجيه الإنفاق العام كاملاً نحو مستلزمات الحرب والعمليات العسكرية، مستبعداً إمكانية ترميم هذا الدمار في وقت وجيز.

 

​ضغوط تضخمية

 

​وحذر الخبير الاقتصادي أبوبكر التيجاني من أن موجات التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية سيتسببان في ارتفاع حاد للرسوم الدراسية وأسعار الكتب والمواصلات، مما يُعجز أولياء الأمور عن إلحاق أبنائهم بالتعليم، ويؤدي لاتساع رقعة الفاقد التربوي بشكل غير مسبوق.

 

​نزيف المعلمين

 

​وتابع أبوبكر التيجاني تحليله موضحاً أن الأزمة تتعدى ذلك إلى غياب المعلمين المؤهلين بفعل الهجرة الواسعة التي فرضها تآكل الرواتب، مؤكداً أن الانكماش المستمر في الإنفاق الحكومي على التعليم يهدد بحرمان الأجيال القادمة من فرصها الكاملة في التأهيل.

 

​اختلال السوق

 

​ونبه الخبير الاقتصادي أبوبكر التيجاني إلى التداعيات الخطيرة على سوق العمل، مبيّناً أن تراجع جودة المخرجات قد يضطر أصحاب الأعمال مستقبلاً لاستقدام عمالة خارجية، مما يشكل تهديداً استراتيجياً للاقتصاد عبر تسريب العوائد للخارج وتعميق الفقر.

 

​تدارك الموقف

 

​وشدد التيجاني على أن الخروج من هذا النفق يتطلب معالجات عاجلة تشمل كبح التضخم، ورفع أجور المعلمين، وزيادة الإنفاق العام، مشيراً إلى أن استعادة التعليم والصحة تُمثل جوهر التنمية البشرية التي تمنح الفرد خيارات متعددة في سوق العمل.

 

​حلول استثمارية

 

​واختتم الخبير الاقتصادي أبوبكر التيجاني إفادته بطرح مخرج مالي استثماري، داعياً الدولة إلى رهن جزء من مواردها المتاحة كالبترول أو الذهب أو الأراضي الزراعية لصالح تمويل خارجي ضخم، يُخصص حصرياً لإصلاح ما دمرته الحرب في قطاعي التعليم والصحة باعتبارهما المحرك الأساسي لبناء الإنسان.

 

​خسائر معرفية

 

​وفي ذات السياق الأكاديمي، أكدت الأكاديمية وخبيرة العلاقات الدولية، الدكتورة سهير أحمد صلاح، أن خسائر التعليم العالي جراء الحرب لا يمكن تقويمها بالمعيار المالي وحصرها في البنيات الأساسية فحسب، بل في تباطؤ عجلة التعليم وضياع فرص وموارد بشرية ومعرفية هائلة، مبيّنةً أن مواجهة التكلفة التقديرية لخسائر القطاع تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع، والمنظمات الإقليمية والدولية الداعمة للتعليم.

 

​أرقام صادمة

 

​وكشفت الدكتورة سهير أحمد صلاح عن تقييمات مالية باهظة للأضرار؛ إذ قدّرت جامعة الخرطوم خسائرها المادية بنحو 500 مليار دولار، وجامعة أم درمان الإسلامية بأكثر من 400 مليار، وجامعة السودان بحوالي 260 مليار دولار، مشيرةً إلى شمول الدمار للبنية التحتية والمستشفيات الملحقة، وتضرر 37 جامعة حكومية، و28 جامعة خاصة، و101 كلية ومعهد، مع تعذر حصر جامعات دارفور وغرب كردفان لظروف أمنية.

 

​تعبئة الموارد

 

​ودعت الدكتورة سهير أحمد صلاح إلى إبقاء التعليم على رأس أولويات توزيع الموارد، مشددةً على أهمية استثمار العلاقات الدبلوماسية الرسمية والشعبية لحشد الدعم الخارجي ومطالبة المنظمات الأممية والدول الشقيقة بالوفاء بمسؤولياتها تجاه السودان اتساقاً مع أجندة التنمية المستدامة.

 

​وطأة التضخم

 

​وحذّرت الدكتورة سهير أحمد صلاح من التضخم المتسارع الذي تسبب في تآكل القيمة الشرائية لمرتبات المعلمين، وارتفاع الرسوم الدراسية بالجامعات؛ مما شكل عبئاً كبيراً على الأسر وأدى لتسرب أعداد مقدرة من الطلاب نحو سوق العمل لتأمين قوت أسرهم رغم قيم التكافل الاجتماعي السائدة.

 

​نزيف العقول

 

​ولفتت الدكتورة سهير أحمد صلاح إلى أن الجامعات فقدت عدداً مقدراً من الكوادر الأكاديمية جراء النزوح والهجرة، مشددةً على أن تأهيل الأستاذ الجامعي وصولاً لدرجة “بروفيسور” يتطلب استثمارات باهظة ومدداً زمنية طويلة، مما يحتم على الدولة تطبيق سياسات تضمن استقرار الكوادر واستعادة الكفاءات.

 

​تدارك الأزمة

 

​وأشارت الدكتورة سهير أحمد صلاح إلى أنه رغم فقدان الطلاب لسنوات دراسية، إلا أن وزارة التعليم العالي والجامعات اتخذت سياسات مرنة لحفظ حقوقهم ومنع حدوث فجوة في تأهيل الكوادر لسوق العمل، لا سيما في المجال الطبي والقطاعات الحيوية.

 

​رؤية مستقبلية

 

​واختتمت الدكتورة سهير أحمد صلاح بالدعوة لتقييم عاجل لاحتياجات سوق العمل في العقد القادم لتطوير وزارة التعليم العالي والجامعات مناهجها لمقابلة هذه الاحتياجات، وفي سياق آخر أشارت إلى اتجاه الشباب نحو قطاعي التعدين والزراعة مثل آلية حماية أسهمت في دعم استقرار الأسر ووقاية البلاد من المجاعة. كما أشادت بالصمود البطولي للعاملين في المنظومة التعليمية الذين أداروا العملية في ظروف شديدة التعقيد وجنّبوا القطاع الانهيار الكامل.

 

​صدمة مزدوجة

​من جانبها، قالت عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية بجامعة السودان العالمية، دكتورة ماجدة مصطفى صادق، إن قطاع التعليم في السودان يتعرض لضربة مزدوجة الأبعاد؛ إذ تمثل بُعدها الأول في التدمير المادي الواسع الذي طال المنشآت والمباني والمختبرات والمكتبات، بينما ضرب البُعد الثاني صُلب العملية التعليمية عبر نزوح الملايين وتوقف الدراسة وفقدان الأسر لمصادر دخلها، فضلاً عن تحويل المؤسسات التعليمية إلى مراكز إيواء.

 

​نزيف مشهود

 

​وأشارت دكتورة ماجدة مصطفى إلى أن الكارثة باتت أكثر اتساعاً؛ لافتةً إلى بيانات اليونيسف التي أكدت تعطل نحو نصف مباني المدارس بالبلاد وخروج زهاء 8 ملايين طفل عن مقاعد الدراسة. وشددت الخبيرة الاقتصادية على أن هذه الأرقام لا تعكس مجرد أزمة إنسانية، بل تُترجم إلى خسارة اقتصادية فادحة؛ لكون كل عام يمر دون تعليم يعني انخفاضاً مؤكداً في إنتاجية جيل كامل، وتراجعاً في قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي.

 

​دمار متراكم

 

​وأكدت عميد كلية الاقتصاد بجامعة السودان العالمية صعوبة وضع رقم نهائي للخسائر في الوقت الحالي بسبب استمرار الحرب وتطاول أمدها، موضحةً أن حجم الدمار يُقاس بطبيعة الأصول الاستراتيجية المفقودة من أراضٍ وورش ومعامل ومكتبات وشبكات اتصالات وسجلات أكاديمية تاريخية.

 

​معرفة مفقودة

 

​ولفتت دكتورة ماجدة مصطفى إلى أن الخسائر في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي تبدو أكثر خطورة عقب تعرض أكثر من 100 جامعة ومركز بحثي للتدمير، داعيةً إلى التمييز بين “الأصول المادية” و”المعرفة المفقودة”؛ إذ إن إعادة بناء المنشآت قد تستغرق سنوات، بينما تعويض قواعد البيانات والخبرات التي هاجرت يحتاج إلى عقود.

 

​فاتورة رباعية

 

​وتابعت عميد كلية الاقتصاد موضحةً أن الفاتورة الحقيقية لإعادة الإعمار تتكون من أربعة أركان رئيسية: إعادة تأهيل المباني والمرافق، ثم إعادة تشغيل العملية التعليمية لوجستياً بالمعلم والكتاب والبيئة الآمنة، مروراً بمعالجة الفاقد التعليمي لتقليل التسرب، وصولاً إلى التكلفة الأشد خطورة وهي استعادة رأس المال البشري والحد من هجرة الكفاءات.

 

​غياب البيانات

 

​وأضافت دكتورة ماجدة مصطفى صادق أن النتيجة الأكثر خطورة تتمثل في انهيار قدرة القطاع ذاته على إنتاج البيانات والإحصاءات؛ نتيجة تعذر المسوحات الميدانية وتغير الخارطة الديموغرافية للطلاب، ناهيك عن تذبذب أسعار الصرف الذي يجعل التقييم بالعملة المحلية مفارقاً للواقع.

 

​تكامل الرؤى

 

​يلتقي التقييم التحليلي للخبراء عند خطورة “النزيف المعرفي” وهجرة العقول وتوقف نصف المنظومة التعليمية؛ حيث يضع الخبير أبوبكر التيجاني يده على الأزمة المالية الكلية لشلل الخزينة واختلال سوق العمل طارحاً حلولاً استثمارية بالموارد السيادية، بينما تطرح د. سهير مساراً استراتيجياً قائماً على الدبلوماسية الدولية لحشد التمويل، وتختتم د. ماجدة بالتشخيص الأكاديمي والبياني للخسائر المليارية والدمار الهيكلي للمؤسسات لإنقاذ الإنسان قبل انهيار الدولة التنموية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى