حلاوة “العودة”

الإجابة فى وجدان كل سوداني
التاج مكي .. أسأل العنبة الرامية فوق بيتنا
تقرير: سراج الدين مصطفى
كوستي مدينة ملهمة ذات ثراء وتنوع ثقافي كبير ظلت عبر تاريخها فضاء رحبا للفنون والموسيقى والشعر والمسرح واحتضنت تجارب فنية متعددة صنعت ملامح خاصة في الذاكرة السودانية وفي هذه المدينة التي تجمع بين حيوية المجتمع ودفء العلاقات ولدت مواهب كثيرة وجدت في بيئتها المتنوعة حافزا للتعبير والابتكار وصناعة الجمال السوداني.
بدايات التاج:
ومن بين الأصوات التي خرجت من كوستي إلى فضاء الغناء السوداني يبرز الفنان التاج مكي بوصفه تجربة ارتبطت بالرقة والجمال والإحساس فقد استطاع أن يصنع لنفسه حضورا وأن يترك بصمة عميقة في وجدان المستمعين من خلال صوت مميز ومسيرة فنية بدأت مبكرا وتطورت عبر مراحل متعددة من التعلم والممارسة والظهور.
الطفولة والبدايات:
التاج مكي هو تاج السر مكي عبدالحليم من مواليد مدينة كوستي عام ١٩٤٧ وقد بدأت علاقته بالفن منذ طفولته حين شارك في الحفلات المدرسية ولحن الأناشيد وكانت تلك البدايات بمثابة البذرة الأولى التي نمت مع الوقت وتحولت إلى مشروع فني حمل صاحبه نحو آفاق أوسع من الغناء والعزف والتلحين والتجريب.
مدني واكتشاف الموهبة:
انتقلت تجربته بعد ذلك إلى مدينة مدني حيث تعلم العزف على آلة العود على يد الأستاذ التهامي خوجلي فكانت تلك المرحلة مهمة في تكوينه الموسيقي وزيادة معرفته بأسرار العزف وجاءت بعدها محطة مؤثرة عندما التقى الأستاذ محمد خوجلي صالحين الذي اكتشف موهبته وسجل له بعض الأغنيات وشجعه على الحضور للخرطوم.
كسلا والثنائية الفنية:
وكانت كسلا محطة استثنائية في مسيرة التاج مكي فقد سافر إليها وهناك التقى بالشاعر اسحق الحلنقي لتبدأ بينهما ثنائية فنية بديعة أثمرت أغنيات التي وجدت طريقها إلى وجدان المستمع السوداني ومن بينها العنبة وحبيت عشانك كسلا وفايت مروح وين وقد منحت هذه التجربة مسيرته بعدا جديدا وجعلت كسلا حاضرة بقوة.
طريق الخرطوم:
وفي الخرطوم وجد التاج مكي طريقه إلى الجمهور عندما قدمه المخرج صلاح الدين الفاضل في برنامج مواهب وكانت تلك الخطوة بداية لحضور أوسع في الساحة الفنية السودانية حيث استطاع أن يلفت الانتباه إلى صوته وإمكاناته وأن يثبت وجوده بين الأصوات التي كانت ترسم ملامح الغناء السوداني في تلك المرحلة المهمة.
أغنية التحول:
وتظل أغنية حبيت عشانك كسلا من أبرز المحطات في تجربته الفنية فقد وصفها التاج مكي بأنها الأقرب إلى نفسه واعتبرها نقطة تحول وانطلاق في حياته الفنية وحملت الأغنية مساحة خاصة من عاطفته وجعلته أكثر قربا من الجمهور وأسهمت في ترسيخ اسمه ضمن الأصوات التي وجدت طريقها إلى الذاكرة السودانية الواسعة.
ذاكرة الأغنية:
تكشف عودتنا إلى شخصية التاج مكي عن مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية السودانية حين كان الفنان يسعى إلى الجمع بين الصوت والكلمة واللحن والثقافة وتأتي صفحات مجلة الشباب الصادرة في فبراير عام ١٩٧٢ لتعيد إلينا صورة فنان خرج من كوستي المدينة الملهمة حاملا صوته وأحلامه إلى وجدان السودان وعشاق الفن.
////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
ماذا حدث لمحمود عبدالعزيز بعد الموت؟
هناك فنانون تنتهي حكايتهم حين يصمت صوتهم الأخير وهناك فنانون تبدأ حكاية أخرى لهم بعد الرحيل ومحمود عبدالعزيز من هؤلاء فقد غادر الدنيا منذ سنوات لكنه لم يغادر وجدان الناس وما زال حاضرا في تفاصيل كثيرة من حياتهم كأن الرحيل أوقف جسده فقط وترك روحه تمشي بيننا دائما.
ذاكرة الناس:
محمود لم يعد مجرد مطرب نستمع إليه حين نشتاق إلى أغنية قديمة بل أصبح جزءا من ذاكرة شخصية لكل من أحبه واحد يتذكره من خلال أغنية وآخر من حفلة وثالث من مرحلة عمرية ورابع من إنسان ارتبطت صورته في الذاكرة بصوت محمود وهكذا أصبح لكل سوداني محمود وحكايته.
جيل جديد:
المثير أن محمود لم يتوقف عند جيله فالأجيال التي جاءت بعده وجدته قريبا منها دون أن تكون قد عاشت سنوات صعوده الأولى وهذا يعني أن التجربة تجاوزت زمنها وأصبحت قادرة على عبور الأجيال لأن الصدق في الفن لا يحتاج إلى شهادة ميلاد محددة ولا يرتبط بعمر المستمع الحاضر.
صوت الناس:
ربما كان سر محمود في تلك المسافة القليلة بين صوته وصوت الناس كان يغني الحب والوجع والفرح والانكسار بطريقة تجعل المستمع يشعر أن الأغنية خرجت من داخله ولهذا لم تكن أغنياته مجرد أعمال فنية تحفظ وتردد بل تحولت إلى مرايا يرى الناس فيها أجزاء من حياتهم وحكاياتهم القديمة.
بعد الرحيل:
ماذا حدث لمحمود بعد أن مات ربما حدث ما هو أكبر من استمرار الأغنية فقد تحول الفنان إلى ذاكرة وتحولت الذاكرة إلى حضور وتحول الحضور إلى حالة لا تحتاج إلى وجود صاحبها حتى تستمر وهنا تكمن المفارقة أن محمود غاب عن المشهد لكنه أصبح حضورا في الوجدان السوداني.
محمود فينا:
كل جيل يعيد اكتشاف محمود بطريقته وكل شخص يحمل نسخة مختلفة منه وهو الذي لا يترك خلفه أعمالا فقط يترك مساحة داخل الناس تسكنها صوره وأغنياته ومواقفه وذكرياته وربما لهذا السبب لا نستطيع أن نقول عن محمود إنه رحل تماما فهو انتقل بهدوء من الحياة إلى الذاكرة السودانية.
الحضور المستمر:
حين نستمع إلى محمود اليوم لا نشعر أننا نستعيد صوتا قديما فقط بل نستعيد زمنا كاملا بما فيه من وجوه وأماكن ومشاعر وأحلام ولهذا تبدو أغنياته قادرة على فتح أبواب الذاكرة بسرعة غريبة وكأنها مفاتيح صغيرة تخبئ وراءها أعمارا كاملة من التفاصيل التي لا تموت بسهولة في الذاكرة.
السؤال الباقي:
ربما يكون السؤال بعد كل هذه السنوات ليس لماذا مات محمود ولا متى رحل وإنما لماذا بقي وما الذي جعله قادرا على العيش داخل وجدان الناس هذا الوقت الآن والإجابة ربما تكمن في أنه لم يغن للناس من بعيد بل غنى من داخلهم ولذلك حين رحل بقي صوته.
////////////////////
نص كلمة
سمية حسن.. الحضور الذي لم يكتمل !!
مكانة فنية:
سمية حسن فنانة إذا حسبتها مع الكبار لن يعترض أحد وإذا لم تذكرها في قائمة الصف الأول فلن يعترض أحد أيضا وهذه المفارقة تختصر جانبا من تجربتها فهي تمتلك حضورا وصوتا وخبرة تؤهلها لمكانة أكبر لكن مسيرتها ظلت تفتقد ذلك الأثر الغنائي الخاص الذي يجعل الفنان حاضرا بقوة في ذاكرة المستمعين السودانيين.
سجل غنائي:
المشكلة ليست في الموهبة ولا في القدرة على الأداء وإنما في غياب مشروع واضح لتنشيط السجل الغنائي الخاص فقد قدمت سمية حسن خلال مسيرتها أعمالا متعددة لكنها لم تترك أغنية واحدة ذات تأثير استثنائي تجعل الجمهور يستدعي اسمها مباشرة عند سماعها ولذلك بقي حضورها مرتبطا بالصوت أكثر من الأغنية ذاتها.
الحلم العربي:
وربما جاءت مشاركتها في أوبريت الحلم العربي لتكون الاستثناء الأوضح في مسيرتها إذ ارتبط اسمها بعمل عربي واسع الانتشار وتعرف عليها جمهور كبير من خلاله لكن الفنان لا تقاس قيمته بالمشاركة وحدها وإنما بما يتركه من أعمال خاصة ولذلك تحتاج تجربة سمية حسن إلى قراءة جديدة تعيد اكتشاف إمكاناتها وتراجع خياراتها.
/////////////////
كلام فى الفن
يوسف الموصلي:
اذا بحثت عن مجدد حقيقي في الموسيقى السودانية يأتي الموسيقار يوسف الموصلي في طليعة المجددين فهو صاحب أفكار جديدة في التأليف الموسيقي وقدم خلال تجربته رؤى مختلفة تجاوزت المألوف وأسهمت في توسيع مساحة التجريب وفتح نوافذ جديدة أمام الموسيقى السودانية وهو نموذج للفنان الذي جعل التطوير جزءا من مشروعه الفني.
ملاذ غازي:
ما زالت الفرصة متاحة للفنانة ملاذ غازي حتى تعيد ترتيب أولوياتها الفنية وتعيد النظر في مشروعها الغنائي بصورة تمنحها حضورا أكثر تأثيرا فالموهبة وحدها لا تكفي لصناعة تجربة راسخة وإنما تحتاج إلى خيارات واضحة وأعمال خاصة وهو ما يمكن أن يجعلها خلال المرحلة المقبلة فنانة أكثر حضورا وتأثيرا في المشهد السوداني.
الماحي سليمان:
قد لا يدرك الكثيرون أن الدكتور الماحي سليمان من أفضل عازفي العود في تاريخ الموسيقى السودانية فقد امتلك قدرة مميزة على التعامل مع الآلة وفهما عميقا لتفاصيلها الفنية وهو من الأسماء التي تستحق قراءة أوسع وتوثيقا أكثر إنصافا حتى تعرف الأجيال الجديدة قيمة التجارب الموسيقية الكبيرة التي صنعت تاريخنا الفني.
خالد الأعيسر:
لماذا لا يلتفت الوزير خالد الأعيسر إلى الحالة الصحية للشاعر جمال عبدالرحيم فهو يحتاج إلى وقفة إنسانية حقيقية حتى يتجاوز ظروفه الصحية الراهنة فالشعراء والفنانون جزء من الذاكرة الثقافية السودانية والاهتمام بهم في أوقات المرض ليس منة وإنما واجب انساني يعكس تقدير المجتمع لمن قدموا الكثير للثقافة والفن السوداني.
صديق سرحان:
كان صديق سرحان من أجمل الأصوات التي قدمتها مدينة مدني وما زال واحدا من المواهب الرفيعة التي خرجت منها فقد امتلك صوتا جميلا وحضورا خاصا وكان يمكن لتجربته أن تجد مساحة أكبر في خارطة الغناء السوداني وهو اسم يستحق العودة إليه والبحث في تجربته وتوثيق ما قدمه للأغنية السودانية عبر السنوات.




