هيكلة الجهاز المصرفي السوداني: بين مقتضيات الإصلاح وضغوط الواقع (١ ــ٢)

الخبير المصرفي لؤي: المهلة الزمنية تحول القرار لضغط وجودي
الخبير المصرفي دليل: الانهيار النقدي أكل القواعد الرأسمالية للبنوك
تقرير: أمين محمد الأمين
يرى خبراء مصرفيون واقتصاديون أن الحزمة التنظيمية التي أطلقها بنك السودان المركزي بالمنشور رقم (4/2026) لإعادة هيكلة القطاع المصرفي تفرض ضغطاً وجودياً حاداً على البنوك الـ 38 المسجلة بالبلاد، مؤكدين أن مهلة ديسمبر 2026 ستعيد تشكيل الخريطة المالية وتفرز كياناتها بسرعة غير مسبوقة. وأوضح الخبراء أن خطورة القرار لا تكمن في رفع الحد الأدنى لجميع رؤوس الأموال بحد ذاته، بل في تطبيق هذا الجدول الزمني الضيق وسط تداعيات الحرب، وتآكل الأصول، وتراجع القيمة الفعلية للعملة الوطنية، محذرين من اندماجات اضطرارية عشوائية أو هلع مصرفي يهدد الودائع ما لم يعمد المركزي إلى تفعيل شبكة أمان متكاملة تشمل نافذة سيولة طارئة وصندوقاً للاستقرار المالي لتفادي الانهيار المتسلسل للنظام المصرفي.
خبر موجز
ونقلت وسائل إعلامية أن بنك السودان المركزي قد أمهل المصارف العاملة بالبلاد حتى نهاية العام الجاري لتوفيق أوضاعها عبر زيادة رؤوس الأموال أو الاندماج، ملوحاً بالتصفية الإدارية للمؤسسات العاجزة. وتستهدف الخطة الشاملة تعزيز الملاءة المالية لـ 38 مصرفاً يغلب عليها الطابع الصغير والمتوسط، وحماية حقوق المودعين، وتطهير القطاع من الاختلالات المتراكمة جراء التضخم وتداعيات الحرب.

ضغط وجودي
أكّد الخبير المصرفي د. لؤي عبد المنعم أن التأثير المباشر للجدول الزمني الضيق الذي فرضته السلطات النقدية يحول قرار بنك السودان المركزي من خيار تنظيمي اعتيادي إلى ضغط وجودي حاد على البنوك، مبيناً أنه سيعيد تشكيل خريطة القطاع المصرفي في غضون أشهر معدودة بدلاً من سنوات. وأوضح عبد المنعم أن هذا المدى الزمني الحرج يفرز واقعاً جديداً يغدو فيه زيادة رأس المال خياراً حصرياً للنخبة المصرفية، والاندماج مساراً اضطرارياً للكيانات المتوسطة، بينما تحيى التصفية الإدارية كاحتمال متوقع للمؤسسات العاجزة عن توفيق أوضاعها.
تحديات الرسملة
وفي هذا الصدد، أشار د. لؤي إلى أن تضييق هامش المناورة يجعل زيادة رأس المال أمراً شبه مستحيل بالنسبة للبنوك المتضررة شديداً من النزاع، محصوراً فقط في خانة المؤسسات ذات المراكز المالية المليئة. وفصّل الخبير المصرفي ذلك بالإشارة إلى أن استقطاب مستثمرين لضخ دماء رأسمالية جديدة في بيئة عالية المخاطر يُعد التزاماً عسير التنفيذ خلال أشهر قليلة، ناهيك عن غياب الميزانيات المدققة الحديثة للبنوك التي فقدت مقرّاتها أو أصولها. وأضاف أن التضخم الجامح وتداعي القوة الشرائية للعملة يلتهمان أي زيادة مرتقبة بسرعة، فضلاً عن التعقيدات الإجرائية التي تكبّل البنوك الحكومية والمختلطة، مما يغلق باب الرسملة أمام أغلب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
اندماج قسري
وارتباطاً بذلك، نبه عبد المنعم إلى أن ضيق المهلة يدفع البنوك الصغيرة والمتوسطة نحو الاندماج الإجباري؛ فبعد أن كان خياراً استراتيجياً متأنياً يتطلب مفاوضات ممتدة وفحصاً نافياً للجهالة وتقييماً دقيقاً للأصول، تحول تحت مقصلة الوقت إلى ملاذ اضطراري لتفادي التصفية. وحذّر من أن الكيانات الأقوى قد تستغل عامل الزمن لفرض شروط غير متكافئة، مما ينجم عنه اندماجات شاذة أو غير مدروسة تنتج مؤسسات أكبر حجماً لكنها تفتقر للانسجام والتماسك المالي، مشدداً في الوقت ذاته على أن هذه المحاذير لا تُنقص من الأهمية الهيكلية للقرار.
احتمالات التصفية
ومن جهة أخرى، استعرض د. لؤي عبد المنعم تداعيات رفع احتمالات التصفية الإدارية للبنوك العاجزة عن التحرك السريع، لاسيما تلك التي فقدت أنظمتها التشغيلية وسجلاتها أثناء الحرب أو التي تعاني من تعثر مزمن وخسائر متراكمة. وبيّن الخبير الاقتصادي أن التصفية، رغم إضعافها الأولي للثقة بسبب كشفها عن هشاشة بعض الكيانات وسحب بعض المودعين لأموالهم خوفاً من العدوى النقدية، إلا أنها تُشكل مدخلاً لإعادة بناء الثقة إذا أُدرجت ضمن برنامج إصلاحي يتسم بالحوكمة والشفافية والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتطهير السوق من المؤسسات الهشة.
المخاطر النظامية
وعلى صعيد الآثار الهيكلية، لفت عبد المنعم إلى أن القضاء على الكيانات المصرفية الأضعف يحدّ من فرص انتقال العدوى الماليّة عبر القطاع، ولاسيما في سوق يعاني أصل تفاقم الديون المتعثرة وتآكل الأصول بفعل النهب والتضخم. وأكد أن هذه الخطوة تُعيد صياغة التوقعات النفسية والسلوكية للجمهور، وتحول الثقة المصرفية من مجرد مفهوم انطباعي إلى رأس مال غير مادي يضمن استقرار التعاملات، وتنشيط أوعية الإيداع، وكبح جماح التفضيل النقدي خارج النظام الرسمي.
حماية المودعين
وتأسيساً على ما تقدم، جزم د. لؤي بأن الخطة تستهدف بالأساس تقوية الحماية الهيكلية لأموال المودعين عبر تعزيز الملاءة المالية وقدرة البنوك على امتصاص الصدمات الخارجيّة دون المساس بحقوق المتعاملين. وشرح الخبير المصرفي أن الخطة تدرأ خطورة “عدوى السحب الجماعي” والهلع المصرفي من خلال استبعاد المؤسسات المتهالكة مسبقاً وبصورة منظمة، بدلاً من تركها للانهيار الفوضوي المفاجئ الذي ينسحب على مجمل الجهاز المصرفي.

مظلة تنظيمية
ومن جانبه، أوضح الخبير المصرفي وليد دليل أن تحرك بنك السودان المركزي بالمنشور (4/2026) يضع المصارف أمام استحقاق مفصلي في توقيت بالغ التعقيد؛ إذ يواجه القطاع ضغوطاً متراكمة ناتجة عن تداعيات الحرب والتضخم المتسارع. وأشار دليل إلى أن هذه الظروف أدت إلى تآكل القواعد الرأسمالية لـ 38 مصرفاً مسجلاً، يقع معظمها ضمن الفئات الصغيرة والمتوسطة من حيث حجم الأصول ورأس المال، وهو ما يكبّل قدرتها الفردية على تمويل المشاريع الاستراتيجية الكبرى والاضطلاع بمهام إعادة الإعمار.
واقعية الأحجام
وإلى ذلك، أشار وليد دليل إلى أن جوهر الأزمة يكمن في تراجع الجدوى الاقتصادية للعديد من الكيانات القائمة بفعل الانهيار الحاد في أسعار الصرف القومي؛ لافتاً إلى أن فروع البنوك الأجنبية التي تأسست بعد عام 2000 برساميل تجاوزت 100 مليون دولار، انخفضت قيمتها الحقيقية والمكافئة عملياً إلى ما دون 10 ملايين دولار عقب إلزامها بأسعار التحويل للعملة المحلية. وشرح دليل أن هذا التشرذم الرأسمالي يحدّ من القدرة على الوفاء بمعايير “بازل 3” لكفاية رأس المال، ويعوق استعادة شبكات المراسلة الدولية المعطلة، مستشهداً بالتجارب الخليجية الرائدة—مثل اندماجات بنوك “أبوظبي التجاري” و”الأهلي السعودي” و”دخان القطري”—التي أثبتت أن التكتلات المصرفية الضخمة أصبحت ضرورة استراتيجية لا ترفاً إقليمياً.




