ملح الارض/ خالد ماسا/ العودة.. سودان ما بعد الحرب

وعلى غير العادة والتقليد في الحالة السودانية، سواء بعد أي “انتفاضة” أو “انقلاب عسكري”، والتي كانت الدولة السودانية فيه كالقطار الذي يسير على القضبان لا تغيّر عجلاته طريقها نحو العودة لذات الأوضاع التي كانت قائمة بعد هذه التحولات وكأن شيئًا لم يكن، فإن متغير الحرب في نسختها الشاملة هذه المرة فرض معطًى جديدًا، المؤكد فيه هو أن السودان، الحال فيه، لن يعود إلى ما كان عليه قبل 15 أبريل 2023م بأي حال من الأحوال، وأن مصطلح “التغيير الجذري” المتداول في فترة سبقت الحرب في سياق خلافات القوى المدنية حول مفهوم التغيير المطلوب في الدولة السودانية فرضته الحرب بقوة تأثيرها، ويمكننا، وباستعراض هذه التأثيرات، قراءة صفحة سودان ما بعد الحرب والتغيرات التي طرأت عليه أثناء الحرب، وستتبعها أيضًا تغيرات أخرى كنتاج طبيعي لما حدث منذ الطلقة الأولى وحتى تسكت أصوات الرصاص.
(*) خرطوم ما قبل الرصاصة الأولى..
وبغض النظر عن الانحياز لأي من الروايات المتداولة عن من أطلق رصاصة حرب أبريل الأولى لأغراض الإدانة أو التنصل من المسؤولية الأخلاقية عن مترتبات هذه الحرب، فإن المتفق عليه هو أنها انطلقت في الخرطوم “المركز” الذي ظلت سياساته على الدوام سببًا في كل الرصاص الذي انطلق في الأطراف، أو فلنستخدم مصطلح “الهامش” الذي أنتجه الصراع السياسي والصراع المسلح في السودان.
“العاصمة” التي شكلتها فكرة السلطة المركزية القابضة وهُزم بها منطق التوزيع العادل للسلطة والثروة، كان نتاجها مركزة سلطة الدولة وقوتها الإدارية والاقتصادية على حساب تآكل السودان من أطرافه في الخدمات في حدها الأدنى والأمن، ورسمت حدودًا جديدة لديموغرافيا السودان تحكمت فيها الحرب لتجعل من الخرطوم قبلة الهجرات السكانية بحثًا عن النجاة من الرصاص الذي لم يسكت يومًا، وكذلك المجاعة.
الخرطوم، جغرافيًا في غالبها، نشأت ليس بنُظم التخطيط المتعارف عليها في المدن بقدر ما كانت نتاج الاستجابة لتقلبات السياسة والاقتصاد التي أدت لتآكل خارطة التوزيع الحضري في السودان من مراكز وأقطاب حضرية متعددة لمركز حضري واحد صنعه تراكم رأس المال والاستثمار والانتقال السكاني الكثيف المنتقل تلقائيًا مع توفر الخدمات الحكومية، لتتمدد جغرافيا العاصمة لتصبح مركز الثقل الحضري والسكاني.
(*) الخرطوم بورتسودان وبالعكس..
وحتى كتابة هذه السطور لم يصدر قرار دستوري أو أي مرسوم رسمي بنقل العاصمة من الخرطوم إلى بورتسودان، إلا أنه بعد اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023م في الخرطوم بدأ الانتقال التدريجي لمؤسسات الدولة السيادية والتنفيذية، بالإضافة إلى انتقال بعض البعثات الدبلوماسية إلى بورتسودان، وتحديدًا في يوليو من العام نفسه أصبحت بورتسودان مقرًا تُعقد فيه اجتماعات مجلس الوزراء ويتم فيها استقبال الوفود الرسمية والدبلوماسية.
هذا الواقع بدأ اختبارًا حقيقيًا لفكرة انتقال العاصمة بحكم واقع أفرزته الحرب، وهذا الانتقال استوجب ترتيبات كثيرة في بورتسودان حتى تتناسب ومطلوبات هذا الانتقال، فكان الاهتمام بالمطار وإعادة تأهيله وتوفير عقارات لاستقبال نشاط الوزارات ومبانٍ سيادية، وبدأ التلفزيون القومي يبث برامجه من استوديوهات تلفزيون بورتسودان.
وعلى ذات الشاكلة، ولقربها من العاصمة الخرطوم من ناحية الشمال الجغرافي، نالت ولايتا نهر النيل والشمالية نصيبهما من حركة الانتقال هذه، ابتداءً من أنها خيار النزوح الأول لغالبية السكان الذين دفعتهم الحرب للخروج من الخرطوم، وحظيت مدن مثل شندي وعطبرة ودنقلا ببدايات حركة اقتصادية تتناسب والارتفاع الكبير في عدد السكان ودخول رؤوس أموال ومنتجين جدد في هذه المدن، إضافة لأنشطة تجارية متعلقة بزيادة الطلب والاستهلاك، وتمت تهيئة المواعين الطبية لاستيعاب ومقابلة الخدمات المطلوبة في هذه المدن التي كانت في يوم ما مراكز حضرية أضعفتها سيطرة العاصمة واستحواذها على النصيب الأكبر من الثقل الاقتصادي والنشاط الخدمي والتجاري، وصحيح أن استعادة الوزن الحضري لهذه المدن قد جاء اضطرارًا بسبب الحرب، إلا أن التفكير الاستراتيجي يستوجب التفكير في أن مصلحة الدولة السودانية ومواطنها يمكن أن تكون من نقطة التغيرات التي فرضتها الحرب بالعمل على تثبيت واقع تعدد المراكز الحضرية، والذي من خلاله يمكن أن تتحقق فكرة التوزيع العادل للسلطة والثروة.
(*) هواجس “مثلث حمدي” والحزام الأسود..
ونحن هنا لا نريد أن نحاكم الفكرة سياسيًا، فلقد وجدت حظها من ذلك، وتم تعريف ما جاء في الورقة بأنه كان انحيازًا لجغرافيا النفوذ السياسي للنظام في الشمال والوسط النيلي وأجزاء من كردفان، ولكن من المهم جدًا النظر إليها في فكرتها الأساسية التي تحدث بها وزير مالية النظام وقتها عبد الرحيم حمدي في العقد الأول من الألفية عن التركيز التنموي والسياسي بحسب تناقص النفوذ السياسي للدولة في الأطراف بسبب الحرب.
المصلحة الاقتصادية للدولة السودانية تتطلب التفكير بشكل جاد في إعادة رسم خارطة التنمية الحضرية وبناء هياكل الاقتصاد السوداني بعيدًا عن “الهواجس” أو النزوات السياسية، وأن تستجيب معادلات الاقتصاد السوداني للشروط المنطقية للنمو، باعتبار أن الاعتماد على ثقل اقتصادي مركزي يستحوذ على النصيب الأكبر من الاهتمام قد يضعف قدرة الدولة ويشكل مهددًا لوجودها كما هو الحال عند اندلاع الحرب في المركز الاقتصادي والحضري.
الفكرة ليست في “مدن بديلة” للخرطوم بعد الحرب بقدر ما أنها تعبر عن فكرة طرد ظنون سيطرة المركز الصلب في مقابل الأطراف المضطربة بسبب الحرب.
الاقتصاد السوداني ما بعد الحرب يحتاج لتغيرات جوهرية في بنيته بالاقتراب أكثر من مناطق الإنتاج، وأن فكرة نجاح الاستثمار ليست مرتبطة بالاقتراب من مركز السلطة السياسية، وعدم التعامل مع الواقع الاقتصادي الذي أنتجته الحرب كوضع “انتقالي” يعود لما كان عليه بعد انتهاء الحرب، بل هو وضع اقتصادي أمامه فرص واعدة يمكن استغلالها لتطور وازدهار رؤوس الأموال وإيجاد ثقل تجاري جديد، وألا تكون الأفكار منحصرة فقط في عودة الخرطوم.
هذا ممكن لو أن الدولة ابتدرت سياسات استثمار تشجيعية لأصحاب رؤوس الأموال، والتفكير جديًا في بناء مدن صناعية جديدة وفتح الباب أمام أنشطة اقتصادية تتناسب والثقل السكاني والمواد الخام المتوفرة في المراكز الحضرية التي استعادت حياتها بعد الحرب، وألا تكون فكرة العودة قائمة على سحب الروح مرة أخرى من جسد المدن التي استعادت نبضها الاقتصادي.
لا يتحمل التفكير الاقتصادي فكرة “خلطة” بالهواجس السياسية “مثلث حمدي” أو “الحزام الأسود” أو حتى فكرة “المركز والهامش”، لأن ذلك لا يفضي لنتائج تُحسّن الصحة العامة للاقتصاد السوداني ولا يساعد على رفع مستوى الاستفادة بحدها الأقصى من الموارد المتوفرة للاقتصاد السوداني.
طريق “التنمية المتوازنة” وإعادة البناء الحضري وفق أسس سليمة يمكن أن يكون هو الطريق الأمثل في خارطة النجاة من تأثيرات الحرب السالبة على اقتصاد الدولة السودانية، وما ينطبق على القواعد الاقتصادية ينطبق أيضًا على ظل السلطة الإدارية، ولعل المهم الذي ورد في البيان المشترك عقب الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس لجمهورية مصر ولقائه بنظيره المصري هو الحديث عن مساعدة السودان في فكرة العاصمة الإدارية الجديدة كما هو الحال في مصر، وبالتالي يمكن فك حالة “الاختناق” الناتج عن قبضة المركز الحضري الواحد.
ليكن مشروع إحياء الهامش الحضري مشروعًا للدولة السودانية في مقابل النظر إليه كمهدد أمني يجب إزالته والتخلص منه.



