فن الصفقة: الكتاب الذي سبق الرئيس
الجزء الثاني: ترامب بين الكذب والنرجسية وصناعة العالم البديل

البعد الخامس ..بقلم صباح مكي
*مقدمة: ما وراء “فن الصفقة”*
إذا كان “فن الصفقة” قد قدّم دونالد ترامب بوصفه رجل أعمال ناجحًا يتقن التفاوض ويفي بوعوده ويدير العالم بمنطق الحسم والصفقة الرابحة، فإن هذا الوجه اللامع لا يكفي وحده لتفسير الشخصية التي ظهرت لاحقًا في المجال العام. فثمة جانب آخر يفرض نفسه بإلحاح كلما اتسع حضور ترامب في السياسة والإعلام، وهو الكذب المتكرر، والنرجسية المفرطة، والنزوع إلى العيش داخل واقع موازٍ لا ينضبط دائمًا بحدود الحقيقة. ومن هنا، لا يعود السؤال متعلقًا فقط برجل يبالغ في سرد ذاته، بل بشخصية وصلت إلى قمة السلطة وصارت قادرة على تحويل سرديتها الخاصة إلى أداة حكم.
*أولًا: “فن الصفقة” بين الحقيقة والخيال*
بدأ التشكيك الجدي في الصورة التي رسخها “فن الصفقة” حين خرج توني شوارتز، الكاتب الشبح الذي شارك في تأليف الكتاب، بتصريحات تقوّض الأسطورة من داخلها. ففي أعقاب تقارير كشفت حجم الخسائر التي تكبدتها أعمال ترامب في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، قال شوارتز إنه لن يمانع لو أُعيد تصنيف الكتاب بوصفه عملًا روائيًا. ولم يكن ذلك تعليقًا عابرًا، بل ضربة مباشرة لصدقية النص الذي أسهم في بناء صورة ترامب بوصفه رجل أعمال استثنائيًا. ثم ذهب أبعد من ذلك حين أعلن ندمه على كتابة الكتاب أصلًا، وقال إنه لو أعاد تسميته اليوم لاختار له عنوانًا آخر أكثر واقعية “المعتوه الاجتماعي”. عند هذه النقطة، لم يعد الكتاب مجرد سيرة نجاح قابلة للمراجعة، بل بدا وكأنه وثيقة لصناعة صورة أكثر منه وصفًا لواقع.
ومن هنا، لا تعود أهمية شهادة شوارتز في أنها تكشف مبالغة داخل كتاب ناجح، بل في أنها تقلب وظيفة الكتاب نفسها. فما قُدِّم طويلًا بوصفه سيرة نجاح يبدأ، في ضوء هذه الشهادة، في الظهور كأداة مبكرة لصناعة صورة لا تستند إلى الوقائع بقدر ما تعيد ترتيبها لصالح الأسطورة. ولهذا لم يعد مستغربًا أن يرى بعض المحللين أن “فن الصفقة” لم يكن، في جوهره، كتابًا عن التفاوض بقدر ما كان جزءًا من عملية إعادة اختراع الشخصية على الورق، قبل أن تنتقل هذه الصورة لاحقًا إلى المسرح السياسي.
*ثانيًا: النرجسية بوصفها بنية*
إذا كان الكتاب قد أسهم في بناء القشرة اللامعة، فإن التحليل النفسي حاول تفسير البنية التي تقف خلفها. فقد قُرئ ترامب في أكثر من تحليل بوصفه شخصية تتوافر فيها سمات نرجسية واضحة، من بينها الانشغال المفرط بالذات، والحاجة المستمرة إلى تثبيت الصورة وتعظيمها، وعدم القدرة الحقيقية على احتمال الإهانة أو التراجع. ومن هنا لم تعد بعض تصريحاته المتفاخرة تُقرأ بوصفها زلات شخصية عابرة، بل بوصفها شواهد على علاقة مضطربة بالذات تحتاج دائمًا إلى التوسيع والتأكيد وإعادة العرض.
ولا تقف النرجسية هنا عند حدود حب الذات، بل تتحول إلى محرك للسلوك العام. فترامب، كما تصفه بعض التحليلات، ينجذب بصورة شبه قهرية إلى الضوء، ويتوق باستمرار إلى أن يكون محور الانتباه ومركز المشهد. لذلك لا تبدو تصريحاته الصادمة ولا ميله الدائم إلى الاستعراض مجرد انفعالات عابرة، بل أدوات تغذي حاجته العميقة إلى الحضور. وتظهر هذه النرجسية في ملامح متكررة، مثل المبالغة في تقدير القدرات، وازدراء الخاسرين، والحاجة الشديدة إلى الإطراء، وعدم احتمال النقد أو الاستقلال من المقربين. لكن المفارقة الأهم أن الشخصية التي تتصرف كما لو كانت في ذروة القوة تبدو، في الوقت نفسه، شديدة الهشاشة أمام أي انتقاص من صورتها. ومن هنا لا يظهر غضبه من النقد بوصفه رد فعل سياسيًا فقط، بل دفاعًا عن ذات متضخمة تخشى الانكشاف والتصدع.
*ثالثًا: الكذب وصناعة العالم البديل*
لا تكتمل صورة هذه الشخصية من دون التوقف عند عنصر أكثر مباشرة، هو الكذب المتكرر. فالرجل الذي يقدّم نفسه عادة بوصفه من يقول الأمور كما هي، بدا في كثير من الحالات وكأنه يقولها كما يريد لها أن تبدو، لا كما هي فعلًا. لكن المشكلة لا تكمن في كثرة المبالغات وحدها، بل في الآلية التي تكشفها: إعادة تشكيل الواقع بما يخدم صورة الذات.
وتظهر هذه الآلية بوضوح في خطابه العام. فقد وعد، في ملف التعريفات الجمركية، بانخفاض الأسعار فورًا من اليوم الأول، بينما جاءت النتائج العملية معاكسة لذلك. ثم تحدث لاحقًا عن مئات الصفقات التي لم تكن موجودة أصلًا. وفي مواضع أخرى، صاغ مشاهد توحي بأن زعماء العالم يتوسلون إليه أو يطلبون رضاه، على نحو جعل بعض المحللين يلاحظون أن طريقته في محاكاة الآخرين أقرب إلى اختراع مسرحيات صغيرة تثبّت صورة الهيمنة والسيطرة. كما قدّم نفسه أحيانًا بوصفه صاحب معرفة استثنائية ببلدان وثقافات معقدة، فيما بدا امتدادًا للحاجة نفسها إلى تضخيم الخبرة والقدرة والمعرفة. ولا تشير هذه الأمثلة إلى ميل عابر للمبالغة، بل إلى نمط أكثر رسوخًا: اختلاق الوقائع أو توسيعها أو إعادة ترتيبها بما يضمن بقاء الذات في مركز الصورة.
وعند هذه النقطة، لا تعود عبارة “المبالغة الصادقة” مجرد حيلة ترويجية، بل تصبح مفتاحًا لفهم علاقة ترامب بالحقيقة نفسها. فالمشكلة لم تعد في المبالغة بوصفها أداة جذب، بل في تحولها إلى طريقة مستقرة لإعادة تشكيل الوقائع بحيث تخدم الصورة أولًا، ثم يُعاد تعريف الواقع على ضوء ما تحتاجه تلك الصورة. وهنا لا يبتعد ترامب عن الحقيقة أحيانًا فحسب، بل يتعامل معها بوصفها مادة قابلة للتشكيل والإخضاع لمقتضيات الانطباع.
لكن الأخطر أن هذا العالم البديل لا يبقى حبيس الشخصية، بل يمتد إلى جمهورها أيضًا. وهنا يبرز تحليل ستيفن سلومان، أستاذ العلوم المعرفية والنفسية في جامعة براون، الذي يرى أن ترامب لا يعيش في واقع موازٍ بمفرده، بل ينجح كذلك في إنتاج واقع بديل لأنصاره. تقوم هذه العملية على استبدال تعقيد العالم بمجموعة من “القيم المقدسة” المطلقة التي لا تناقَش ولا تراجَع، ثم استخدام هذه القيم كعدسات جاهزة لتفسير كل ما يحدث، بصرف النظر عن الوقائع والأدلة.
وقد ظهر هذا النمط بوضوح حين سارع، بعد حادثة تصادم مروحية عسكرية بطائرة ركاب في يناير 2025، إلى تحميل برامج التنوع والمساواة المسؤولية قبل اكتمال التحقيقات. لم يكن ذلك استنتاجًا مبنيًا على معلومات، بل اختيارًا أيديولوجيًا مسبقًا فُرض على الحدث فورًا ليدخل في خدمة سردية جاهزة. وهكذا لا يعود السؤال ما إذا كان ترامب يكذب فحسب، بل كيف ينجح، عبر هذا الكذب، في إنتاج عالم بديل يبدو لأنصاره أكثر إقناعًا من الواقع نفسه.
*رابعًا: من التفاوض إلى وهم السيطرة*
حين انتقلت هذه البنية من الخطاب الداخلي إلى السياسة الخارجية، لم تعد المسألة مجرد مبالغات شخصية أو إعادة ترتيب للوقائع، بل تحولت إلى طريقة في التعامل مع العالم نفسه. وهنا يطرح بيل شير، وهو كاتب ومعلّق سياسي أمريكي، سؤالًا أساسيًا: هل كان ترامب مفاوضًا حقيقيًا، أم مجرد لاعب قوة يستخدم التهديد والابتزاز بدل المعرفة والصبر والمرونة؟ في نظر شير، لم يُظهر ترامب الصفات التي يحتاجها المفاوض الجاد، بقدر ما اعتمد على التنمر والابتزاز والتهديد والكذب من أجل انتزاع ما يريده.
ويتجلى ذلك بوضوح في الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، أي اتفاق 14 يوليو 2015 بين إيران والقوى الكبرى، المعروف اختصارًا باسم JCPOA، والذي أقرّه مجلس الأمن لاحقًا بالقرار 2231، وفرض قيودًا صارمة على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات. ففي عام 2018، انسحب ترامب من الاتفاق رغم أن إيران كانت، بحسب تقارير التفتيش الدولية آنذاك، ملتزمة به. ثم روّج لفكرة أن الاتفاق كان قد انتهى، وأن قراره لم يكن إلا إغلاقًا نهائيًا لملف منتهٍ أصلًا. لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا. صحيح أن بعض البنود الزمنية كانت محددة، إلا أن الاتفاق تضمن أيضًا آليات تفتيش مستمرة وحظرًا دائمًا على امتلاك إيران سلاحًا نوويًا. ولذلك لم يمنع الانسحاب الأمريكي إيران من الاقتراب من العتبة النووية، بل أسهم في دفعها نحوها. هنا لا يتعلق الأمر باختلاف في التقييم فقط، بل بإعادة تعريف الواقع نفسه بما يحفظ صورة القرار ويمنع الاعتراف بتبعاته.
وينطبق الأمر نفسه على صورة “صانع السلام” التي حاول ترامب تسويقها عن نفسه. فهو لم ينهِ الحرب في أوكرانيا كما وعد، ولم تظهر مقاربته بوصفها وساطة خالصة بقدر ما ظهرت بوصفها مزيجًا من الضغط والمقايضة. ففي الحالة الأوكرانية، اقترنت وعود إنهاء الحرب بدفع كييف إلى توقيع اتفاق يمنح الولايات المتحدة وصولًا تفضيليًا إلى صفقات المعادن الجديدة. وفي وسط أفريقيا، ارتبطت رعاية واشنطن لتهدئة التوتر بين الكونغو ورواندا أيضًا بدفع مسار استثماري غربي في المعادن الاستراتيجية. وحتى في فنزويلا، بدا سريعًا أن الملف لا ينفصل عن حسابات الموارد والمعادن، مع فتح الباب أمام ترتيبات أمريكية جديدة في هذا القطاع بعد خطف مادورو. بهذا المعنى، لا يبدو السلام في خطابه مشروعًا أخلاقيًا أو استراتيجية مستقرة، بل صيغة ضغط تُستخدم لانتزاع الموارد وإعادة هندسة النفوذ بما يحقق عائدًا ماديًا أو جيوسياسيًا مباشرًا. وهنا تتسع الفجوة بين خطاب الوساطة وممارسة القوة والابتزاز، إلى حد يصبح معه “إطفاء الحروب” أقرب إلى إعادة ترتيبها بما يخدم المصالح الأمريكية أولًا، لا إلى إنهائها بوصفها غاية مستقلة.
ومن هنا يكتسب السؤال حول ما إذا كان ترامب يعيش في عالم بديل وجاهته التحليلية. فما يصفه البعض بأنه عالم موازٍ ليس حالة إنكار ساذجة، بل آلية ذهنية وسياسية تسمح له بتجاهل الوقائع التي لا تخدم روايته، أو إعادة صياغتها، أو استبدالها بروايات أخرى أكثر فائدة لصورة الذات. وحين لا تنسجم الحقيقة مع المشهد الذي يريد تقديمه، لا يتراجع عن صورته، بل يغير طريقة عرض الحقيقة نفسها.
وفي هذا السياق يكتسب سؤال مارتن إيميس، الروائي والكاتب البريطاني الراحل الذي كتب واحدة من أشهر القراءات الأدبية والنفسية في ظاهرة ترامب، وجاهته التحليلية. فإيميس لم يطرح المسألة بوصفها إساءة، بل باعتبارها محاولة لفهم ما يحدث عندما تمتزج النرجسية بالسلطة على نحو خطير. فحين تتضخم الذات إلى هذا الحد، وتُمنح في الوقت نفسه قدرة هائلة على إعادة تعريف الوقائع وتوجيه المجال العام، تصبح الحدود بين الرغبة والحقيقة أكثر هشاشة، وتصبح السياسة نفسها عرضة للتشكل وفق احتياجات الذات، لا وفق معايير الواقع.
ويضيف جريج سيمونز، وهو أكاديمي وباحث في الإعلام والسياسة والنزاعات المسلحة، بعدًا آخر حين يصف ترامب بأنه يعيش في وهم كونه قائد “ألفا” لدولة “ألفا”. هذا الوهم، في قراءته، تعزز بفعل الثقافة التلفزيونية وصناعة الصورة، ولا سيما عبر برنامج “المتدرب” الذي رسّخ صورة ترامب بوصفه رجل الحسم والإهانة والهيمنة والانتصار المطلق. لكن هذا الوهم يصطدم بواقع دولي أكثر تعقيدًا، فيه تراجع نسبي في القوة الأمريكية، وتآكل في النفوذ، وحدود حقيقية للقدرة على فرض الإرادة. وبدل مواجهة هذا الواقع، يبدو ترامب ميالًا إلى مضاعفة الوهم، وصناعة أعداء خارجيين، وإعادة تفسير الإخفاقات بوصفها مؤامرات أو خيانات أو عقبات مصطنعة.
وهكذا لا تبدو السياسة الخارجية عند ترامب امتدادًا لفلسفة “فن الصفقة” بقدر ما تبدو انتقالًا من فن التفاوض إلى وهم السيطرة. من إدارة الواقع إلى إعادة اختراعه، ومن استعمال القوة إلى العيش داخل صورتها. هنا لا يعود العالم ساحةً لفعل سياسي محسوب، بل مرآةً كبرى للأنا، تختبر فيها قدرتها على فرض الرواية حتى عندما تعجز عن فرض النتيجة.
*الخلاصة: “فن الصفقة” بين السيرة والرواية*
أما الشخصية التي ظهرت لاحقًا في المجال العام، كما ترسمها الشهادات والتحليلات، فهي شخصية تجمع بين النرجسية المفرطة، والكذب المتكرر، والقدرة على تطويع الواقع بما يخدم صورة الذات، وصناعة روايات بديلة لأنصارها. ومن هنا، لا تبدو دعوة توني شوارتز إلى إعادة تصنيف “فن الصفقة” كعمل روائي مجرد سخرية عابرة، بل تعبيرًا مكثفًا عن مأزق أعمق: أن الكتاب قدّم شخصية أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، وأن خطورة هذا التزييف لا تقف عند حدود النص، بل تبدأ حين تنتقل تلك الشخصية من الورق إلى السلطة.
وعلى هذا الأساس، لا تعود عبارة شوارتز مجرد مراجعة متأخرة لكتاب قديم، بل مفتاحًا لفهم المأزق كله. فالمشكلة لم تعد في أن الكتاب صنع أسطورة، بل في أن هذه الأسطورة خرجت من حيّز الترويج إلى حيّز الحكم، ومن عالم الانطباع إلى عالم القرار.
وربما كانت العبارة الأكثر صدقًا في الكتاب كله هي تلك التي قالها ترامب عن نفسه: “أنا صانع كتابي الهزلي الخاص.” لكن المعضلة تبدأ عندما لا يبقى هذا “الكتاب الهزلي” مجرد طريقة في تقديم الذات، بل يتحول إلى طريقة في فهم العالم، ثم إلى أسلوب في حكمه.
bitalmakki@gmail.com



