امتحان الشهادة السودانية في الإمارات.. السقوط في مادة الأداء القنصلي

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وفي منتصف أبريل المنصرم، تخرج أزمة امتحانات الشهادة السودانية للطلاب الجالسين للامتحان بدولة الإمارات، وعددهم ١٢٠٠ طالب وطالبة، عن سيطرة وزارة التربية والتعليم الوطنية وقنصلية السودان، ونكتب مقالًا تحت عنوان: / الشهادة السودانية.. السقوط في امتحان الإدارة والدبلوماسية/، ولأن الجهاز الحكومي في الدولة السودانية مشغول بأي شيء إلا هموم الشعب السوداني ومشكلاته، لم نجد من يحمل قلم “التصحيح” ليكتب بالقلم الأحمر على كراسة الوزارة والقنصلية “قابلني” للمحاسبة على ما حدث، وتسبب في “الأذى الجسيم” للطلاب والطالبات وأولياء الأمور جراء “الإهمال” وعدم المسؤولية من طرفي الأزمة.
(*) ما هو الجديد في ملف السقوط..؟
في مقطع مصور لا تغيب مآربه، قدمته القنصلية العامة للسودان في دولة الإمارات، أرادت به تقديم ما يشفع لها في السقوط الدبلوماسي والإداري بالتأجيل المفاجئ لامتحان الشهادة السودانية بعد تحصيلها لآخر “درهم” من جيوب الأسر السودانية.
و”الاستهتار” صار هو الطبق الرئيسي على مائدة القرار الرسمي، ولقطات المقطع المصور للقنصلية جاءت مصحوبة بخلفية صوتية لأغنية “جدودنا زمان وصونا على الوطن” وترابه الغالي، وتوقعنا أن يحمل المقطع المصور اعتذارًا رسميًا من القنصلية والوزارة عن ما تسببا فيه من أذى للأسر السودانية في الإمارات، وأن دولة “الشفافية” ومحاربة الفساد، التي عينت لها الدولة “ضابطًا عظيمًا” على رأس هيئتها، قد أدت فروضها وحاسبت المهملين في الوزارة والقنصلية، لولا أن من وقف وراء إنتاج هذا المقطع المصور في القنصلية قد استعجل في لقطات ظهور “بطل” هذه المهزلة الإدارية والقنصلية، السيد السفير / زاهر عبد الفاضل عجب، القنصل العام للسودان بدبي والإمارات الشمالية، ولأن “التزلف” الإداري هو فقط رأس مال من أعد المقطع المصور، فإنه وضع في مدخله عبارة “نحن قريبون منكم”، وحقيقة الأمر هي أنهم قريبون فقط من جيوبهم، بالتشديد من القنصل العام على سداد الرسوم، ليصدم الطلاب والطالبات وأسرهم بتأجيل جديد للامتحان، استطاع فيه تسمية وتحديد موعد سداد الرسوم، وطالبهم بتهيئة وإعداد أبنائهم للامتحان بكل براءة من لا دخل له ولقنصليته بهدم مجهود عام كامل لهذه الأسر مع أبنائهم وبناتهم، والتلاعب به في لحظة إهمال وعدم اهتمام إداري ودبلوماسي.
لن يحرص مكتب الإعلام في القنصلية، والذي اجتهد بحسب ما هو متاح من إمكانيات فنية متواضعة، على تقديم مادة تساعد في “تبييض” وجه دبلوماسيتنا الكالح، على نقل صورة عن “الرأي العام” للأسر هناك في الإمارات وردود أفعالهم تجاه التأجيل والتلاعب الذي حدث لاستعداداتهم النفسية والأكاديمية لامتحان الشهادة السودانية.
كان من الواضح جدًا بأن التنسيق بين وزارة التعليم والقنصلية، عقب الصدمة الأولى لقرار التأجيل، لم يتعد سقف تحديد تاريخ ١١ مايو بشكل “عشوائي” كموعد لامتحان الملحق، وبيت الحكمة السوداني لم يخلُ من التوصيف الدقيق لمثل هذه الحالة بالقول: “المتغطي بالأيام”.
تأجيل “طفيف” و”مؤقت”، هكذا سمى السيد القنصل العام لجمهورية السودان بدبي والإمارات الشمالية فاجعة التأجيل “الثاني” لامتحان الشهادة السودانية، ولم يجد في قاموس اللغة ما هو أرفع من ركاكة هذا التوصيف، والذي يضعنا أمام حقيقة أن مستقبل هذا البلد، والمتمثل في طلابه وطالباته، من السهل أن يضيع؛ لأنه بيد من وضع تاريخ “طفيف” و”مؤقت” ضمن أيام الشهر، لترتب الأسر السودانية هناك حالها حسب هذا الوضع “المفتوح” على ضعف وفقر التنسيق بين الوزارة والقنصلية.
التنسيق بين وزارة التربية والتعليم الوطنية والقنصلية العامة، والذي تحدث به القنصل العام، ولم يخلص إلى حسم تاريخ محدد لامتحان الشهادة السودانية، كيف جاز لهؤلاء تسميته بالتنسيق؟
والوزارة والقنصلية لم تخبرانا من قبل بجدوى التنسيق بينهما، وطلابنا وطالباتنا بمركز الامتحان بدولة الإمارات لم يجلسوا مع زملائهم لأداء الامتحان، وما الذي يقصده السيد القنصل العام بقوله بتحديد مواعيد “قريبة” و”مناسبة” لامتحان الملحق في الشهادة السودانية، وهو الذي لا يعلم بأن التوقيت المناسب قد فات على أبنائنا وبناتنا، وانتفى شرط “العدالة” الأكاديمية تمامًا في هذا الامتحان.
وأصاب السيد القنصل العام الطلاب والطالبات وأسرهم بالجزع من حيث أراد طمأنتهم، بالقول بأن هذه “المسألة لن تطول”، وأنهم كقنصلية وراء هذا الأمر إلى أن يكتمل.
امتحان الشهادة السودانية لهذا العام بمراكز الامتحان بدولة الإمارات هو الآن، بالنسبة للقنصلية والوزارة، لا يتعدى حالة كونه ضمن “الروتين” الإداري في إصدار وتجديد الأوراق الثبوتية، والوزارة خالية الذهن تمامًا عن علاقة الأثر النفسي بالأداء في الامتحان، ومن ثم عدالته في قياسات المستوى بين الممتحنين.
تعاملت القنصلية العامة مع ما يعنيها ويهمها في هذا الموضوع، وحدد السيد زاهر اليوم وساعات العمل التي تفتح فيه خزانة قنصليته شهيتها لتحصيل الرسوم، وهو الأمر الوحيد الذي تفلح فيه مؤسساتنا وموظفنا العام، ولا “يتلاعب” فيه، ويؤديه على الوجه المطلوب، أما بقية الفروض الرسمية فهي ليست ضمن الأولويات القنصلية.
ألقى السيد القنصل العام هذا الخطاب في وجه الطلاب والطالبات وأسرهم، ليتركهم لجحيم الأسئلة التي لا تتوقف عن مصير الممتحنين، وهل يمكن اعتماد أي وعد أو التزام من القنصلية بناءً على تجربتهم معها؟ وذهب ليركب سيارته موديل السنة، والمدفوع ثمنها من “رسوم” وعرق الشعب السوداني، في مقابل الأداء “الصفري” تجاه الجالية السودانية في الإمارات.
الحكومة، ممثلة في الوزارة والقنصلية، عليها أن تعلم بأن أمر امتحان الشهادة السودانية ومستقبل الطلاب والطالبات ليس حقلًا للتجارب الإدارية الفاشلة، وأن الوصف الدقيق لما حدث هذا العام لعدد ١٢٠٠ طالب وطالبة في امتحانات الشهادة السودانية شيء كبير ولا يُغتفر، ويجب أن يتعرض المتسببون فيه للمساءلة والحساب.
وزارة الخارجية، وفي عز المعركة الدبلوماسية التي تخوضها وسعيها لتثبيت أركان الدولة، عليها أن تعلم بأنه ما من شيء يعفيها من مسؤولية المواطنين السودانيين بالخارج، وأنها تحتاج لعملية مراجعة شاملة للأداء القنصلي والدبلوماسي للبعثات، وأن تكون هي السند والظهر للمواطن السوداني في غربته ولجوئه، وليس عبئًا عليه وأداة تحصيل مالي دون تقديم الخدمات.



