ثورة سنار الاقتصادية تطوي عهد “تصدير الخام”.. 

22 مشروعاً جديداً ومصانع للأدوية والنسيج تفتح أبواب الإنتاج

الدندر تدخل نادي الطاقة الإقليمي.. 8 آبار غاز طبيعي تؤمن الاكتفاء الذاتي

تقرير: مصطفى أحمد عبد الله

تشهد ولاية سنار تحولاً استراتيجياً كبيراً في بنيتها الاقتصادية والخدمية عقب إعلان مفوضية الاستثمار عن خارطتها الجديدة الرامية إلى تحويل الموارد المحلية والمنتجات الخام إلى صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة عالية تنهي عهد تصدير المواد غير المصنعة وتدعم المنتجين المحليين بشكل مباشر وتهدف الخطة الحالية للمفوضية التي تحظى برعاية ومتابعة حثيثة من والي ولاية سنار اللواء ركن م الزبير حسن السيد وبإشراف مباشر من مدير عام إدارة الاستثمار الأستاذ بدر الدين علي حمدان إلى إنشاء مدينة متكاملة للإنتاج الحيواني وصناعة الجلود لتوطين هذه الصناعات الحيوية بجانب تأسيس مصانع حديثة لتعبئة وتصنيع الفواكه والخضروات لحماية الإنتاج الزراعي وتوسعة المدينة الصناعية الجديدة غرب الولاية لتصل مساحتها الإجمالية إلى ستة ملايين متر مربع لاستيعاب الصناعات الكبرى والثقيلة بالتزامن مع اقتراب افتتاح منفذ متطور للصادر في منطقة الصابونابي لتسهيل تدفق المنتجات السودانية نحو الأسواق العالمية وتأهيل مقار مشروع سنار عاصمة الثقافة الإسلامية وتحويلها إلى مجمعات فندقية سياحية جاذبة وتتكامل هذه الرؤية مع الخطط الاستراتيجية الشاملة لمدير الاستثمار الأستاذ بدر الدين حمدان لفتح باب التعدين والاستثمار الثقيل في موارد الولاية الطبيعية غير المستغلة وعلى رأسها ثروات الأسمنت والرخام والسيراميك والذهب والتي تضع ولاية سنار في صدارة الولايات الواعدة تنموياً وتفتح آفاقاً جديدة لبناء مجمعات صناعية لإنتاج مواد البناء والتشييد وتوطين صناعات المعادن النفيسة لدعم الاقتصاد القومي.

وفي إطار جذب رؤوس الأموال أعلنت المفوضية بمباركة الوالي اللواء م الزبير حسن السيد عن حزمة حوافز وتسهيلات تشمل تقديم إعفاءات ضريبية وجمركية كاملة للمستثمرين تمتد لخمس سنوات متتالية مع إجراء تعديلات تشريعية مرتقبة على قانون الاستثمار لحوسبة المعاملات والقضاء على العقبات البيروقراطية والتقاطعات الإدارية وتشهد الولاية انطلاقة فعلية لتأسيس أكثر من اثنين وعشرين مشروعاً استثمارياً جديداً تم تخصيصها ومنحها للمستثمرين مع التركيز على توزيع الفرص الاستثمارية على جميع المحليات لتحقيق التنمية المستدامة وتوطين الخدمات بمناطق الإنتاج وتشمل هذه المشروعات محالج للأقطان في سنجة وشرق سنار ومصنعاً متكاملاً للنسيج في أبو حجار ومصانع لإنتاج الزيوت والصابون والطحنية والحلويات بجانب الاستثمار الدوائي الذي يضم مصنعاً للأدوية في سنار ومصنعاً للتحاليل الوريدية بمربع ثلاثة بسنجة للمستثمر زيدان أحمد زيدان وتعمل المفوضية بالتنسيق مع إدارة التسجيلات لإضافة أراضٍ استثمارية مخصصة للمستشفيات والمستوصفات المتخصصة ومراكز الرنين المغناطيسي والعلاج الطبيعي ومستشفى الكلى التخصصي والترتيب لإنشاء مدينة طبية متكاملة وشقق فندقية لتوطين العلاج بالداخل وتطوير القطاع السياحي والترفيهي عبر مشروع أشقريات وكورنيش النيل والحديقة الدولية ومجمع طريق شرق سنار السياحي وتبرز محلية الدندر كواحد من أكبر المرتكزات الاستراتيجية للخارطة الجديدة لكونها تحتوي على منطقة غنية جداً بالغاز الطبيعي تضم أكثر من ثمانية آبار استكشافية وإنتاجية واعدة وهو الأمر الذي يتيح فرصة ذهبية غير مسبوقة لتغطية كافة احتياجات البلاد من الغاز الطبيعي بل وتحقيق فائض ضخم للتصدير نحو الأسواق الإقليمية والدولية مما يعزز من ميزان الصادرات السودانية ويدعم العملة الوطنية.

 

ورغم هذه الطموحات الرسمية الكبيرة والوعود المكررة التي يصفها مراقبون بكلاكيت ثاني مرة يواجه الشارع السناري والمستثمرون المحليون هذه المشروعات بتساؤلات نقدية حاسمة تضع أداء إدارة الاستثمار في ميزان التقييم الفعلي ومدى قدرتها على زيادة الدخل المحلي للولاية خاصة أن الإعفاءات الطويلة قد تحرم الخزينة العامة من إيرادات عاجلة ويطالب المستثمرون بضرورة توطين التكنولوجيا الحديثة ونقل المهارات للعمالة الوطنية بدلاً من بقاء الاستثمار الأجنبي حبيس القطاعات التقليدية والتساؤل عن مدى مساهمة هذه المشاريع في خفض معدلات البطالة والعطالة المتفاقمة بين الشباب ويظل ملف المصانع المتوقفة هو الملف الأكثر سخونة وإيلاماً في اقتصاد سنار حيث باتت عشرات المصانع التي كانت تنتج الزيوت والصابون والشعيرية خارج الخدمة تماماً وتحولت إلى مقار مهجورة نتيجة نقص التمويل وشح العمالة والمنافسة الشرسة من المنتج المستورد وتقادم الماكينات وسط تباين آراء المواطنين حيث يتحدث قطاع منهم عن أهمية تحديث هذه المصانع وإعانتها للنهوض مجدداً بينما ترى فئة أخرى ضرورة ترحيلها بالكامل خارج النطاق السكني والاستفادة من مساحاتها وأراضيها الشاسعة في خدمات أخرى تجنب المدينة التلوث.

 

وفي خضم هذا الجدل المجتمعي المتصاعد ينعقد إجماع شعبي قوي بين مواطني سنار يدعم قرارات الحسم الرسمية حيث يرى المواطنون أن تجميد الأراضي الاستثمارية بهدف المضاربة العقارية هو جريمة تخريب صريحة للاقتصاد المحلي في سنار لكون الشباب يحتاجون لوظائف حقيقية والمشروعات الصورية لن تبني بلداً ويؤكد الناشط متوكل كولا أن المستثمر الجاد يرحب بالقانون دائماً أما من يتباكون الآن فهم تجار التراخيص الصورية الذين حرموا الولاية من تنمية حقيقية لسنوات معلناً تقديم كل الدعم لمفوضية الاستثمار في هذه الخطوة التصحيحية الجريئة ومن جانبه يرى المواطن عمر مصطفى أن تحويل مربع تسعة وعشرين إلى منطقة إنتاجية هو البداية الحقيقية لنهضة سنار الاقتصادية وأن قلم النزع القانوني هو الحل الوحيد لإنهاء عهد التسهيلات والمزايا الممنوحة بلا مقابل ملموس على الأرض فيما يذهب المواطن منصور حسين إلى أن صراخ المستفيدين والمنتفعين الآن هو أكبر دليل على أن قلم النزع بدأ يوجعهم بحق مؤكداً أنه لا مجال للمجاملة على حساب مستقبل سنار فالأرض للدولة وللمواطن وللمستثمر الحقيقي فقط وكفاية لعب بمقدرات الولاية ومربع تسعة وعشرين لازم يرجع لحضن التنمية مشدداً على أن من حق الشارع السناري أن يرى هيبة القانون تطبق على الأرض والسناريون كلهم يقفون خلف أي مسؤول شجاع يسترد هذه الحواشات المجمدة.

 

ولعل تحدي ما بعد الحرب يفرض السؤال الجوهري هنا حول ما إذا كانت البيئة مهيأة حقاً للاستثمار بعد أن أفرزت الأحداث والأزمات الأخيرة واقعاً معقداً تضررت منه البنية التحتية وسلاسل الإمداد بشكل بالغ ويتساءل المتابعون هل عملت إدارة الاستثمار جاهدة لتهيئة البيئة والظروف المحيطة بالاستثمار بعد هذه الأحداث إذ إن جذب رؤوس الأموال الوطنية المهاجرة أو الرساميل الأجنبية الحذرة يتطلب ما هو أكثر من تعديلات قانونية مرتقبة بل يتطلب إزالة حقيقية لعوائق الجبايات والتقاطعات الإدارية وتوفير استقرار حقيقي في إمدادات الطاقة والكهرباء والمياه للمناطق الصناعية وتأمين طرق الصادر

وضرورة نيل موافقة المواطنين بالمناطق الاستثمارية والمجتمعات المحلية المستضيفة للمشاريع قبل الشروع في تخصيصها لضمان حماية حقوقهم البيئية والصحية والاجتماعية وتحقيق مبدأ الشراكة الحقيقية والتنمية المتوازنة التي تنعكس إيجاباً على أبناء تلك المناطق عبر التوظيف والخدمات بدلاً من فرض المشاريع بصورة فوقية قد تولد نزاعات مستقبلية تعطيل الاستثمار.

 

وبدون هذه الأرضية الصلبة ستبقى الخارطة الاستثمارية مجرد حبر على ورق وسيبقى المستثمر الوطني متخوفاً والأجنبي مبتعداً والشارع في سنار لم يعد يطرب للشعارات الرنانة ولا يعول كثيراً على افتتاح منافذ جديدة ما لم يرَ دخاناً يتصاعد من مداخن المصانع المتوقفة وتتحرك آليات استخراج الغاز بالدندر واستغلال ثروات الذهب والرخام والأسمنت وتطبيق تفعيل قلم النزع واسترداد الأراضي وتوفير فرص عمل حقيقية تنتشل الشباب من رصيف العطالة وإن إدارة الاستثمار أمام اختبار حقيقي لإثبات أن خارطتها الجديدة ليست مجرد كلاكيت ثاني مرة لفيلم قديم ملّ الجمهور متابعته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى