ثلاثة سيناريوهات للمشهد القادم..

الرياض ومسقط والقاهرة علي الخط

مصر ترسم خطوط الإشتباك السياسي.. لا حلول مفروضة ولا شرعية للفوضى

تحركات البرهان الخارجية.. إعادة تموضع أم هندسة مرحلة ما بعد الحرب؟..

واشنطن تعود بوجه جديد.. مسعد بولس.. مقاربة الضغط الذكي

تعدد المنابر..وعدم وضوح الرؤية.. من يملك مفتاح العملية السياسية؟..

تقرير تحليلي / علم الدين عمر

يبدو أن الأزمة السودانية التي يقرأها العالم كصراع مفتوح على كل الإحتمالات قد تجاوزت مرحلة إعادة التشكل المزعومة للدولة نفسها لتتقاطع الإرادة الوطنية مع تحولات الميدان وضغوط الإقليم وحسابات القوى الدولية.. لتبرز ملامح سيناريو جديد آخذ في التشكل بصورة متسارعة.. عنوانه الأبرز: إتساع هامش حركة الدولة السودانية مقابل التراجع التدريجي في قدرة المليشيا على فرض معادلاتها السابقة.. وهو تحول لا يمكن فصله عن تداخل العوامل الصلبة (العسكرية والأمنية) مع العوامل الناعمة (الدبلوماسية والشرعية السياسية) في إنتاج واقع جديد أكثر تعقيداً.. لكنه في ذات الوقت أكثر وضوحاً من حيث اتجاهاته العامة..

تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه مع المبعوث الأمريكي مسعد بولس لا يمكن التعامل معها كرسالة دبلوماسية تقليدية.. بل كمؤشر على بداية إصطفاف إقليمي يعيد تعريف قواعد اللعبة بشكل مباشر.. لا تسوية مفروضة.. لا شرعنة لواقع مختل.. ولا تجاوز لإرادة الدولة الوطنية.. هذه المحددات لا تعكس فقط موقفاً مصرياً.. بل تمثل – في جوهرها – محاولة لوضع سقف سياسي جامع يمنع الانزلاق نحو نماذج تسوية أثبتت فشلها في تجارب إقليمية مشابهة.. كما أنها تمنح الخرطوم مساحة مناورة أوسع في مواجهة الضغوط الدولية التي تحاول – في بعض الأحيان – القفز فوق تعقيدات الواقع الميداني..

هذه المحددات تكتسب وزناً مضاعفاً في ظل ما تشهده الجبهة الداخلية السودانية من تحولات نوعية.. أبرزها تآكل البنية الصلبة للمليشيا وبروز مؤشرات التفكك الداخلي سواء على مستوى القيادة أو خطوط الإمداد أو الحواضن الإجتماعية.. وهو تآكل لا يحدث بصورة فجائية.. بل يتراكم عبر سلسلة من الضربات النوعية والإخفاقات التشغيلية التي تُضعف القدرة على الاستمرار كقوة متماسكة.. الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرتها التفاوضية وعلى موقعها في أي معادلة سياسية قادمة..

في هذا السياق.. تتقدم ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحكم المرحلة المقبلة.. لكنها – وعلى غير ما كان سائداً في الأشهر الأولى للحرب – لم تعد متساوية الإحتمالات.. بل باتت تخضع لمعادلة دقيقة يتحكم فيها ميزان القوة على الأرض.. واتجاهات الإقليم.. وحدود المقبول دولياً..

أولاً: سيناريو التهدئة بشروط الدولة..

لم يعد وقف إطلاق النار مجرد إستجابة لضغوط إنسانية.. إذ بدا أنه يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية بيد الدولة.. تفرض من خلاله شروطها استناداً إلى تحسن موقعها الميداني.. هذا السيناريو يفترض هدنة محسوبة تفتح ممرات إنسانية وتخفف من حدة الأزمة المعيشية.. لكنها – في جوهرها – ليست هدنة محايدة.. بل هدنة مُسيّسة تُستخدم لإعادة ترتيب المشهد وفق معايير جديدة..

التوسع في هذا السيناريو يكشف عن نقطة بالغة الأهمية.. وهي أن الدولة – إن أحسنت إدارة هذا المسار – تستطيع تحويل الهدنة من لحظة توقف مؤقت إلى منصة تأسيس سياسي.. عبر فرض أجندة تفاوضية محددة لا تسمح بإعادة تدوير الأزمة.. ولا بدمج المليشيا في هياكل الدولة دون معالجة جذرية لطبيعة وجودها المسلح.. كما يمكن أن تستثمر هذه الهدنة في إعادة تنشيط مؤسساتها المدنية.. واستعادة جزء من وظائفها الخدمية.. بما يعزز من شرعيتها الداخلية ويضعف في المقابل من أي سردية بديلة تحاول المليشيا الترويج لها..

لكن هذا السيناريو يظل مشروطاً بقدرة الدولة على ضبط إيقاعه بدقة.. إذ أن أي هدنة غير منضبطة قد تتحول إلى فرصة لإعادة تموضع الخصم.. وهو ما يتطلب منظومة رقابة ميدانية وسياسية صارمة.. مدعومة بغطاء إقليمي واضح يضمن عدم الانحراف عن المسار المرسوم..

ثانياً: سيناريو الحسم التدريجي وإعادة التأسيس..

مع تصاعد مؤشرات التفكك داخل المليشيا.. يتقدم احتمال أن تتجه المعركة نحو الحسم المتدرج.. (النظرية التي بدأت ملامحها في الظهور عقب الإحاطة الميدانية والتقدم الاستخباراتي الواضح).. ليس بالضرورة عبر ضربة واحدة فاصلة.. ولكن بواسطة الاستنزاف المنظم المفضي في النهاية لانهيار البنية القتالية والسياسية للمليشيا..

التعمق في هذا السيناريو يكشف أنه لا يتعلق فقط بالحسم العسكري.. بل بإعادة هندسة البيئة الاستراتيجية بالكامل.. فالحسم التدريجي يمنح الدولة زمناً كافياً لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية.. وبناء تحالفات أكثر صلابة.. وتفكيك شبكات الدعم اللوجستي والمالي التي تغذي الصراع.. كما يتيح لها إعادة تعريف خطابها السياسي على أساس “الدولة المستعيدة” لا “الدولة المتنازعة”..

هذا السيناريو – رغم كلفته الزمنية – يحمل ميزة حاسمة.. وهي أنه يقلل من احتمالات إنتاج تسوية هشة.. إذ أن أي عملية سياسية تنبني على ميزان قوة مختل لصالح الدولة تكون أكثر قابلية للاستمرار.. وأكثر قدرة على فرض التزاماتها.. كما أنه يفتح الباب أمام إعادة تأسيس حقيقي لمؤسسات الحكم.. بعيداً عن ضغوط التسويات السريعة التي غالباً ما تعيد إنتاج الأزمة في شكل جديد..

غير أن هذا المسار يظل محفوفاً بتحديات معقدة.. أبرزها الضغوط الإنسانية المتزايدة.. ومحاولات بعض القوى الدولية تصوير استمرار العمليات العسكرية كعائق أمام الاستقرار.. وهو ما يتطلب من الدولة إدارة معركتها الإعلامية والدبلوماسية بكفاءة لا تقل عن إدارتها للمعركة الميدانية..

ثالثاً: سيناريو المناورة الدولية ومحاولات الاحتواء..

في المقابل.. لا يمكن استبعاد سعي بعض الأطراف الدولية إلى الدفع نحو تسوية سريعة.. حتى وإن جاءت على حساب توازنها الداخلي.. تحت عناوين “وقف الحرب” و”الاستقرار الإنساني”.. هذا السيناريو لا ينبع فقط من اعتبارات إنسانية.. بل يرتبط أيضاً بحسابات استراتيجية تتعلق بمنع تمدد الفوضى.. وتأمين المصالح الإقليمية والدولية في منطقة شديدة الحساسية..

لكن التوسع في قراءة هذا السيناريو يكشف عن تناقضاته الداخلية.. فهو يصطدم بعاملين حاسمين.. الأول هو الرفض الشعبي السوداني المتزايد لأي تسوية تنتج واقعاً سياسياً مشوهاً.. والثاني هو تحسن قدرة الدولة على المناورة.. مستفيدة من تحولات الميدان ومن الدعم الإقليمي المتنامي الذي يرفض فرض الحلول من الخارج..

كما أن تعدد المنابر – من جدة إلى عواصم أخرى – لم يعد يعكس فقط حراكاً دبلوماسياً.. بل يعبر عن حالة من التنافس غير المعلن على من يملك “مفتاح العملية السياسية”.. وهو مفتاح لم يعد حكراً على طرف دولي بعينه.. بل أصبح نتاجاً لتقاطع معقد بين الإرادة الوطنية والغطاء الإقليمي والقبول الدولي.. وهو ما يجعل أي محاولة لفرض مسار أحادي عرضة للتعثر..

ما بين هذه السيناريوهات.. تتشكل معادلة جديدة يمكن تلخيصها في أن الدولة السودانية لم تعد في موقع الدفاع السياسي.. بل بدأت تدريجياً في الانتقال إلى موقع الفاعل القادر على إعادة تعريف شروط اللعبة.. وتعزيز الموقف (الحواري) وليس التفاوضي.. فمع مرور الزمن تراجعت فكرة التفاوض بمعناها التقليدي القائم على تقاسم السلطة مع المليشيا.. لصالح مقاربة تقوم على إعادة تأسيس العملية السياسية من نقطة مختلفة..

فكلما تراجعت قدرة المليشيا على التماسك.. وكلما تعززت قناعة الإقليم بضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية.. اتسعت مساحة الحركة أمام الخرطوم.. ليس فقط عسكرياً.. بل سياسياً ودبلوماسياً ومجتمعياً.. وهو تحول يعيد ترتيب الأولويات من “إدارة الأزمة” إلى “بناء ما بعد الأزمة”..

الأهم من ذلك أن هذه التحولات تتغذى على عامل حاسم ظل حاضراً رغم كل تعقيدات المشهد.. وهي الإرادة الشعبية الرافضة للفوضى.. والمتمسكة بفكرة الدولة.. وغير المستعدة للقبول بتسويات تعيد إنتاج الأزمة تحت مسميات جديدة.. هذه الإرادة – وإن بدت صامتة في كثير من الأحيان – إلا أنها تمثل السقف الحقيقي لأي عملية سياسية قادمة.. وحدودها التي لا يمكن تجاوزها دون مخاطر انفجار جديد..

من هنا.. فإن قراءة المرحلة المقبلة لا يجب أن تنطلق من سؤال “هل ستتم تسوية ما؟”.. بقدر ما يجب أن تنطلق من سؤال أكثر عمقاً: أي تسوية ممكنة في ظل ميزان قوى يتغير؟ وإرادة شعبية ترفض التشويه؟ ودولة تستعيد تدريجياً قدرتها على الفعل؟..

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ليس فقط شكل العملية السياسية القادمة.. بل طبيعة السودان ذاته في مرحلة ما بعد الحرب.. وطبيعة مرحلة ما قبل بداية الفترة الانتقالية الحقيقية التي تمهد لها الحكومة الآن عبر مسار بالغ التعقيد.. ومعقد التداخل مع مسارات أخرى متعلقة بالدولة نفسها.. بطبيعة تحدياتها الداخلية والخارجية.. وبقدرتها على توحيد خطابها السياسي والبنيوي.. والتحول من حالة الصراع إلى حالة التأسيس.. حيث لا يكفي الانتصار في الميدان.. ما لم يُترجم إلى مشروع دولة قادر على الاستمرار.. والاستجابة.. واحتواء تناقضات الداخل دون الارتهان لضغوط الخارج..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى