مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل الدكتورة أميرة أزهري فضل الله في حوار لـ (العودة):

مليشا الدعم السريع استخدمت “الاختطاف والاحتجاز” كسلاح حرب ضد النساء
بالمستندات: 2200 حالة اغتصاب و36 واقعة “عبودية جنسية” ارتكبتها المليشيا في الأحياء السكنية
جرائم تحت الحصار.. استهداف القاصرات والنساء أثناء اجتياح الأحياء
الاختطاف والاحتجاز.. تكتيكات العنف الممنهج ضد نساء السودان
الحالات الموثقة لا تمثل الحجم الحقيقي للانتهاكات
انتهاكات بلا حدود: من رصاص المليشيا في المدن إلى زواج القاصرات في معسكرات النزوح
—
بينما تنشغل الآلة العسكرية بصوت الرصاص، ثمة حرب أخرى صامتة تُشن ضد أجساد النساء والأطفال في السودان، أطلقت فيها قوات الدعم السريع العنان لانتهاكات وصفتها التقارير الحقوقية بـ “الجسيمة”. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد تداعيات حرب، بل عن أرقام مفزعة تشير إلى توثيق 2200 حالة عنف جنسي، و36 حالة عبودية جنسية واحتجاز قسري، وقعت جلّها تحت وطأة اجتياح المليشيا للمدن والأحياء الآمنة.
هذه الأرقام -رغم قسوتها- ليست سوى “قمة جبل الجليد”، فالفجوة بين الواقع المرير وما يتم تدوينه في السجلات الرسمية تزداد اتساعاً بفعل الترهيب الممنهج والوصمة الاجتماعية. في هذا الحوار الخاص لصحيفة (العودة)، تفتح الدكتورة أميرة أزهري فضل الله، مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، ملفات الانتهاكات المسكوت عنها، وتكشف عن معاناة النساء داخل مراكز الإيواء، وتدق ناقوس الخطر حول غياب المساءلة الدولية تجاه جرائم الاغتصاب والاختطاف التي طالت حتى القاصرات.
حوار: عماد النظيف
* نبدأ من السؤال الملح والمؤرق للرأي العام والمؤسسات الحقوقية.. ما هي الأرقام الحقيقية والموثقة لحالات الانتهاكات حتى الآن؟ وكيف يمكن تفسير الفجوة الكبيرة بين البلاغات الرسمية والواقع الميداني؟
بداية، يجب أن ندرك أنه بسبب ظروف الحرب الحالية، لم يتم حتى الآن إجراء مسح شامل لحالات العنف، حتى في المناطق التي توصف بأنها آمنة. ما نعتمد عليه حالياً هو التقارير التي تصلنا من وحدات مكافحة العنف ضد المرأة والطفل في الولايات، بالإضافة إلى تقارير المنظمات الوطنية والدولية.
أما بخصوص الأرقام، فقد بلغت الحالات الموثقة للعنف الجنسي حوالي 2200 حالة، ولكننا نؤكد بوضوح أن هذا الرقم يمثل نسبة ضئيلة جداً مقارنة بالحجم الحقيقي والفعلي للانتهاكات.
* أين حدثت معظم هذه الانتهاكات؟ وما هي طبيعتها؟
معظم هذه الجرائم وقعت أثناء دخول قوات الدعم السريع إلى المدن والأحياء، وشملت اغتصاباً واختطافاً واحتجازاً لنساء وفتيات، ومن المؤسف أن بعضهن قاصرات. كما تم توثيق 36 حالة مرتبطة بالعبودية الجنسية والاحتجاز القسري.
* وما الذي يمنع الضحايا من التبليغ لتضييق هذه الفجوة الإحصائية؟
الفجوة تعود لعدة أسباب معقدة؛ أبرزها الخوف من الوصمة الاجتماعية والخشية من الانتقام، بالإضافة إلى ضعف آليات التبليغ الآمن، ومحدودية المؤسسات التي تستطيع توفير بيئة سرية ومحمية للضحايا، مما يجعل الصمت خياراً قسرياً للكثيرات.
* في ظل هذا الوضع المتأزم، كيف تقيمون حجم الحاجة للمساعدات الإنسانية؟ وهل الاستجابة تتناسب مع هذا الحجم؟
الحاجة كبيرة جداً وتفوق الوصف، لكن للأسف الاستجابة الدولية والإقليمية ما زالت محدودة ودون المستوى المطلوب. النساء والأطفال هم الطرف الأكثر تضرراً؛ فقد حُرموا من أبسط حقوقهم في التعليم والرعاية الصحية، وتعرضوا لممارسات قاسية مثل زواج القاصرات، والزواج القسري، وختان الإناث.
* وماذا عن الوضع داخل مراكز الإيواء؟ هل رصدتم انتهاكات في تلك المساحات التي يُفترض أنها آمنة؟
نعم، ظهرت أشكال مقلقة من العنف داخل مراكز الإيواء نتيجة ضغط الموارد المحدودة واختلاف الثقافات وضعف الوعي العام. وهناك نقص حاد وخطير في خدمات الصحة الإنجابية، والدعم القانوني، والمساندة النفسية للنازحات.

* بالحديث عن العمل الميداني.. ما هي أبرز التحديات التي تعيق حركتكم وتمنعكم من أداء دوركم بالكامل؟
التحديات جسيمة؛ نذكر منها ضعف أو غياب أنظمة الحماية والصحة في كثير من المناطق، وصعوبة وصول المساعدات بسبب الاعتداءات المتكررة على القوافل الإنسانية. يضاف إلى ذلك ضعف التنسيق بين المؤسسات، وغياب المساءلة، وعدم معاقبة الجناة، ناهيك عن نقص التمويل والدعم الحكومي اللازم لتسيير هذه المهام المعقدة.
* الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب والاغتصاب تترك ندوباً لا تندمل بسهولة.. كيف تتعاملون مع ملف الدعم النفسي للضحايا؟
الآثار النفسية عميقة جداً، خاصة لدى النساء والأطفال الذين شهدوا جرائم قتل أو تعرضوا للاغتصاب. ومع ذلك، تظل خدمات الدعم النفسي محدودة للغاية، وهناك نقص واضح في المساحات الآمنة والمساحات الصديقة للأطفال. كما أن تدمير المؤسسات الصحية واستهداف الكوادر الطبية ونقص الأدوية أدى إلى تدهور الوضع الصحي العام وانتشار سوء التغذية بشكل مخيف بين النساء والأطفال.
*ختاماً دكتورة أميرة.. كيف يمكن توصيف التغير الذي طرأ على خارطة العنف ضد النساء والأطفال “ما قبل” و”ما بعد” الحرب؟
العنف كان موجوداً كظاهرة قبل الحرب، لكنه بعد اندلاع النزاع اتخذ منحى تصاعدياً وانفجر بشكل مرعب نتيجة النزوح الواسع، وانهيار الخدمات الأساسية، والانتهاكات المباشرة في مناطق الصراع. الفئات الأكثر هشاشة، وهم النساء والأطفال.



