ضريبة الكاش.. هل يلتهم “السوق الرمادي” مدخرات السودانيين؟

مواطن: “دفعنا 15% ضريبة لتأمين لقمة العيش بميناء بورتسودان”

​تاجر كاش: “عمولاتنا تراضٍ يحكمه شح السيولة وزيادة الطلب”

تاجر جملة: “تذبذب التطبيقات ضرب القوة الشرائية وأدخلنا في جمود”

مشرف تكايا: العمولات تلتهم وجبات الفقراء ونستعين بالسلفيات للصمود”

الرشيد معتصم: “السوق الرمادي قنبلة موقوتة تهدد مستقبل الاستقرار الوطني

​إعداد: أمين محمد الأمين

يواجه المواطن السوداني اليوم حرباً من نوع آخر، بطلها “التطبيق” وضحيتها “اللقمة”. فبينما تتعطل المصارف وتتذبذب الشبكات، نشأت إمبراطورية موازية لـ “تجار الكاش” تفرض إتاواتها على كل عملية تحويل رقمي. “العودة” غاصت في عمق الأزمة، لتكشف كيف تحول “التطبيقات المصرفية” من وسيلة إنقاذ إلى ساحة للمضاربة، وكيف تقتطع العمولات من “صحن الفقير” ومن مدخرات المغتربين، وسط تساؤلات حارقة: من يحمي السيادة الرقمية للبلاد؟

​عمولات مرتفعة

​خص المواطن إبراهيم محمد، القادم من المملكة العربية السعودية، معاناة العائدين والمسافرين مع أزمة “السيولة النقدية” في الموانئ والمنافذ، واصفاً تجربة استبدال العملة الرقمية بـ “الكاش” بأنها تحولت إلى وسيلة للاستغلال المباشر. وروى إبراهيم في إفادة خاصة، كيف اصطدم بواقع “العمولات المرتفعة” فور وصوله إلى ميناء بورتسودان في طريقه إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض.

 

​صدمة الميناء

​يقول إبراهيم إنه وصل إلى الميناء وهو لا يحمل “جنيهاً واحداً” من السيولة النقدية، معتمداً بشكل كامل على مدخراته في أحد التطبيقات المصرفية لتأمين احتياجاته الضرورية من طعام وشراب ومصاريف للسفر. وأضاف: “لم أكن أتوقع أن الحصول على مالي الخاص بصيغة ورقية سيكون له ثمن؛ حيث تفاجأت عند طلبي للكاش من الوسطاء بأن عمولة الاستبدال وصلت إلى 15%”.

 

​الخضوع للاضطرار

​وأكد إبراهيم أنه اضطر مرغماً للقبول بهذه النسبة المجحفة لتسيير أموره العاجلة، مبدياً أسفه العميق لما وصفه بـ “تغول تجارة العملة” على مدخرات المواطنين بأساليب تخالف الوازع الديني والأخلاقي. ووصف هذا النوع من التعامل بأنه “استغلال صريح” لحاجة الإنسان في ظروف استثنائية.

​تدخل حاسم

​وطالب إبراهيم السلطات الأمنية والرقابية بضرورة التدخل الحاسم لحماية المواطنين من هذه الممارسات، محذراً من أن هؤلاء الوسطاء سينشطون بشكل أكبر خلال الأيام المقبلة، خاصة في الولايات التي تشهد المرحلة الثانية من استبدال العملة.

​وإذا كانت صرخة المواطن تكشف حجم المعاناة، فإن الطرف الآخر في المعادلة (الوسطاء) يرى في هذا الاستغلال “خدمة” يفرضها واقع السوق المأزوم.

 

​عصب المعاملات

​أقرّ أحد المتعاملين في سوق “السيولة الرقمية” (فضل حجب اسمه) بأن عملية استبدال العملة من الرقمي لـ “الكاش” باتت تمثل عصب المعاملات اليومية، مرجعاً ذلك إلى تزايد الطلب مقابل شح الكتلة النقدية لدى المصارف الرسمية. وأوضح أن عدة عوامل تقنية واقتصادية دفعت المواطنين للبحث عن السيولة خارج المواعين المصرفية التقليدية.

​اقتصاديات الضرورة

​وعزا المصدر تنامي هذه الظاهرة إلى جملة من المعوقات، أبرزها تذبذب الشبكات، والوضع الاقتصادي لقطاع واسع لا يملكون أجهزة ذكية، فضلاً عن ضعف الدراية التقنية. وأشار إلى أن شح “الكاش” جعل التوجه نحو “الوسطاء” خياراً اضطرارياً لتسيير شؤون الحياة.

 

​بورصة التراضي

​وحول تحديد “العمولة”، كشف المصدر أن هذه العمليات أصبحت تشكل جزءاً من “اقتصاديات الشباب”، مؤكداً أن النسبة تُحدد بالتراضي وغالباً ما تستقر عند 5%. وبشأن الضمانات، أوضح أن المخاطر تضاءلت بعد تفعيل خاصية العمل “دون إنترنت” في بعض التطبيقات، معتبراً أن “إشعار التحويل” هو الضامن الأساسي للطرفين.

 

​تدفقات وحاجات

​وفيما يخص حجم التداول، قدر المصدر متوسط المبالغ التي تمر عبر “نقطة تحصيل واحدة” ما بين 300 إلى 400 ألف جنيه يومياً، مؤكداً أن الطلب يتركز في أسواق المحاصيل، والماشية، والخضروات، بالإضافة إلى حالات السفر الإنسانية.

 

​استغلال ومضاربات

​واختتم المصدر إفادته بتوجيه انتقادات لبعض “كبار التجار” تزامناً مع حملة استبدال العملة، كاشفاً عن استغلال يتمثل في وضع “سعرين” للسلعة الواحدة، مما أحدث تضارباً في الأسواق، ومناشداً السلطات بتشديد الرقابة خاصة في الولايات التي تتسارع فيها عمليات استبدال الفئات القديمة.

​هذا التضارب في الأسعار وغياب النقد، لم يتوقف أثره عند الأفراد فحسب، بل امتد ليضرب عصب التجارة الكلية ويصيب الأسواق بحالة من الشلل.

​شلل السوق

​كشف داؤود سليمان إسحق، أحد تجار الجملة، عن التأثيرات المباشرة لتذبذب الخدمات الرقمية على حركة البيع، مؤكداً أن ضعف أداء “تطبيق بنك الخرطوم” ساهم في تراجع القوة الشرائية وتراكم السلع، مما يضع السوق في حالة “شلل” عند تعطل هذه الأنظمة.

 

​مضاربات واضطرار

​وحول فوارق السعر، نفى إسحق وجود سعرين بشكل عام، لكنه أقر بممارسات استغلالية تفرض زيادات من (3% إلى 10%) عند استخدام التطبيقات، واصفاً إياها باستغلال لحاجة المستهلك “المضطر” الذي يتحمل أعباءً إضافية نتيجة تعقيدات التحويل الرقمي.

 

​أزمة الثقة

​وفيما يتعلق بالموردين، وصف إسحق الفكرة بـ “الممتازة” لتوفير الوقت، لكنه كشف عن “أزمة ثقة” قائمة؛ حيث يخشى البعض الوقوع في فخ “التطبيقات الوهمية” أو النصب، مما يدفعهم للتمسك بالتعامل النقدي، مطالباً “الحكومة الرقمية” بتأمين التطبيقات البنكية.

 

​الركود والبدائل

​وأكد إسحق أن تذبذب الشبكة أدى لركود في الأسواق ووفرة ظاهرية ناتجة عن “ضعف الطلب” بسبب عدم توفر السيولة، مختتماً بتفضيله للحلول الرقمية شرط توفر معايير الأمان العالية لحماية العميل والتاجر على حد سواء.

​وبعيداً عن حسابات الربح والخسارة في التجارة، كانت “التكايا” والعمل الطوعي هي الضحية الأكثر إيلاماً لهذه الأزمة المالية.

​رحلة معقدة

​كشف جمال الدين مختار، مشرف “تكايا” حي الإنقاذ، عن تحديات قاسية تواجه العمل الطوعي؛ حيث يضطر المتطوعون لخوض رحلة معقدة من “التدابير المالية” لضمان استمرار تقديم الوجبات في (12) مطبخاً تخدم مئات الأسر.

 

​نظام السلفة

​وروى مختار تفاصيل المعاناة أثناء انقطاع الإنترنت، حيث يضطرون للحصول على مبالغ نقدية بنظام “السلفة” من تجار محليين (أبرزهم التاجر “كوري”) لجلب مواد المطبخ، ثم يقومون لاحقاً بسدادها رقمياً بعد قطع مسافات للوصول لنقاط “ستارلينك”.

 

​ضريبة الإطعام

​وأوضح مختار أن نسبة الخصم قفزت من 5% إلى 10% في مناطق مثل “السلمة”، وهو ما يشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانية الخير، مؤكداً بأسى أن حتى نسبة الـ 1% كانت “التكية” أولى بها لسد الفجوة الغذائية وتوفير وجبات إضافية للمحتاجين.

​أمام هذا الواقع الميداني المتشابك، يبقى السؤال الاقتصادي الأكبر: ما هي التبعات الاستراتيجية لهذا الانفلات المالي على أمن القومي؟

​أسواق رمادية

​حذر الباحث بمركز الخرطوم للحوار، الرشيد معتصم مدني، من المخاطر الوجودية لتمدد “السوق الرمادي”، مؤكداً أن تحرك الأموال خارج نطاق الجهاز المصرفي يهدد الأمن القومي ويفتح الباب أمام نفوذ “المافيا” السيادي والسياسي.

 

​بناء وإعمار

​واعتبر مدني أن “البنية التحتية الرقمية” هي التحدي الأكبر، محملًا الهيئة القومية للاتصالات المسؤولية عن دفع الشركات لتطوير شبكاتها أو فتح الباب لمشغلين جدد، مشدداً على ضرورة إعادة بناء ما دمرته الحرب لضمان انسياب الحركة الاقتصادية.

 

​هزيمة أولى

​وانتقد الخبير الاقتصادي إصرار بعض المؤسسات الحكومية على تحصيل الرسوم بـ “الكاش” رغم الدعوات للرقمنة، واصفاً ذلك بـ “الهزيمة الأولى” للتحول الرقمي، وداعياً لتفعيل أنظمة (USS) ومنظومات تأمين سيبراني تحمي بيانات الدولة والمواطن.

 

​تطوير الخدمات

​ودعا مدني البنوك لتغيير عقليتها، مؤكداً أن العميل هو “الممول” وليس شخصاً تحت رحمة المصرف، مطالباً بتطوير الخدمات الرقمية وتجاوز هشاشة الفروع الفيزيائية التي كشفتها الحرب والتحول نحو البنوك الرقمية المؤمنة.

 

​تحسين خدمات

​ووجه مدني انتقادات للولاة في الولايات الآمنة لإهمالهم تحسين الخدمات في المناطق الإنتاجية والزراعية، مؤكداً أن الرؤية الاقتصادية يجب أن تأخذ مساحتها في مراكز القرار لدعم الولايات المتأثرة بالحرب.

 

​خبراء وطنيين

​ودعا لبناء “مشروع وطني رقمي” بكوادر سودانية شابة وخبراء وطنيين، بعيداً عن الشركات الأجنبية لحماية “الداتا” من التجسس، مؤكداً أن حماية الفضاء الإلكتروني هي حماية للسيادة الوطنية.

 

​تهريب وتهديد

​واختتم مدني بالتحذير من أن كبر حجم “النشاط الرمادي” وتجارة السلاح والتهريب يهدد بوصول نفوذ مالي غير مشروع لمفاصل الدولة، مطالباً الدولة بدعم الأنشطة المشروعة وتسهيل المعاملات للقضاء على هذا الخطر.

 

​خلاصة القول

​تظل أزمة “السيولة الرقمية” في السودان انعكاساً حاداً للفجوة بين طموحات التحول التقني وواقع البنية التحتية والرقابية المنهار. إن استمرار “تجار الكاش” في إدارة الاقتصاد الموازي بعيداً عن أعين الدولة، لا يقتطع فقط من مدخرات المواطنين، بل يقتطع من هيبة المؤسسات المصرفية وسيادة القانون. إن الحل لا يكمن فقط في “توفير النقد”، بل في بناء منظومة رقمية وطنية متكاملة تحمي “صحن الفقير” من مقصلة العمولات، وتعيد الثقة في الجنيه السوداني قبل أن تبتلعه “الأسواق الرمادية” بالكامل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى