بين “فوبيا الجنينة” وسلطة “المركز”.. منظومة تدوير النفايات في سنار نموذجاً للعبث الإداري

التكنولوجيا ألانجليزية في ضيافة البيروقراطية السنارية.. حكاية “ماكينة التدوير” المحرمة!
تقرير: مصطفى احمد عبدالله
إذا أردت أن تفهم كيف تُدار الأزمات في بلادنا، وكيف تتحول الحلول الجاهزة إلى طلاسم مستعصية على الفهم، فلا داعي لقراءة كتب التخطيط الاستراتيجي.
يكفيك فقط أن تأخذ حافلة متجهة صوب مدينة سنار العريقة، وتحديداً نحو “مركز بروفيسور القدال لأبحاث وتدريب الملاريا”، لتشهد بنفسك واحدة من أغرب قصص العبث الإداري والبيروقراطي في العصر الحديث.
هناك، داخل أروقة المركز، تقبع منظومة حديثة ومتكاملة لتدوير ومعالجة النفايات الطبية محرقة نفايات صناعية أو طبية، وتحديداً من العلامة التجارية Burn-Rite.
وليست أي منظومة، بل هي “ماكينة بريطانية الصنع”؛ بكل ما تعنيه الكلمة من دقة هندسية، وجاهزية فائقة، ومتانة تكنولوجية صُممت لتعمل في أقسى الظروف وحداتها مصممة ومصنعة وفقاً لشهادات الجودة والسلامة الأوروبية والبريطانية الصارمة (مثل شهادة CE واعتمادات وكالة DEFRA البريطانية) لضمان حرق بيئي آمن وخالٍ من الأدخنة والروائح.
. تحفة هندسية واهبة للنظافة، مكتملة الأركان وجاهزة للعمل “كرت كرتونة”، لكنها تقضي إجازة مفتوحة وتغط في سبات عميق منذ عدة سنوات دون أن يلمسها أحد.
الماكينة ألانجليزية تقف هناك شامخة، ومهمتها النبيلة الوحيدة حتى الآن هي “إضافة لمسة ديكورية أوروبية فارهة” للمكان، وتوفير ملاذ آمن ومظلل للقوارض والحشرات!
المفارقة الساخرة التي تدمي القلوب، هي أن “مستشفى سنار التعليمي” — الذي يقع على بعد مسافة قصيرة — يئن تحت وطأة النفايات الطبية الخطرة وسوء الإصحاح البيئي، ويطلق الاستغاثات المتتالية للتخلص من مسببات التلوث، بينما جاره “المارد الانجليزي ” نائم في العسل البيروقراطي.
حكومة الولاية الموقرة، وقفت أمام هذه المعضلة موقف المتأمل الصوفي؛ فلا هي استطاعت تشغيل هذه الماكينة الفاخرة في مكانها، ولا هي تجرأت على نقلها إلى المستشفى لإنقاذ الكادر الطبي والمرضى والمواطنين.
وعندما فتشنا عن الأسباب، وجدنا من المبررات ما يبكي ضحكاً!الأقاويل المتواترة بررت الشلل الحكومي بأن بعض مواطني “حي الجنينة” المجاور للمركز رفضوا تشغيل المنظومة بحجة “عدم الأمان الصحي”، في معادلة فريدة قرر فيها البعض أن الهندسة البريطانية التي تثق فيها كبرى مستشفيات أوروبا تشكل خطراً عليهم، بينما تكدس النفايات وتصاعد أدخنة الحرق التقليدي العشوائي في الفضاء هما قمة النقاهة البيئية!
وبدلاً من أن تقوم وزارة الصحة بالولاية بواجبها التوعوي وتبدد هذه الهواجس عبر ورشة عمل تشرح لهم كيف تعمل جودة ” الخواجة في حماية البيئة، آثرت الحكومة السلامة ورفعت شعار: “لا توقظوا الماكينة النائمة”.
ولأن العبث لا يأتي فرادى، انقشعت الغمامة كلياً عن لغز الرفض ونقاط العجز، حين تبيّن أن هذه الماكينة تتبع إدارياً وسيادياً لـ “وزارة الصحة الاتحادية “!
وهنا نصل إلى ذروة الكوميديا السوداء؛ فالجهاز القابع في أرض سنار يتمتع بحصانة دبلوماسية “اتحادية” تمنع والي الولاية أو مدير صحتها من تحريك برغي إنجليزي واحد فيه دون إذن مكتوب ومختوم بختم صقر الجديان من العاصمة.
يبدو أن هناك تصنيفاً طبياً جديداً ابتكره عباقرة الإدارة المكتبية؛ فالنفايات التي ينتجها مركز الملاريا هي “نفايات إستراتيجية سيادية” تستحق تكنولوجيا بريطانية ، أما نفايات مستشفى سنار الغلبان ومواطنيها فهي “نفايات محلية” لا تستحق هذا الشرف التكنولوجي!
بين “فوبيا” حي الجنينة، وبؤس وعجز حكومة الولاية، وجدار التبعية الإدارية لـ “الخرطوم”، تموت المصلحة العامة وتنتصر البيروقراطية المقيتة.
ستبقى ماكينة التدوير الانجليزية بمركز القدال شاهداً حياً على أننا لا نملك مشكلة في انعدام الإمكانيات والأجهزة الفاخرة، بل نملك فائضاً مرعباً وسرطانياً في سوء الإدارة وعقم العقليات التي تدير المشهد الصحي.
النفايات الحقيقية يا سادة، ليست تلك التي نجمعها في الحاويات، بل هي تلك الأوراق والقرارات المكدسة في أدراج المسؤولين، والتي تخنق إنسان هذه الولاية وتصادر حقه في بيئة صحية نظيفة.
حركوا هذه الماكينة، أو انقلوها للمستشفى، أو اعترفوا بفشلكم أمام كفاءة الهندسة البريطانية واتركوا أمر إصحاح البيئة لمن يملك الإرادة!




