وزيرة الدولة بوزارة تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية سليمى إسحاق لـ(العودة):

وثّقنا 2,250 جريمة اغتصاب منذ اندلاع الحرب
رصدنا 400 طفلا نتيجة الاغتصاب.. والأرقام الحقيقية أكبر
الاستعباد الجنسي والاتجار بالنساء وقعا خلال الحرب.. وهناك فتيات أُعيدن من تشاد
70 طفلاً قاتلوا مع الدعم السريع خضعوا للتأهيل وإعادة الدمج
العنف الجنسي في دارفور ارتبط بالتطهير العرقي..
ولاية الجزيرة شهدت حالات اغتصاب أسوأ من الفاشر.. والخرطوم تتصدر
رصدنا ناجية عمرها 85 عاما وقاصرات.. وسجلنا حالتي وفاة بسبب النزيف
300 طفل دون الـ18 عاماً في سوبا يستعدون لبرامج إعادة التأهيل
حاورتها بالقاهرة: أفراح تاج الختم

كشفت وزيرة الدولة بوزارة تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، الاستاذة سليمى إسحاق، في حوار مع “العودة”، عن حجم واسع من الانتهاكات التي طالت النساء والأطفال خلال الحرب في السودان، متحدثةً عن توثيق نحو 2,250 جريمة اغتصاب، إلى جانب حالات اختطاف واستعباد واتجار بالنساء، وكما أن هنالك أطفالا وُلدوا نتيجة الاغتصاب وآخرين جرى تجنيدهم للقتال.
وتؤكد إسحاق أن الأرقام الموثقة لا تمثل سوى جزء من الواقع، كاشفةً عن تحديات تواجه تسجيل الضحايا وحماية الناجيات وإعادة دمج الأطفال المتضررين من الحرب، فضلاً عن الإجراءات التي اتخذتها الدولة لتيسير الخدمات والحماية.
========
قلتم إن العنف الجنسي في السودان يُستخدم كسلاح حرب، ما الأدلة التي تستندون إليها لوصفه بأنه ممنهج ومخطط له؟
أول خمس حالات اغتصاب عُرف بها عند اندلاع الحرب حدثت في الخرطوم بحري وجزء منها بالخرطوم، وكانت هذه المناطق تخضع لسيطرة متمردي الدعم السريع ويحتلونها بالكامل، وأسميناها “عنفاً جنسياً متصلاً بالصراع” لأنها حدثت تحت استخدام السلاح وتهديده؛ فظروف الصراع أدت لوقوعها.
وهل تم توثيق هذه الحالات؟ وكم تبلغ؟
الجرائم الموثقة لدينا حول 2,250 جريمة اغتصاب منذ اندلاع الحرب، وهذه ليست سوى “قمة الجليد”، إذ توجد جرائم أخرى غير موثقة في مناطق متعددة بالخرطوم والجزيرة ودارفور، وأي منطقة دخلها متمردو الدعم السريع، حيث يتحملون المسؤولية الكاملة عن 98% منها، بينما يتحمل المتبقي بعض المدنيين الذين استغلوا انتشار السلاح.
الدعم السريع يطلق فرية مفادها أن أفراداً ارتدوا زيه العسكري وارتكبوا هذه الجرائم، لكن الجرائم مدروسة ومُرتكبة بمنهجية.
وما أشكال المنهجية المتبعة في هذه الجرائم؟ العنف الجنسي المتصل بالسلاح عرفه مجلس الأمن كجريمة حرب وله أشكال مختلفة؛ فاختزال الأمر في كلمة “اغتصاب” فقط يُعفي التمرد من جرائم أخرى، إذ تشمل الجرائم أيضاً الزواج القسري، الحمل القسري، الاختطاف، الاتجار بالبشر، والاستعباد المتصل دائماً بالاختطاف.
هل رصدتم حالات الولادة الناتجة عن هذه الجرائم؟
حدثت حالات ولادة كثيرة، لكن المرصود أقل بكثير من الحالات الحقيقية.
شخصياً أعرف أرقاماً وحالات غير موثقة في السجلات الرسمية تعاملت معي بشكل مباشر. يُذكر أن وحدة العنف ضد المرأة والطفل -التي تم تكوينها سابقاً وكنت أترأسها- مُنحت تفويضاً وسلطات عالية كجهة فنية تُعنى بوضع القوانين والسياسات وتنسيق الخدمات.
وهل كنتم تنسقون الخدمات في هذا الجانب أثناء الحرب؟
نعم بكل تأكيد، فالتنسيق لا يعني تقديم الخدمة مباشرة، بل عبر المنظمات وشبكات المجتمع المدني والدولي. انحصر دورنا في تحسين الخدمات عبر تدريب مقدميها ووضع السياسات، ومنها الإجهاض القانوني. فالقانون الجنائي السوداني يحدد حالتين للإجهاض القانوني: موت الجنين أو ثبوت أن الحمل نتج عن اغتصاب.
ولأن إثبات الاغتصاب قضائياً كان يستغرق وقتاً طويلاً ربما يستمر حتى يولد الطفل، تحدثت مع المجتمع المدني وأكدت لهم أن تيسير الإجراءات أولوية.
وما التطورات التي حدثت بشأن تيسير الإجراءات؟
صدر قرار من النائب العام عقب لقاء جمعه بحملة (معاً ضد الاغتصاب والعنف الجنسي) يخول النيابة اتخاذ الإجراءات فور حدوث الاغتصاب وفتح البلاغ بموقع النيابة في منطقة الجريمة. الوحدة كانت قادرة على هذا العمل ولديها مشروع قانون ضمن مطلوبات السودان في التقرير الدوري الشامل لحقوق الإنسان وافقت عليه الحكومة لتيسير إجراءات قرار الإجهاض المتسق مع القانون وإرساء معايير لتنفيذه.
كيف تم التعامل مع هذا الإطار في غياب البرلمان؟
في ظل الفترة الانتقالية وعدم وجود برلمان، كان من غير المناسب سن قوانين جديدة
توجد نصوص في القانون الجنائي يمكن استخدامها لكنها تفتقر للإجراءات والتدابير التفسيرية التي تضمن حماية النساء وتلزم الدولة بذلك.
وهل راعيتم كدولة هذه المسائل في ظل الظروف الراهنة؟
كنا نعمل في الوحدة بجد حتى دون إجازة القانون. وقبل أن تتحدث المنظمات عن استغلال النساء في المناطق الآمنة، كنا نتناول ذلك أثناء الحرب، إذ يمكن أن تتعرض النساء للابتزاز من بعض المتطوعين تحت غطاء تقديم المساعدات.
كيف تم معالجة هذا الخطر؟
دربنا المتطوعين ولأول مرة دربنا منسوبي الحكومة على حظر الاستغلال الجنسي والتحرش أثناء تقديم المساعدات الإنسانية، وأشركنا المنظمات الحقوقية النسوية. لدينا خطة شاملة لحماية المدنيين والنساء تتضمن الإصلاح الأمني بتدريب القوات الأمنية والعدلية وتطوير القوانين، بجانب جزئية خاصة بالأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب.
كم تبلغ أعداد الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب ؟
الأعداد المرصودة بسيطة، حيث تتحدث بعض الولايات عن 60 طفلاً وأخرى عن 80، إجمالي المرصود نحو 400 طفل. لكن كمسؤولة، لدي 20 حالة غير مقيدة بالسجلات الرسمية بسب تخوف الناجيات من الوصمة المجتمعية، حتى في القاهرة توجد ناجيات لم يذهبن للسفارة خوفاً من ذلك ولطلب إحضار ولي الأمر لإثبات الأوراق الرسمية، وأعرف حالات لم يعلم أولياء أمورهن بما حدث لهن حتى الآن.
أعلن وزير الرعاية بغرب كردفان عن وجود أطفال فاقدي الرعاية الوالدية بدولتي جنوب السودان ويوغندا، هل تم رصدهم؟
لا أنكر حديث الوزير، فنحن نعرف حالات في القاهرة وأخرى عادت للسودان لعدم القدرة على التصرف وسلمت الأطفال لدور الرعاية الاجتماعية لرفض الأسرة لهم. هناك أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين بينهم حوامل وأخريات وضعن وأجزم أنهن لم يسجلن أطفالهن لاستخراج أوراق ثبوتية. هذه الجرائم تركت آثاراً نفسية عميقة، وبعض النساء لم يعدن للسودان لأن منازلهن كانت مسرحاً للجرائم، وفي دارفور اقترن العنف الجنسي بعمليات التطهير العرقي.
ماذا تقصدون بالتطهير العرقي المقترن بجريمة الاغتصاب؟
وفق روايات النساء، كان عناصر المليشيا في الخرطوم والجزيرة يهاجمون المنازل ويوجهون لهن عبارات من قبيل “أنتم الفلول والكيزان الذين نهبتم منازلنا” أو “أنتن بنات الخرطوم”، بينما كان عناصر التمرد في دارفور يصرخون في النساء: “نريد أن نكرمكم لأننا عرب وأنتن أفارقة”، وهذا دليل عملي على البعد العرقي.
ما الذي تكشفه حالات اختطاف النساء والاتجار بهن؟
حدث سبي للنساء في الخرطوم والجزيرة وتم بيعهن كرقيق في تشاد وإفريقيا الوسطى، وهي معلومات أثبتتها المنظمات الحقوقية والأمم المتحدة. في دارفور بسجن دقريس وبيوت في نيالا توجد فتيات مخطوفات ومستعبدات. هناك من تواصل معي وأكد إرجاع ابنتهم التي سُبيت وبِيعت في تشاد بعد التواصل مع جهات أمنية هناك.
برأيكم، هل يمكن معالجة هذا الملف في حال تطبيع العلاقات السياسية؟
تحدثت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وطلبت منهم التدخل للتعامل مع المسبيات والمخطوفات معاملة الأسري. الاستعباد الجنسي حدث في الخرطوم أيضاً، وعندما كان الجيش يحرر منطقة يخرج الفتيات المأسورات. وقد ساعدتنا منظمات مثل “صيحة” بالدعم اللوجستي والتأهيل النفسي لإعادة إدماجهن. كما ضاعفت الحرب حالات تشوه الأعضاء التناسلية وزواج القاصرات بحجة “حماية العذرية”.
المليشيا لم تفرق بين سن وآخرى، فلدينا ناجية بعمر 85 عاماً وأخرى قاصرة، وسجلنا حالتي وفاة لفتيات بسبب النزيف الشديد في الخرطوم. وما حدث في الجزيرة من اغتصاب كان أسوأ مما حدث في الفاشر، وتأتي الخرطوم في المرتبة الأولى من حيث عدد الحالات، تليها الجزيرة، ثم دارفور.
هل توجد إحصائيات تؤكد استهداف كافة الفئات العمرية؟
اليونيسف وثقت حالة اغتصاب لخمس طفلات بعمر سنة واحدة، وأخرى بعمر ست سنوات. فكرة وسياسة الجنجويد تقوم على إخضاع المجتمع لأنهم يعلمون أنهم غير مقبولين، وما يحدث في دارفور خير دليل، حيث يواجه الآلاف الخطر الداعم.
بالعودة لملف الأطفال وتأثير الحرب عليهم، ماذا عن التجنيد القسري؟ هناك أطفال أُجبروا على القتال في صفوف المليشيا.
ما منهج الوزارة لمعالجة هؤلاء الأطفال نفسياً وإعادة دمجهم؟
المنهج الأساسي هو التعليم والتدريب المهني، وقد استفادت بعض الولايات من ذلك؛ فولاية نهر النيل مثلاً وفرت تدريباً مهنياً لاستيعاب العمالة بعد انتقال المعامل والمصانع إليها، واستفاد منها من يحتاجون لكسب عيشهم، وهو أمر محوري خاصة للأطفال الذين أرغمتهم المليشيا على القتال.
هل تم رصد وإعادة تأهيل أطفال مجندين بالفعل؟
هناك 70 طفلاً -من بينهم 5 بنات اثنتان منهن كن حوامل- كانوا مقاتلين في صفوف مليشيا الدعم السريع، استلمتهم الحكومة من الصليب الأحمر بنهر النيل، وتم تأهيلهم نفسياً وإجتماعياً وتمليكهم مهارات مهنية لإعادة دمجهم قبل تسليمهم لذويهم
حالياً يوجد 300 طفل دون سن الـ18 في سوبا كانوا متعاونين مع المليشيا، وسيتم تجميعهم في بيت آمن وتتولى اليونيسف تدريبهم وإعادة تأهيلهم. وهناك تجارب سابقة لمركز “سوباجو” في التأهيل الموسيقي والمهني بورتسودان وسوبا مع أطفال مجندين نجحوا في تصميم “سينما الموبايل”.، هناك منظمات تعمل معنا في مجالات التأهيل النفسي والاجتماعي للنساء والأطفال.




