​أ. د. حسن مكي في حوار النزوح: “للعودة” (2-3):

​وجدت العصيدة والكسرة في برمنغهام واشتريت من طرقاتها “النبق” و”اللالوب”

​الحياة في مصر سهلة جداً لمن كان في جيبه شيء من المال

​مع ضغوط الأبناء دقت ساعة العودة إلى السودان فكان القرار…!! 

​هبطت طائرتي في ارض الخرطوم فجراً فعشت فرحة واشتياقاً لا يُصدقان

​صدمتي كانت كبيرة جداً بمطار الخرطوم حين شاهدت هذا الامر…!! 

​انتظرت حقيبتي طويلاً وخرجت “دايخاً” من صالة الحج والعمرة

​دمار الخرطوم كان ممنهجاً لكنه أقل بكثير مما حدث في غزة

​الإعلام الخارجي يكذب والخرطوم اليوم تنبض بالحياة والأمان

​يجب حفظ ذاكرة السودان وتاريخنا في دار الوثائق والمتاحف

​البنوك تعذبنا وتستغرق أسابيع لتنشيط حساب واحد فقط

​حاوره: رمضان محجوب

 

نواصل في هذه الحلقة الثانية الإبحار مع المفكر والخبير الاستراتيجي البروفيسور حسن مكي، لنغوص أكثر في تفاصيل الواقع السوداني بعد رحلة العودة من المنافي واللجوء والنزوح. نطوي صفحة المطار وصدماتها الأولى، لنتوقف أمام قراءة تحليلية مباشرة لمآلات المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في عاصمة أنهكتها الحرب لكنها تأبى السقوط. يضعنا الضيف أمام مرآة الحقيقة مجرداً الأحداث من أي شعارات، مستشرفاً بذهنه مسارات التعافي وبناء المستقبل، وكاتبًا بمداد التجربة والوعي فصولاً جديدة من شهادة حية على تاريخ أمة تخطو بثبات نحو استعادة روحها ومكانتها. إلى تفاصيل الحلقة الثانية من حوار النزوح.

​▪️ نواصل.. كيف كانت ذكريات اللقاء بالسودانيين في مدينة برمنغهام البريطانية؟

 

= في لندن، كنت مع الأخ بكري عثمان سعيد نتذاكر أيامنا؛ إذ أمضينا معاً حوالي عامين في السجن ما بين دَبَك وكوبر، وبعد ذلك انتقلنا إلى بلفاست، ثم إلى لندن مرةً أخرى، إلى أن استقريت في النهاية في برمنغهام. برمنغهام بالنسبة لي كانت مناسبة؛ لأن المساجد فيها كثيرة وقريبة، وخصوصاً المسجد اليمني؛ فبرمنغهام تضم نحو 400 مسجد، إضافة إلى وجود عدد كبير من السودانيين يقدر بنحو 23 ألف سوداني أو أكثر، وهي مدينة توفر أجواء اجتماعية وروحية متكاملة تمنح المغترب شعوراً بالقرب من وطنه وأهله طوال فترة الإقامة هناك.

 

​▪️ هل تتوفر المنتجات السودانية التقليدية في أسواق مدينة برمنغهام؟

 

= تجد فيها كل شيء سوداني، حتى ما قد لا تجده في أم درمان أو الخرطوم تجده في برمنغهام؛ فكنت أشتري “النبق” و”اللالوب” لكي يشاهدها أحفادي من دكاكين السودانيين في برمنغهام. وهناك مسجد الإخوة ومساجد سودانية أخرى، وتتوفر كل المأكولات مثل اللقمة، العصيدة، والكسرة، بل قد يتوفر ما لا تجده حتى في الخرطوم، ويصلك “ديليفري” وبأسعار مناسبة. فالحياة هناك ميسرة وتلبي كافة احتياجات المغتربين السودانيين بشكل كامل ومريح يغنيهم عن أي مشقة في البحث عن مستلزماتهم المعتادة.

 

​▪️ ما هي أسباب اتخاذ قرار العودة النهائية من بريطانيا؟

 

= الحياة سهلة بطبيعة الحال في بريطانيا، ولكن مع ضغوط الأبناء، دقت ساعة العودة فجئنا إلى القاهرة لنستقر ونقترب أكثر من الوطن والأجواء التي نألفها ونحبها، متجاوزين مغريات البقاء في الخارج تلبيةً لنداء الروح والذكريات العميقة التي تربطنا بأرض السودان العزيزة مهما كانت الظروف والتحديات.

 

​▪️ كيف وجد البروفيسور أجواء الحياة في القاهرة والأمن فيها؟

 

= الحمد لله، القاهرة رغم إجراءات المطار وانتظار ما يقارب الساعتين، فـ”ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين”؛ فمصر بلد أمن ورخاء وسعة، وأهلها يحبون بعضهم بعضاً. والحياة فيها سهلة جداً لمن كان في جيبه شيء من المال، ليجد كل سبل الراحة والاطمئنان والترحاب الواسع الذي يعكس عمق الأواصر التاريخية والإنسانية بين الشعبين الشقيقين في كل الظروف والأوقات.

 

​▪️ كيف تقيّم مظاهر التطور والتعمير الحديث في جمهورية مصر؟

 

= فترة الرئيس عبد الفتاح السيسي شهدت توسعاً كبيراً وظهور مدن جديدة كـ”مدينتي” وغيرها، فضلاً عن الطرق والمطار الجديد؛ فالحياة هناك ميسرة جداً. وقد شهدت فيها بعض المناسبات السارة كزواج ابننا محمد عبد الكريم السيد علي ابنة أختي، وبعدها توجهنا من القاهرة إلى مطار الخرطوم في رحلة مباركة نحو الوطن الحبيب.

 

​▪️ ما هي المشاعر التي انتابتكم لحظة الوصول إلى مطار الخرطوم؟

 

= حين أردت القدوم إلى مطار الخرطوم، كنت أكاد لا أصدق بعدد السنوات التي ابتعدت فيها عن السودان ؛ فحين كنت في بريطانيا أعمل باحثاً لم أكن أنقطع عن الخرطوم أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر، وكان المال في جيبي والطائرات غادية ورايحة. ولكن خلال سنوات الحرب الثلاث.. ماذا حدث في منزلي؟ وماذا عن كتبي وذكرياتي؟ كانت مشاعر متدفقة وملتهبة؛ شوق وحب صادق ليس مجرد مجيء روتيني. وحين هبطت الطائرة بمطار الخرطوم فجراً، كنت أكاد لا أصدق هول الفرحة والاشتياق الجارف.

 

​▪️ هل لاحظتم أي صعوبات تنظيمية أو لوجستية في صالة الاستقبال؟

 

= عند وصولي المطار، جال بخاطري أن التذكرة مكتوب فيها (القاهرة – بورتسودان)؛ لأن مطار الخرطوم لم يكن معترفاً به دولياً بشكل كامل حينها، وعند صعودك للطائرة تعتقد أنك متجه إلى بورتسودان كمحطة ترانزيت، لكن الرحلة كانت مباشرة إلى الخرطوم ووصلناها فجراً. بعد توقف الطائرة، جاءت حافلات وبصات مريحة نقلتنا بسرعة إلى صالة الحج والعمرة، وهنا كانت الصدمة؛ فهذه القاعة بائسة وخالية من المرافق الأساسية كالحمامات، وكنت آمل بعد وصولي أن آخذ حقيبتي وأغادر سريعاً متوجهاً إلى بيتي لتجنب الزحام.

 

​▪️ كيف كانت تجربة استلام الأمتعة وسط تكدس الطائرات؟

 

= كنت مهموماً باستلام حقائبي؛ لكن كيف تأتي وقد هبطت طائرتان في وقت واحد على سير واحد؟ أدى ذلك إلى ازدحام كبير بين القادمين وتأخر العفش كثيراً. مثل لي هذا الموقف صدمة؛ لأنني كنت أعتقد أن توجيهات إصلاح بيئة العمل بالمطار قد أتت أكلها، ولكن لم يحدث شيء سوى هذه الصالة الضيقة التي يتواجد فيها أكثر من 400 راكب في آنٍ واحد. وبعد ساعتين، استلمت حقيبتي وخرجت وسط معاناة واضحة تستوجب التطوير العاجل.

 

​▪️ كيف كان الاستقبال فور الخروج والتوجه نحو المنزل؟

 

= وحين خرجت من صالة الحج والعمرة، كنت “دايخاً” بعض الشيء، استقبلني شاب من جامعة أفريقيا، ولم أكن أعرف حينها أين أتجه جنوباً أم شمالاً، إلى أن وصلت إلى بيتي الذي كان مهيئاً بالطاقة الشمسية والحمد لله. فكان هذا الدرس الأول في رحلة العودة والاندماج مجدداً في تفاصيل الحياة اليومية للوطن.

 

​▪️ ما هو التحدي الأكبر والأكثر أهمية مقارنة بأضرار البنية التحتية؟

 

= بالنسبة للدمار في الخرطوم، أنا شهدته وعاصرته وكنت موجوداً وسط أتونه؛ وما حدث فيها من دمار هو أقل بكثير مما حدث في غزة، ولكن العنف المصاحب جعل الأمر يبدو شديد القسوة، والدمار الذي لحق بالخرطوم كان ممنهجاً. وطبعاً عندما تذهب إلى طريق القيادة العامة ووسط الخرطوم ترى ذلك بوضوح، ولكن هذا كله يمكن إعادة بنائه وتعميره وهذه ليست المشكلة الأساسية… بل المشكلة الحقيقية تكمن في إعادة حفظ الوثائق؛ فروح الخرطوم والروح السودانية متمثلة في دار الوثائق التي تمثل ذاكرة السودان؛ فقد اجترحت أجيال من الرجال عبر التاريخ القديم والحديث جهوداً مضنية لحفظ هذا التاريخ مطبوعاً ومؤرشفاً. والآن لابد من الاحتفاظ بهذا السودان المصغر في دار الوثائق والمتاحف، كالمتحف القومي والمتاحف الأخرى الموازية لحفظ تراثنا العريق.

 

​▪️ كيف تتعامل المنصات الإعلامية مع واقع العاصمة الخرطوم؟

 

= أذكر أننا قبل سنوات أقمنا مؤتمراً ودعونا إليه صديقي “سعيد”، رئيس تحرير جريدة العالم في لندن، ولم يكن يود الحضور بسبب الصورة السالبة التي رسمها الإعلام وقتها عن السودان، لكنه استجاب لإلحاحنا وأثناء قدومه قام بشراء عدد كبير من السندوتشات، وعندما سألته عن سر ذلك أجابني بأن الإعلام العالمي صور له أن الخرطوم لا يوجد بها أكل! واليوم أيضاً، الصورة التي يروجها الإعلام عن الخرطوم لا تعكس الواقع الحقيقي لمدينة تنبض بالحياة والأمان، وتتجاوز الصور النمطية المغلوطة التي تروجها بعض الوسائل الموجهة.

 

​▪️ ما هي طبيعة الأوضاع الأمنية والمعيشية اليومية داخل الخرطوم؟

 

= الخرطوم الآن آمنة، حتى إن الذباب والبعوض والحميات بدأت في الانحسار، وبدت الحياة طبيعية. صحيح أن هناك انقطاعات في الكهرباء، لكن الناس باتوا يعتمدون بفاعلية على الطاقة الشمسية لتستمر الأنشطة اليومية رغم الصعاب. والأهالي يظهرون صموداً منقطع النظير في توفير بدائل عملية للخدمات لتسيير أمورهم بصورة مستقرة قدر الإمكان في مختلف الأحياء والأسواق.

 

​▪️ ما هي أبرز الصعوبات المصرفية والمالية التي تواجه المواطنين؟

 

= التحدي الأكبر الآن يكمن في القطاع المصرفي؛ فبنك السودان المركزي طالما طالب بفتح الفروع ومتابعة ذلك، لكننا نرى اليوم تكدساً هائلاً في البنوك؛ فالمواطن الذي يريد إجراء معاملة بسيطة يستغرق منه الأمر يومين أو ثلاثة على الأقل، وملايين الأسر تعتمد على التحويلات القادمة من الأهل في الخارج. تنشيط الحساب ينبغي ألا يستغرق أسابيع، واليوم حسابي في أحد البنوك غير منشط وإن أردت تفعيله فسيستغرق من عشرة أيام إلى ثلاثة أسبوع، ولابد أن تفتح البنوك أبوابها حتى في المناطق الحيوية لتخفيف معاناة المواطنين.

 

​▪️ كيف تؤثر القرارات الإدارية المفاجئة على الخدمات المصرفية الرقمية؟

 

= هناك قرارات إدارية غير مدروسة تصدر من بعض الموظفين تحت ذريعة وجود تحويلات مالية لأطراف نزاع، فيقومون بتجميد أو إيقاف بعض الحسابات المصرفية مشترطين إجراءات طويلة لتنشيطها. مثل هذه القرارات الفجائية تزيد من تعقيد المشهد المالي والاقتصادي وتخلق أعباء إضافية غير مبررة على كاهل المواطن الذي يعاني أساساً من قسوة الظروف الاستثنائية، مما يتطلب تدارك الأمر بحكمة لضمان استمرارية الخدمات المصرفية دون تعطيل لمصالح الناس.

 

​▪️ ما هي التداعيات المترتبة على فرض قيود محدودة على العمل المصرفي؟

 

= كيف يستقيم هذا الوضع مع وجود بنوك محدودة تعمل فعلياً؟ هذا الموقف يتطلب معالجات جذرية وحكيمة من بنك السودان المركزي لتفادي تفاقم الأزمات وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين الذين يعتمدون عليها كلياً في معيشتهم. إن استمرار هذه القيود سيؤدي حتماً إلى نتائج عكسية تضر بالاستقرار المالي، وهو ما نأمل تجاوزه عاجلاً عبر سياسات مرنة تدعم القطاع المصرفي وتعيد له حيويته الكاملة لخدمة المجتمع بصورة عادلة وفعالة.

 

نواصل….

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى