قفزات الدقيق تعصف بالمخابز.. والمواطن يدفع الثمن

د. الفاتح عثمان: انهيار الصرف يفرضه خيار بين السعر والوزن
خبير اقتصادي: غياب الدعم الحكومي يحمل المواطن كلفة الإنتاج
مستشار اقتصادي: عمولات المضاربين تتجاوز 40% والحل بتثبيت الجنيه
تقرير: أمين محمد الأمين
تشهد أسواق العاصمة الخرطوم موجة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية عقب الارتفاع المتسارع في أسعار مدخلات الإنتاج الأساسية؛ حيث تحولت سلعة الخبز إلى نقطة ارتكاز حرجة تُهدد الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمواطنين. وفي ظل القفزات المتتالية لتكاليف التشغيل وتراجع القيمة التداولية للعملة الوطنية، تتصاعد التحذيرات من انعكاس هذه الزيادات المباشرة على منافذ البيع النهائية، ما يضع المنتجين والمستهلكين أمام معضلة معيشية معقدة.
قفزات جديدة
وكان الأمين العام السابق لاتحاد المخابز بولاية الخرطوم وعضو اللجنة التنفيذية، بدر الدين الجلال، قد اعلن عن قرار وكلاء الدقيق بالولاية تطبيق زيادات حادة في أسعار مختلف أنواع الدقيق والخميرة. وشملت التعديلات السعرية الجديدة صعود جوال الدقيق زنة 25 كيلوجراماً بمقدار 8 آلاف جنيه، وزنة 50 كيلوجراماً بمقدار 16 ألف جنيه؛ ليصبح سعر دقيق “الخباز الآلي” 98,500 جنيه، و”الخباز البلدي 50 كجم” 182,500 جنيه، و”الخباز البلدي” 94,500 جنيه، فيما بلغ دقيق “الأصلي” 91,000 جنيه. كما ارتفعت أسعار الخميرة ليبلغ كرتون “موريبان وفكتوريا” 185,000 جنيه، و”فورايز” 172,500 جنيه، وسط توقعات متزايدة من أصحاب المخابز بوشوش قفزة جديدة في أسعار الخبز للمستهلك.
تدخلات ولائية
وفي محاولة لاحتواء نذر الأزمة، أقرت اللجنة العليا للطوارئ وإدارة الأزمة بولاية الخرطوم برئاسة الوالي أحمد عثمان حمزة، حزمة تدابير عاجلة للحد من غلاء السلع. وتضمنت التدخلات الحكومية التوسع في الأسواق الثابتة والمتنقلة بأسعار التكلفة بالتعاون مع وزارة التجارة واتحاد أصحاب العمل، والتنسيق مع المؤسسة التعاونية لتكرار تجربة “سوق كرري” بالمحليات. وأمن الاجتماع على تخصيص دقيق مدعوم لمخابز محددة لإنتاج خبز مخفض للمواطنين، مع تكليف اللجنة الاقتصادية بمتابعة التنفيذ والتواصل المباشر مع المنتجين.

أزمة الصرف
وفي السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور الفاتح عثمان محجوب، أن الموجة الراهنة من الزيادات السعرية التي طالت الدقيق والخميرة وكافة مدخلات إنتاج الخبز تعود بصورة أساسية إلى التدهور الحاد في قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية. وأوضح أن انخفاض سعر صرف العملة الوطنية يمثل المحرك الرئيسي لارتفاع تكاليف الإنتاج؛ وهو ما يضع أصحاب المخابز أمام خيارات اضطرارية محدودة للتعامل مع هذا الواقع، تتلخص في رفع سعر قطعة الخبز، أو تقليص وزنها، أو الجمع بين الخيارين معاً لمواجهة أعباء التشغيل المتصاعدة.
صعوبة التثبيت
وشدد الخبير الاقتصادي الدكتور الفاتح عثمان محجوب على أن المعالجة الجذرية للأزمة تتطلب بالضرورة تثبيت سعر صرف الجنيه؛ لكونه المدخل الأساسي للسيطرة على كلفة السلع الاستراتيجية. وأشار في الوقت ذاته إلى المعوقات الشديدة التي تعترض هذا المسار في ظل الظروف الاستثنائية الحالية التي تمر بها البلاد.
اشتراطات المعالجة
واختتم الدكتور الفاتح عثمان محجوب حديثه بالإشارة إلى أن كبح تدهور العملة الوطنية يستلزم حزمة من السياسات الاقتصادية المتكاملة، وإرادة تنفيذية حازمة، فضلاً عن دعم وبناء علاقات خارجية قوية؛ وهي مقومات يُعتقد بصعوبة اكتمالها وتوفرها في الوقت الراهن لاستعادة استقرار الأسواق.

انعكاس متسلسل
من جانبه، حذر الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي، من التداعيات المباشرة لموجة الزيادات السعرية الأخيرة على كافة مدخلات الإنتاج، مؤكداً أن الاستمرار في هذا المسار يُلقي بظلاله الحادة على كاهل المستهلك النهائي والمصنعين على حد سواء. وأوضح أن أصحاب المخابز والمواطنين يواجهون التحدي المعيشي ذاته؛ نظراً لشيوع مصادر التوريد والشراء للجميع. وبيَّن أن أي صعود طارئ في أسعار المواد الأساسية يرتد تلقائياً على التكلفة الإجمالية لصناعة الخبز، مما يقلص هامش التكيف لدى المنتجين.
ضغوط تشغيلية
ولفت الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي إلى أن القفزات السعرية في السوق المحلية لا تقتصر على الدقيق والخميرة فحسب، بل تمتد لتشمل تكاليف النقل والتحميل والتفريغ، فضلاً عن تفاقم أزمتي المحروقات والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، وهي عوامل تشغيلية تُضاعف الأعباء اليومية داخل المخابز.
تدهور العملة
وسلط الدكتور هيثم محمد فتحي الضوء على الدور المحوري لتراجع القيمة التداولية للجنيه السوداني أمام الدولار الأمريكي؛ حيث قطع بأن هبوط العملة الوطنية أسهم في ارتفاع أسعار حزمة واسعة من عناصر الإنتاج، شملت أجور العمالة، وأسعار الوقود، والمواد الخام المستوردة.
ضرورة الدعم
وشدد الدكتور هيثم محمد فتحي على أن غياب التدخل الحكومي العاجل لدعم سلعة الدقيق وتأمين إمدادات الطاقة والمحروقات بأسعار مدعومة للمخابز، سيؤدي حتماً إلى موجات متتالية من الارتفاع في أسعار الخبز، محذراً من تحمل المواطن المنهك الجزء الأكبر من هذه الأعباء الإضافية.

قفزات قياسية
إلى ذلك، جزم المستشار الاقتصادي أحمد حسن الفادني بأن التفشي الراهن لأزمة الدقيق والخبز يمثل نتيجة حتمية ومتوقعة للتدهور المريع في قيمة الجنيه السوداني، مؤكداً أن الواقع الاقتصادي المأزوم يتجه نحو تعقيدات غير مسبوقة تستدعي معالجات هيكلية عاجلة. وأوضح أن الأسواق تشهد ارتفاعاً تاريخياً في أسعار المادة الخام؛ حيث قفز سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوجراماً إلى 108 آلاف جنيه، وزنة 50 كيلوجراماً إلى 216 ألف جنيه بزيادة بلغت 56 ألف جنيه. ونبَّه إلى أن القفزة القياسية لسعر صرف الدولار في السوق الموازي وتجاوزه حاجز 7300 جنيه ترجح قفزة وشيكة لسعر قطعة الخبز لتصل إلى 500 جنيه.
جذور الأزمة
وعلَّل المستشار الاقتصادي أحمد حسن الفادني الأسباب الجذرية لهذا الارتفاع بالانهيار المتواصل لسعر الصرف؛ كون القمح سلعة تعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد من الخارج. وأشار إلى أن تداعيات الحرب الراهنة ضاعفت من خطورة الأزمة بعد تدمير العديد من المطاحن الرئيسية، فضلاً عن التصاعد المستمر في تكاليف الوقود والنقل والتي عززت الاعتماد على الاستيراد الخارجي المكلف.
تشارك المسؤولية
وكشف المستشار الاقتصادي أحمد حسن الفادني عن تقاسم المسؤولية بين الجهات الحكومية وقطاع المستوردين؛ حيث انتقد ضعف وهشاشة أدوات الضبط والرقابة الرسمية على السلع الاستراتيجية. ولفت في الوقت ذاته إلى أن المستوردين يحددون أسعارهم بناءً على تحركات السوق الموازي، مشيراً إلى دخول الوسطاء والمضاربين على خط الأزمة بعمولات تصل إلى 40% من السعر النهائي للسلعة.
حزمة حلول
وحصر المستشار الاقتصادي أحمد حسن الفادني الحلول العاجلة للحد من تداعي السلعة في ضرورة إعادة تصنيف الدقيق كسلعة استراتيجية وتعيين وكلاء معتمدين حصرياً للاستيراد، وتأسيس مخابز حكومية لكسر الاحتكار، فضلاً عن تفعيل الرقابة الصارمة على الأوزان والأسعار، وتفعيل دور المخزون الاستراتيجي للقمح لمواجهة تقلبات سلاسل الإمداد.
استقرار مشروط
واختتم المستشار الاقتصادي أحمد حسن الفادني تحليله بالقطع بأن أية حلول تشغيلية ستظل مجرد مسكنات مؤقتة ما لم يُعالج الاختلال النقدي بصورة جذرية. ورهن استقرار أسعار الخبز وتحقيق الأمن الغذائي الدائم باستعادة الاستقرار السياسي والأمني، وتثبيت سعر الصرف لمنع انهيار المنظومة المعيشية للمواطنين.




