ملح الأرض/ عجز الميزان التجاري .. أمراض الاقتصاد المزمنة

بقلم: خالد ماسا
ولعله من الأسباب الأساسية التي تقف خلف عدم إيجاد علاج جذري للأمراض التي ظلت تلازم الصحة العامة للاقتصاد السوداني، والذي لطالما شهد استفاقة مؤقتة في عافيته بما يشبه “فجأة الموت”، ثم تعاود الحروب والأزمات السياسية إعادته إلى غرفة العناية المركزة، والاعتماد على الحلول المؤقتة والمسكنات للإبقاء على نبض الوريد، هو شح المعلومات التي تساعد على التشخيص الدقيق لأمراض مزمنة ظل يعاني منها الاقتصاد السوداني. وفقر المعلومات التي توفرها صفحة البنك المركزي في السودان وعدم تحديثها يعد أكبر دليل على عدم امتلاك إدارة البنك نفسها أدوات التشخيص التي يمكن الاعتماد عليها لتوصيف الحالة السودانية.
حتى “الموازنة”، والتي ينبغي أن تُناقش وتُنشر عند إجازتها عبر الحكومة كما هو الطبيعي في كل العالم، ظلت موازنة العام 2026م سرًا عسكريًا و**”إبرة في كومة قش”**، ممنوع الاطلاع عليها إلا بملامح عامة لا تمكن أي جهة من التقييم أو التحليل والتعرف عما إذا كانت مؤسسات الدولة ذات العلاقة بالتخطيط النقدي والاقتصادي تعمل حقيقة على معالجات تضع الاقتصاد السوداني في المسار الصحيح.
(*) السودان يهزم ثوابت نظريات الاقتصاد ..
الخبر الذي خرجت به إدارة بنك السودان المركزي عن العجز في الميزان التجاري للسودان، والذي قالت بأنه بلغ 3.8 مليار دولار للعام 2025م مقابل 1.7 مليار دولار للعام 2024م، الشيء الذي يشير إلى أنه وعلى الرغم من دخول عامل مؤثر جدًا على الحالة الاقتصادية في السودان وهو الحرب، ومع ذلك يسجل الميزان التجاري ارتفاعًا ملحوظًا كما توضح الأرقام، بعكس ثوابت النظريات الاقتصادية. وهذا يدفعنا للاعتقاد بأن مشكلة الاقتصاد السوداني في العجز المستديم للميزان التجاري لا تعبر فقط عن اختلال في التجارة بين حجم الصادرات والواردات، بل هي أزمة أعمق تصل إلى حدود الهيكل الاقتصادي للدولة.
النظرية الاقتصادية تقول بأن العجز في الميزان التجاري على الدوام هو عرض لمرض أعمق، والسِّمَت الأساسي للاقتصاد السوداني يغلب عليه السِّمَت “الاستهلاكي” في مقابل ضعف بيّن ومستمر في الإنتاج. ودخول الحرب كطارئ جديد أدى للانهيار التام في الصادرات، ولكن بالمقابل لم يحدث هذا التراجع في نسبة الواردات – الطرف الثاني في معادلة عجز الميزان التجاري – بل ظلت آخذة في الازدياد. وبذلك نجد أن الحرب جردت الاقتصاد السوداني من أي غطاء إنتاجي كان من الممكن أن يساهم في تخفيف حدة العجز في الميزان التجاري.
الثابت الثاني في النظرية الاقتصادية هو أن التراجع في قيمة العملة المحلية يتناسب طرديًا – بحسب النظرية – مع الانخفاض في الواردات، إلا أن هذا في جينات الاقتصاد السوداني يحدث بما يشبه “الطفرة” الجينية لنظريات الاقتصاد. فعلى الرغم من التراجع المستمر لقيمة العملة المحلية في مقابل الدولار، إلا أن عجلة التراجع في حجم الواردات لا يتناسب مع سرعة هذا التراجع، بل زادت بحسب الاستعراض الأخير لتقرير العجز في الميزان التجاري، حيث بلغت قيمة الصادرات السودانية 2.64 مليار دولار في مقابل 6.49 مليار دولار للواردات.
والتحليل المنطقي لهذه الحالة السودانية بامتياز – باعتبار عدم وجود اقتصاديات شبيهة يمكن إجراء مقارنة بينها – هو أن “ميكانيزم” الاقتصاد لا تعمل بصورتها الطبيعية لإحداث التوازن في الميزان التجاري، وأن استجابة الاقتصاد السوداني لعملية الواردات “إجبارية” لسد النقص في الأساسيات المطلوبة لبقاء الدولة وعدم انهيارها، بينما تظل الصادرات لا تمتلك المرونة الكافية للاستجابة المتبادلة واللازمة لضبط الميزان التجاري.
(*) البنك المركزي .. إشعارات الخصم والإضافة ..
ظلت – وعلى الدوام – السياسات الصادرة عن البنك المركزي تظهر عجزًا في التعامل مع ما يشكل الإضافة الحقيقية في مسار حل مشكلات الميزان التجاري، وظلت منهجية السياسات لا تتعدى حدود إدارة الأزمات الطارئة في الاقتصاد السوداني بدلًا عن حلها بشكل جذري يمنع تكرارها. وظلت عملية تمويل العجز هي “إشعار الخصم” في المشكلة، إضافة إلى إظهار السياسات ضعفًا بيّنًا في التحكم في سعر الصرف، والذي ظل يشكل انفلاتًا مستمرًا خارج السيطرة، وأنها تتعامل مع النتائج بينما تظل جذور الأزمة خارج نطاق سيطرتها.
حلقة “مغلقة” ظل الاقتصاد السوداني يدور داخلها دون محاولة الخروج من ضغوط ضعف العملة وعجز الميزان التجاري والتضخم والزيادة المستمرة في فاتورة الواردات، ولا تتعدى فكرة الحلول “صندوق” الطوارئ في السياسات.
تحتاج مؤسسات الدولة المسؤولة عن وضع السياسات النقدية والتخطيط الاقتصادي إلى القيام بعملية تشخيص حقيقية لأزمات الاقتصاد السوداني، وتقديم حلول تتناسب مع الواقع، وتترك المثالية التي تنظر بها للحلول، تبدأ ببناء خطط لإعادة بناء الإنتاج، خصوصًا عبر الموارد المستمرة للسودان، وفي مقدمتها الإنتاج الزراعي، إذ إنه ليس من المنطقي أن تظل مساهمة هذا المورد في ميزان السودان التجاري بهذا الضعف إن لم تكن معطلة تمامًا.
الأرقام والقراءات المتعلقة بإنتاج الذهب بشقيه الرسمي والأهلي تقول بإمكانية تحريكه للميزان ولأوضاع الاقتصاد السوداني بشكل إيجابي حال تم اتخاذ سياسات تضبط سوق الذهب وتمنع الهدر فيه بسبب التهريب، والعمل على فتح أسواق متعددة وجديدة ومنع السيطرة والاحتكار.
فك التعقيدات المتعلقة بسياسات التصدير وتوحيدها بما يشجع على زيادة الصادر من المنتجات السودانية، والعمل على إعادة تعريف ما ينتجه الاقتصاد السوداني وما يجتهد في تصديره أكثر من الاهتمام بقائمة الواردات.
ما لم يتم التفكير في معالجة أزمة أنيميا احتياطيات البنك المركزي، والتي ظلت على الدوام تظهر سياسات البنك المركزي بمظهر العاجز عن الدفاع عن قيمة العملة المحلية، سيبقى الحال على ما هو عليه دون أي تحسن في معادلة الميزان التجاري المختلة، وستظل معالجات سياسة تمويل العجز بذات أثرها السالب بزيادة الكتلة النقدية وارتفاع نسبة التضخم ووصوله لخانة الثلاثة أرقام كمؤشر خطير في الاقتصاد السوداني.
(*) تبديل العملة .. معالجة السيولة وإهمال الإنتاجية ..
ولا يوجد مثال أكثر وضوحًا من الضعف في بناء السياسات أكثر مما حدث في فكرة تبديل العملة، والتي كان من المفترض – وعلى الأقل “نظريًا” – أن تساعد الدولة في عملية سحب السيولة الموجودة خارج النظام المصرفي وقطع الطريق أمام الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية والمؤثرة جدًا في أسعار العملات، وإحداث تحسن نسبي في سعر الصرف. إلا أن ذلك كإجراء لا يحدث تغييرًا على مستوى المعالجات الحقيقية في بنية الاقتصاد السوداني، إذ لم يزد الإنتاج ولم تتغير فاتورة الواردات، وتفاقمت مشكلة الميزان التجاري. وفوق ذلك فإن الإجراء أثر كثيرًا على طبيعة ثقة المواطن في النظام المصرفي، وهذا لأن سياسة تبديل العملة بالأساس قامت على مفهوم معالجة أزمة السيولة وليس على فكرة زيادة الإنتاج والتجارة.
عرف البنك المركزي مؤخرًا تبديلًا على مستوى المحافظ بتعيين اسم جديد، وبالضرورة التوقعات في هذه الحالة تذهب بأن التغيير المطلوب ليس في الأشخاص والوجوه، بل بتوقع مدارس جديدة في السياسات النقدية تنقل الاقتصاد السوداني من محطاته القديمة إلى حلول مستدامة تخاطب “عَضْم” الأزمة الاقتصادية في السودان.



