بين إعادة التموضع وضغط الخارج: هل تغيّرت المعادلة أم تغيّر الخطاب فقط ؟

بقلم: مهند عوض محمود
ما يجري في المشهد السوداني حالياً لا يبدو كوقائع منفصلة؛ بقدر ما يوحي بمحاولة إعادة ترتيب للصورة العامة في لحظة شديدة الحساسية؛ تعيين السيد أمجد فريد مستشاراً للبرهان للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية؛ وظهور الفريق أول عبد الفتاح البرهان في إفطار ناظر الرباطاب بأبو حمد؛ وتداول أنباء عن عودة لجنة إزالة التمكين؛ كلها إشارات تطرح سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام تحول حقيقي؛ أم مجرد إعادة صياغة للمشهد بأدوات مختلفة؟
السيد أمجد فريد لا يُعرف كقيادي حزبي تقليدي؛ بل ارتبط اسمه بالتيار المدني المرتبط بثورة ديسمبر؛ وكان أبرز حضوره حين عمل مستشاراً لرئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك؛ هذا المسار يمنحه حضوراً سياسياً داخل دوائر النخبة؛ دون أن يستند إلى قاعدة تنظيمية مستقلة؛ وهو ما يجعل تعيينه مثار تساؤل: هل المطلوب إدخال صوت مدني في دوائر القرار؛ أم تقديم واجهة سياسية لإعادة ضبط الانطباع العام؟
وفي إفطار ناظر الرباطاب بأبو حمد؛ قال البرهان:
«نحن ما بنعرف كيزان ولا شيوعيين ولا غيرهم… نحن بنعرف السودان وبس».
هذه العبارة، رغم بساطتها، تفتح باباً واسعاً للتأويل؛ هل هي إعلان قطيعة مع الاصطفافات الأيديولوجية؛ أم محاولة لتخفيف كلفة الارتباط بها في ظل متغيرات دولية ضاغطة؛ خاصة بعد تصنيف الإخوان المسلمين في السودان ضمن قوائم الإرهاب؛ وما فتحه ذلك من تداعيات سياسية واقتصادية لا يمكن تجاهلها؟
في هذا السياق؛ يظل السؤال حول طبيعة العلاقة بين القيادة العسكرية والتيارات الإسلامية من أكثر الأسئلة حساسية؛ فالمسألة لا تُختزل في “تحالف” أو “قطيعة”؛ بل أقرب إلى علاقة فرضتها ظروف الحرب؛ حيث أنتج تلاقي المصالح شكلاً من الاعتماد المتبادل؛ ظهر في ميادين القتال عبر مشاركة مجموعات مقاتلة محسوبة على هذا التيار إلى جانب الجيش؛ في خندق واحد؛ بما يعكس بعداً وظيفياً أكثر منه سياسياً منظماً.
هذا النمط من العلاقات يتغير بطبيعته مع تغير المرحلة؛ فمع تراجع ضغط المواجهة الشاملة؛ تبرز أسئلة الكلفة وحدود الاستمرار؛ وهو ما قد يفسر بعض الإشارات الأخيرة باعتبارها محاولة لإعادة ضبط العلاقة؛ أو على الأقل إعادة تعريفها في المجال العام.
إعلان عودة لجنة إزالة التمكين – إن صحّت الأنباء – يضيف بعداً لا يخلو من مفارقة؛ فبين لجنة حُلّت بقرار سيادي؛ وقيادات تواجه ملاحقات قانونية؛ تبدو الأسئلة العملية أكثر إلحاحاً من الشعارات: هل تملك اللجنة أدوات العمل فعلاً؛ أم أن الإعلان يسبق الواقع مرة أخرى؟
وفي هذا الإطار؛ وُصف الحديث عن عودتها بأنه “فرقعة سياسية” بلا سند قانوني؛ وهو توصيف – بصرف النظر عن الموقف منه – يعكس حجم الشكوك المحيطة بإمكانية عودتها كجسم فاعل؛ لا مجرد عنوان في الخطاب السياسي.
المشهد، في إحدى زواياه، لا يخلو من قدر من السخرية؛ فبعض الأصوات تبدو وكأنها استعادت نشاطها فجأة؛ وكأن تغيّر المناخ السياسي وحده كافٍ لإحياء مشروع توقّف منذ سنوات؛ بينما الواقع يشير إلى أن استعادة الشعارات لا تعني بالضرورة استعادة الأدوات.
وفي مستوى أعمق؛ يظل السؤال قائماً: هل ما يجري يعكس تحولاً فعلياً في موازين العلاقة داخل السلطة؛ أم مجرد إعادة ترتيب للخطاب بما يتناسب مع ضغوط المرحلة؟
أما على مستوى تطور الحرب؛ فإن انتقال ثقل العمليات نحو دارفور وكردفان لا يعني انحصارها هناك؛ لكنه يشير إلى تغير في مركزها لا نهايتها؛ وهو ما يفتح تساؤلاً إضافياً: هل تغيّرت طبيعة المرحلة بما يكفي لإعادة توزيع الأدوار؛ أم أن ما تغيّر هو شكل الصراع لا جوهره؟
في المحصلة؛ تبدو الصورة أقرب إلى إعادة تموضع لم تكتمل ملامحها بعد؛ تعيينات تحمل دلالات؛ وخطابات تحمل رسائل؛ وإعلانات تسبق الوقائع؛ وبين كل ذلك؛ يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام تحول حقيقي؛ أم أمام إدارة جديدة لنفس المشهد بلغة مختلفة ؟



