فزورة “الواحدة ظهراً”: ما وراء الأكمة

بقلم: م محمد عبد اللطيف هارون
حبس السودانيون أنفاسهم أمس الأول، وهم يرقبون عقارب الساعة وهي تقترب من “الواحدة ظهراً”؛ ذلك التوقيت الذي لطالما حمل في الوجدان الثوري دلالات التغيير والمواجهة الميدانية. “فزورة” أطلقها القيادي وجدي صالح وباركه فيها خالد سلك، جعلت الكثيرين — وأنا منهم — يذهبون بعيداً في التوقعات، ظناً منا أن تحالف “صمود” سيدشن نشاطه من قلب الخرطوم، أو أن حراكاً ميدانياً سيعيد “تتريس” الشوارع كما كان يحدث إبان مناهضة نظام المؤتمر الوطني حتى خلع البشير.
ولكن، جاء “المخاض” بإعلان لم يتوقعه أكثر المتفائلين ولا أكثر المتشائمين؛ إذ أعلنت لجنة إزالة التمكين استئناف عملها، ضاربةً بقرار حلها الصادر في 25 أكتوبر 2021 عرض الحائط، باعتبار أن القوة التي أعلنت الحل غير شرعية وانقلبت على حكومة الثورة و الوثيقة الدستورية .
بينما انخرط الكثيرون في نوبات من الضحك والاستهزاء عبر منصات التواصل الاجتماعي، معتبرين الخطوة مجرد “فرقعة إعلامية” لا رصيد لها على أرض الواقع، فإن القراءة المتأنية توحي بأن الأمر أبعد ما يكون عن “العبث”. فمن يعرف دهاليز السياسة يدرك أن شخصيات بحجم محمد الفكي أو وجدي صالح لا يتحركون بـ “اعتباطية” بعد كل هذا الصمت ، و بقليل من النظر خارج الصندوق ، نستطيع استنتاج أن خلف هذه الخطوة “أكمة” يُراد لنا ألا نرى ما وراءها ، على الأقل الآن، خاصة إذا ربطنا النقاط بالحرب الدائرة الآن ثم تصنيف “الأخوان المسلمين” في السودان كحركة إرهابية في محاولة للربط بين السودان و إيران
، فالسيناريو القادم مع استحالة الوجود الفيزيائي للجنة بالداخل ، قد يتجاوز النمط التقليدي للجنة حين كانت تمارس “تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ” لينتقل إلى ملاحقة رجال المال والأعمال السودانيين في الخارج. فاللجنة التي مارست سابقاً دور “الخصم والحكم والجلاد” منافية لأبسط قواعد العدالة — في سلوك خلط بين الصالح والطالح — قد تدعي اليوم امتلاك مخزون من البيانات، تستطيع استغلاله كوقود لتحركات دولية تحت لافتة “مكافحة تمويل الإرهاب”، بعيداً عن سيادة القانون الوطني ورقابة القضاء، وربما عبر مكاتب خارجية سيتم تجهيزها وتأسيسها من الداعمين لتقوم اللجنة بدور مخلب القط لتنفيذ ما يُطلب منها ..
إن الوقوف عند عتبة هذا الإعلان المفاجئ يضعنا أمام تساؤلات حارقة، لا تملك الأيام القادمة إجاباتها بعد:
* هل ستصبح “لجنة التفكيك” اليوم مجرد “مورد معلوماتي” لمنظمات دولية تبحث عن ذرائع لتجميد أصول السودانيين المهاجرة؟
* وان اصبحت كذلك كيف ستتعامل المصارف العالمية والمنظمات العدلية مع كيان “محلول” داخلياً، لكنه يقدم نفسه كـ “وكالة استخبارات مالية” بتمويل وغطاء خارجي؟
* و ان كان الأمر كذلك ما هو الثمن الذي قُبض “تحت الطاولة” وما هي “الضمانات” التي جعلتهم يخرجون الآن بهذا الخطاب المتمرد؟
* ثم هل نحن بصدد مشهد جديد تُستخدم فيه “العدالة الثورية” لتصفية حسابات اقتصادية مع رجال أعمال لا ناقة لهم في السياسة ولا جمل، سوى أنهم وقعوا في فخ “التصنيفات” الجاهزة؟
* وأخيراً.. ما الذي سيجنيه هؤلاء من هذه الخطوة غير أنهم سيفتحون باباً من “التغول الدولي” على السيادة الوطنية، لا يغلقه اعتذار ولا تمحوه تبريرات سياسية؟
*
إنها الساعة “الواحدة” حقاً ، و لكن هذه المرة دقت خارج الاطار ، فقوى الثورة التي جعلت للجنة التفكيك شرعية ، هي نفسها الآن تتضامن مع جيشها الوطني لاجتثاث سرطان الدعم السريع ، هذا الذي صمتت عنه لجنة التفكيك ولم تجرؤ على الاقتراب من مؤسساته المختلفة” جبل عامر ، شركات الجنيد و غيرها ” و رصيد تحاوز ال١٣ مليار دولار في ٢٠٢٠ م ، صمتت ربما تواطؤاً و ربما خوفاً ، فالدعم السريع و مؤسساته التي نشأت بتمكين نظام المؤتمر الوطني هي أكبر مظهر من مظاهر التمكين ..
دقت الساعة الواحدة بتوقيت الثورة ولم تجد أحدا ، هل هي ساعة الصفر لبدء “مقصلة رقمية” لا تبقي ولا تذر؟ الأيام وحدها هي من سيفك شفرة هذه الفزورة الكارثية. هذا والله أعلم.



