علم الدين عمر يكتب: أمجد فريد وفتيً يُقال له علاء الدين.. هام وعاجل ونصف خطير !!

ليست هذه هي المرة الأولى التي تضج فيها الساحة لأن مسؤولاً عيّن مستشاراً.. ولن تكون الأخيرة.. وكأن الدولة لا يحق لها أن تُحسن الإصغاء أو أن تُحيط نفسها بالعقول حين تضيق الخيارات وتتعقد المسارات.. فقد تجدد الجدل عقب تعيين الدكتور أمجد فريد مستشاراً سياسياً لرئيس مجلس السيادة..بعد موجة مماثلة صاحبت تعيين مستشارين لرئيس الوزراء د. كامل إدريس في وقت سابق..فهل المشكلة في الأشخاص أم في فكرة “المستشار” ذاتها ؟..وهل صارت المشورة قرينة الإتهام بدل أداة للحكم الرشيد كما هو معلوم!!
في جوهر الأمر.. تعيين المستشار حق أصيل من حقوق أي مسؤول تنفيذي أو سيادي..حق تنظمه القوانين وتفرضه طبيعة الدولة الحديثة التي لم تعد تُدار بعقلية الفرد ولا حتي بالبرنامج الواحد.. فالمستشار ليس وزير ظل..ولا شريكاً في السلطة.. ولا صاحب توقيع نافذ أو قرار مُلزم..هو مجرد رأي إضافي على الطاولة.. قد يُستأنس به أو يُصرف النظر عنه بالكامل.. إنه عقل مساعد وليس سلطة موازية للجهاز التنفيذي أو السياسي..لأن الفكرة الأساسية للمستشار والمستشاريات هي أدوات تفكير وليست أذرع تنفيذية..
المستشار لا يقود المركبة ولا يحدد وجهتها..لكنه يقرأ الطريق ويُحذر من عواقبه.. يضيء الزوايا المعتمة ويكشف ما قد يغيب عن عين صاحب القرار المنهمك بتفاصيل الإدارة اليومية..أما القرار النهائي..بما يحمله من مسؤولية سياسية وأخلاقية وقانونية.. فيظل حصراً بيد القائد لا يشاركه فيه مستشار ولا يعفيه منه أحد..
الغريب أن بعض الأصوات تتعامل مع هذه التعيينات وكأنها تفويض مفتوح أو إختراق سياسي مرتب لمؤسسات الدولة..متجاهلة أن المستشار — بحكم التعريف — خارج هرم السلطة الإدارية.. لا يملك إصدار أوامر ولا إدارة أجهزة ولا توجيه موارد.. وجوده لا ينتقص من صلاحيات الوزراء ولا يُنشئ مركز قوة موازي بل يضيف طبقة من التفكير الإستشاري الذي تحتاجه القرارات الكبرى في أوقات الإضطراب..
في النظم السياسية الراسخة.. تُدار السلطة بعقليات مختلفة تحت طاولات القرار الأصل.. مكاتب الرؤساء ورؤساء الحكومات تعج بالمستشارين في السياسة والأمن والإقتصاد والإعلام والقانون.. وبعضهم يختلف جذرياً مع رؤسائه ومع ذلك يستمر لأنه يؤدي وظيفة “إثراء القرار” وليس “صناعته”..بل إن قوة القائد تُقاس أحياناً بقدرته على سماع ما لا يريد سماعه..(الطبالين علي قفا من يشيل ولكن المستشار أمين)..
وتراثنا السياسي ليس بعيداً عن ذلك.. فالشورى كانت مؤسسة قبل أن تكون فضيلة أخلاقية.. وكانت النصيحة واجباً تسعي له السلطة وتنفق في سبيله كل الممكن وبعض المستحيل..وكان القادة الأقوياء الأكثر حرصاً على من يجادلهم بالحجة وليس من يصفق لهم بالصمت..
إن الاعتراض المشروع — إن وُجد — ينبغي أن ينصرف إلى معايير الكفاءة والنزاهة وتضارب المصالح وحدود الدور..وليس فكرة الاستشارة نفسها..أما تحويل المبدأ إلى موضع شبهة فهو في جوهره دعوة غير واعية إلى حكم فردي معزول..أو إلى مسؤول يعمل بعين واحدة وأذن واحدة ورأي واحد..وهو ما لا تحتمله دولة تواجه حرباً وتعيد بناء مؤسساتها في آن واحد..
الأخطر من ذلك أن تضخيم مسألة تعيين مستشار — أو إعفاء آخر — إلى قضية رأي عام كبرى يكشف خللاً عميقاً في ترتيب الأولويات.. فالقضية الحقيقية ليست من هو المستشار وبماذا أشار.. ولا من جلس خلف المكتب..بل ما الذي خرج من ذلك المكتب إلى الناس من سياسات ونتائج وأثر ملموس..
لقد كتبت من قبل — حين عُين مستشارون لرئيس الوزراء — أن المستشار يُشير ولا يُقرر..يقترح ولا يُملي.. يُنبه ولا ينفذ.. وبصرف النظر عن اسم المستشار أو موقعه أو درجة الإتفاق أو الإختلاف معه وحوله..فالدولة لا تُدار بالأمزجة ولا بالإنطباعات (إنما يأسي علي الحب مظاليم الهوي من أنصاف السياسيين والنشطاء).. الصلاحيات والمسؤوليات والمحاسبة على النتائج..هي المحك..
ومن حق أي مسؤول أن يختار من يعينه على التفكير ما دام لا يمنحه سلطة تنفيذية ولا يتجاوز به القانون.. ومن حق الرأي العام أن يحاسب على الأداء وليس الأدوات..أما تحويل كل خطوة إدارية إلى معركة سياسية فليس سوى انصراف مُكلف عن التحديات الوجودية التي تواجه البلاد..
كفوا عن تحويل الأدوات إلى أزمات..
وكفوا عن مطاردة الظلال وترك الوقائع..
ودعوا الدولة تستخدم ما تراه من وسائل لحماية قرارها وتحصين مسارها..
فليست كل خطوة مؤامرة..ولا كل تعيين صفقة..ولا كل مستشار مركز نفوذ خفي..وفي ذلك أجدني محتفياً جداً بفتي إسمه علاء الدين..لا أذكر أنني إلتقيته من قبل ولكني سمعت عنه من شفاه مرتجفة وأخري متوجسة وبعضها مغرضة ما يشي بشاب (حافظ لوحه) وماض في شأنه..
المستشار في ظروفنا الحالية هو عقل إضافي تحتمي به الدولة من أخطاء العجلة وضيق الأفق.. ولا بأس من وجوده علي طاولات السلطة بأي شكل من الأشكال ولا داعي إطلاقاً لكل هذا الغبار..
نستكمل غداً إن شاء الله رؤية تحصين قرارات السلطة ومؤسسات دعم القرار..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى