العيد في سلبونا.. فرحة أطفال ولمة حبان وعفو وعافية

بقلم: يحي محمد خير
سلبونا، أحد الأحياء الشعبية لمدينة بورسودان، تقع في البر الشرقي كما يقول أهل البلد.
كانت حاضنة لعمال الميناء المهرة؛ رجال الرافعات، والمخزنجيّة، والسائقين. حيٌّ بناه هؤلاء بعرقهم، وبما ادّخروه من حر أموالهم، بل وبما قدّمته نساؤهم من ذهبٍ وحُلي… ومن هنا جاء الاسم: سلبونا.
كانت تتميز سلبونا بروائح عجيبة…
رائحة البحر، التي تزداد كلما هبت الرياح من جهة الشرق،
ورائحة مصانع الطحينة ومعاصر الزيوت الموجودة في الجهة الغربية،
مزيجٌ غريب… لكنه كان جزءًا من ذاكرة المكان.
وقبل ثلاثة أيام من العيد،
كان أصحاب المراجيح والألعاب المختلفة يبدأون في تركيبها في الميدان الكبير،
جوار السوق، وجوار قهوة “السنجك” التي كانت تعج بالرواد، خاصة في ليالي رمضان الأخيرة.
أما المنطقة الواقعة بين سلبونا وحتى فلامنجو،
فكانت خالية من أي مبانٍ،
عبارة عن فضاء مفتوح…
تحوّل إلى مسرح لسباق العجلات للصبية،
حتى موقع القاعدة البحرية التي لم تكن موجودة أصلًا في ذلك الوقت.
لكن العيد في سلبونا… كان حكاية أخرى.
في صباح العيد،
تتعالى التكبيرات والتهليلات من مكبرات الصوت القادمة من عدة جهات،
فمعظم الميادين كانت تعج بالمصلين،
يرتدون الأبيض الناصع،
وخلفهم النساء بثيابهن السودانية الزاهية،
ألوانٌ تملأ المكان حياةً وفرحًا.
الأطفال… كانوا أبطال المشهد،
بملابسهم الجديدة،
وأصوات الألعاب النارية التي لا تهدأ،
ضحكاتهم كانت تعلن أن العيد قد بدأ حقًا.
أما البيوت، فكانت مفتوحة للجميع،
لا فرق بين قريب أو جار أو عابر سبيل،
الكل مرحب به… والفرح مشاع.
وكانت أيام العيد لا تخلو من المتعة،
عروض مسرحية،
وأفلام سينمائية تُعرض باستمرار؛
من الأفلام العربية، والهندية،
وأفلام الكابوي، وحتى الأفلام الرومانية،
وكانت دائمًا أفلامًا حديثة تشد الناس وتجذبهم، وكانت قيمة التذاكر تتضاعف.
كما كانت أيام العيد تتزامن كثيرًا مع المناسبات السعيدة؛
الزواج،
وختان الأطفال،
وعودة المسافرين…
فكان الفرح يتضاعف، وكأن العيد لا يكتفي بيومه، بل يمتد في قلوب الناس.ج
ذلك العيد…
لم يكن في كثرة المال،
بل في بساطة الناس،
وفي القلوب التي كانت تعرف بعضها دون موعد.
اليوم… تغيّرت أشياء كثيرة،
لكن من عاش العيد في سلبونا،
يعرف أن هناك شيئًا لا يتغير…
ذاكرة الفرح.
ومن مشاهير سلبونا: عثمان “شارلستون”، وثنائي سلبونا، وكانت حفلاتهم ذات مذاق خاص عند أهل الحي.
وقد تخرّج من أبناء سلبونا المهندس، والدكتور، والضابط، والإداري؛ ومنهم المرحوم الصائغ ملك الناصر، والمرحوم اللواء أبوالقاسم عبدالرحمن، وشقيقه التاجر إبراهيم، وقريبهم التاجر عبداللطيف – عليهم الرحمة – وكذلك المرحوم الطاهر مدير بنك أم درمان الوطني.
ومن أبناء الحي أيضًا الدكتور حموري، والفنان صلاح محمد نور، وأبناء السنجك.
الذكريات الجميلة كنوز محفورة في القلب، تعيش معنا رغم مرور الزمن، وتترك أثرًا من الحب والوفاء لا يُمحى، فتصبح جزءًا من روحنا وتفاصيل يومنا. هي ليست مجرد ماضٍ، بل نسمات تنعش القلب.
“وما بين سلبونا الأمس وسلبونا اليوم… يبقى العيد ذكرى تسكن القلب، لا يغيّرها الزمن.”
سلبونا صورة من تاريخ السودان الذي لا يختلف في تفاصيل الأحداث والامكنه.
السودان البلد الأجمل والاروع والاحلي .
نسال الله ان ينصر قواتنا المسلحه والقوات المساندة وتعود الفرحه لكل ارجاء الوطن.



