كهرباء السودان .. هل من “ضوء” في نفق العتمة؟

ملح الأرض..

بقلم/ خالد ماسا

وما من أحدٍ كان قد عايش الحرب إلا وكان شاهدًا على أن الكثير من المواطنين الذين نجوا من رصاصها قتلهم الاستهداف الممنهج لبنية الكهرباء التحتية وانقطاع التيار الكهربائي لسنوات، فدفع فاتورة ذلك مرضى “غسيل الكلى” والسكري والأمراض المزمنة، ولقوا حتفهم أمام أعين ذويهم الذين وقفوا عاجزين عند بوابات المستشفيات بلا حول ولا قوة. والأصل في خدمة الكهرباء في السودان، حتى على أيام السلم، هو أنها “ترف” لا يمكن التمتع باستقراره واستمراره تحت أسباب كثيرة، لم تعجز شركة الكهرباء ولا الوزارة في تسويق المبررات التي تغطي عورة الفشل؛ تارة بالعجز في التوليد وارتفاع تكلفة الإنتاج، وتاراتٍ بحيلة الرغبة في رفع الدعم الذي يبرر مضاعفة الفاتورة أضعافًا مضاعفة دون أي تحسن يمكن أن يُحس في الخدمة. لتجيء الحرب لتكمل مصيبتنا، ولتعطي السادة في شركة الكهرباء أن يكملوا “نومتهم” على وسادة التباكي على ما فعلته الحرب بقطاع الكهرباء.

(*) وزير الطاقة .. لمتين مواعيدك سراب؟

في مارس الماضي، وعبر منبر سونا للأنباء، في المؤتمر التنويري لوزارة الثقافة والإعلام (51)، قدم وزير الطاقة السيد/ المعتصم إبراهيم وعدًا باستقرار الإمداد الكهربائي، وزاد على ذلك بالقول بامتلاك وزارته القدرة على توفير الكهرباء لكل القطاعات، وأن لديهم من الخطط في الوزارة خلال الأعوام 2026/2027 لزيادة الربط والإنتاج من 4 إلى 6 آلاف ميغاواط، ومضى السيد الوزير إلى المزيد في الأحلام بالحديث عن خطط لمشاريع الطاقة البديلة.

بطبيعة الحال، فإن مثل هذه الوعود عبر قاعة المؤتمرات الصحفية في “سونا” للأنباء، الباردة والمكيفة، وأمام الحشد الصحفي والإعلامي، يصبح الحديث عنها سهلًا، خاصة في ظل غياب “سلطة الشعب” التي تمتلك حق استدعاء السيد الوزير تحت قبة البرلمان لمساءلته ومحاسبته على وعود السراب التي يطلقها دون حسيب أو رقيب.

الواقع يقول بغير ما قاله السيد الوزير أمام ميكروفونات وكالة الأنباء وكاميرات النقل التلفزيوني، وهو بكامل “الأُبهة” الوزارية، وأنه يريد أن يُقيل عثرة الكهرباء بسبب الحرب على أكتاف المواطن الذي تتحصل وزارته فاتورتها مقدمًا وفقًا لعقد “الإذعان” بينها وبين المواطن.

المواطن الذي يدفع سعر “عمود الكهرباء” والتوصيلات وثمن العداد ليصل التيار الكهربائي إلى منزله من حر ماله، ليُحسب كل ذلك من بعد ضمن “أصول” الشركة الثابتة، يعيش حربًا لا هوادة فيها مع خدمات شركة الكهرباء، لا تقل عن تلك التي خاضها في ظل المدافع والرصاص.

“كذبة” شهر مارس تلك بدد سرابها واقع شهر أبريل، حيث لم تترك “حليمة” شركة الكهرباء عادتها القديمة في انقطاع الساعات الطويلة وعدم استقرار إمداد التيار الكهربائي، وصارت “الشينة” في برمجة انقطاع التيار الكهربائي “منكورة”، وصار المواطن رهينًا بحالة “المزاج” لدى المسؤولين من جدولة انقطاع التيار.

الدولة لا تكلف نفسها باستدعاء السيد الوزير لمساءلته عما قاله بعد أن “ضربه الهواء”، وقال في اللقاء التنويري ما لم يستطع أن يفي ولو بنسبة 1% منه بإمداد كهربائي مستقر.

العجز في التوليد هو ورقة “الجوكر” التي ظلت الوزارة تلعب بها كلما جأر المواطن بالشكوى من الأداء الضعيف للوزارة في ملف الكهرباء، مع أن الواقع هنا يقول إن الحصة المقررة لتغطية القطاع “الصناعي” من إمداد الكهرباء قد قلت بشكل كبير، إن لم تكن الآن معدومة، بسبب ما حاق بالمصانع والشركات جراء الحرب، الشيء الذي أدى إلى خروج المناطق الصناعية بالكامل عن الخدمة، إضافة إلى قلة الاستهلاك في القطاع السكني بسبب قلة السكان أو عدم تمكن غالبيتهم من إصلاح التوصيلات الكهربائية وإعادة التيار، إلا أن الوزارة تصر على أن تقرأ على المواطن “الخِلَّى عادته قلت سعادته”.

(*) مشكلات “هيكلية” صنعت الأزمة في الكهرباء ..

ونحن هنا لا نريد الحديث عن مظاهر أزمة الكهرباء، وإنما نسعى للتحليل العميق لجذور الأزمة في هذا القطاع الحيوي والمهم، والتي تبدأ من غياب “التخطيط الاستراتيجي” لمعالجة أزمة ليست وليدة اللحظة، ولم تنتجها الحرب أكثر من أنها قد فاقمتها. ولقد أثر غياب الرؤية بعيدة المدى لتطوير قطاع الكهرباء على تزايد الفجوة بين ما هو منتج والطلب على الخدمة. فالشركة، وفي سبيل “التحصيل” والاحتفال بتوسيع شبكات التغطية، “سرحت” دون التفكير في أن ذلك يتطلب توسعًا في خطط التوليد أو تحديث البنية التحتية يقابل الازدياد المستمر في الاستهلاك، الشيء الذي كانت نتيجته “هشاشة” في قطاع الكهرباء لا يستطيع معها الصمود أمام أي هزة يتعرض لها نتيجة حرب أو انخفاض في منسوب النيل.

البنية التحتية التي تتباكى عليها الوزارة الآن بسبب استهدافها خلال الحرب، تعلم الوزارة نفسها علم اليقين بأنها بنية متهرئة وغير مواكبة حتى قبل الحرب، وأنها على مستوى شبكات النقل والتوزيع ظلت تعاني من ضعف الصيانات الدورية والعجز في توفير قطع الغيار، وبالتالي كانت النتيجة الحتمية لذلك تزايد نسبة الأعطال، وعليه زيادة الفاقد من الكهرباء، والضعف الواضح في كفاءة التشغيل.

على مستوى العالم، ظل قطاع الكهرباء قطاعًا واعدًا بالأفكار والتطور المستمر في طرق التوليد وتقليل قيمة وتكلفة التشغيل وتوفير فرص الاختيار من بين أكثر من بديل للإنتاج الكهربائي، إلا في السودان، حيث توقف قطار العقل الذي يدير هذا القطاع في محطات “التوليد الحراري” عالي التكلفة، والمتأثر بشكل كبير بالتصاعد المستمر في تكلفة الوقود وسلاسل الإمداد.

الوزارة من الطبيعي أن “طقش أضانها” للفتوحات الكبيرة في مجال الطاقة المتجددة وإمكانية استغلال والاستفادة من الطاقة الشمسية والرياح في السودان، والتي لم يتم التفكير في تطوير إمكانيات تسخيرها لمصلحة توفير حلول “مستدامة” تُبعد عن الشعب السوداني كابوس معاناته المستمرة مع الكهرباء.

إعلان شركة الكهرباء لتسعيرة الكهرباء في وقت من الأوقات بحجة ارتفاع تكلفة الصيانة والتشغيل والتخريب الذي طال البنية التحتية من محولات وأبراج الضغط العالي والمتوسط ومحطات التوليد، ومن بعد ذلك التراجع عنها بأمر وزاري، ينبهنا أولًا إلى غياب التنسيق الضروري بين الوزارة والشركة، وأن سياسة حساب التكلفة نفسها لا تقوم على تحليل دقيق ودراسة علمية تجعل التقديرات في التسعيرة منطقية وتقابل تكاليف الإنتاج والتشغيل. وكذلك من الواضح، وعلى الرغم من تطبيق سياسة الدفع “المقدم”، أن هناك ضعفًا في التحصيل وتراكمًا للديون صار عبئًا على الموازنة المخصصة لهذا القطاع المهم.

والتضارب في القرار أعلاه يكشف التداخل في الصلاحيات بين الجهات التنظيمية والجهات التشغيلية وغياب المحاسبة، مما يؤثر كثيرًا على الأداء العام لهذا القطاع.

تصريحات الوزير الأخيرة عن فتوحات في توقيع اتفاقيات وبروتوكولات تعاون مع دول مثل جنوب إفريقيا، وهي من الدول المتقدمة في مجال الطاقة وإنتاج الكهرباء، تصبح حبرًا على ورق طالما أن الحال هو ذات الحال في معاناة الشعب السوداني مع الكهرباء. ويبقى الاستثمار في هذا المجال ضعيفًا من رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، على الرغم من ارتفاع الطلب بشكل مستمر على الخدمة، بسبب أن الوزارة ظلت عاجزة عن خلق بيئة استثمار جاذبة وخطط تخفف عن شركة الكهرباء أعباءً من الواضح أنها فوق طاقتها.

وبسبب هذا وغيره من الأسباب، وبدلًا من أن يصبح هذا القطاع أحد أهم روافع التنمية في البلد، صار عبئًا يثقل كاهل المواطن، وصارت “العتمة” هي نتيجة طبيعية وحتمية لانعدام “البصيرة” والرؤية قبل انقطاع التيار.

يجب أن تعلم الوزارة بأنها مطالبة أولًا بإخراج تفكيرها في الحلول إلى خارج “صندوق” المبررات الجاهزة والمتكررة، وأن تتعلم من تجارب نظيراتها التي خرجت من ذات النفق إلى ضوء الاستقرار وتماسك القطاع، وألا تعتمد على الأحلام والوعود السياسية بالربط المشترك ودعم الشبكة القومية، لأنه في هذا الزمان لا توجد طاقة بالمجان.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى