المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب :ايران و الجهاد الاقتصادي

هل تبتلع جغرافيا هرمز أوهام القوة العابرة للقارات؟

*​في سباق المسافات الطويلة بين “الجهاد الاقتصادي” الداخلي و”الخنق المالي” الخارجي، من يملك النَفَس الأطول؟*

​تتجلى المواجهة الراهنة في منطقة الخليج كصدام وجودي تخوضه طهران متسلحةً بثوابت الجغرافيا وتراكمات التاريخ. هذه القدرة العالية على المجابهة تجد جذورها في “عقلية الحصار” التي صاغت الوجدان الإيراني منذ عام 1979، حيث استثمرت الدولة عقوداً من العزلة في تشييد عقيدة دفاعية تعتمد “الهجوم الاستراتيجي” وسيلةً للحماية، راميةً بذلك إلى رفع كلفة أي مغامرة عسكرية لمستويات تتجاوز قدرة العواصم الكبرى على الاحتمال السياسي والاقتصادي.

​في قلب هذا الصدام، تبرز استراتيجية “الكرت بالكرت” كمعادلة ردع ناضجة؛ إذ يمثل التلويح بإغلاق مضيق هرمز قراءة دقيقة لمخاوف الخصم من انقطاع شريان الطاقة العالمي. لقد نجحت طهران في رهن أمن الملاحة الدولية مقابل أمن اقتصادها القومي، ما أدى عملياً إلى ترحيل الملف النووي عن طاولة المقايضات العاجلة، وفرض واقعاً ميدانياً يضع “فك الحصار” كشرط أولى لعودة الهدوء إلى الممرات المائية.

​ويفرض “ثقل الجغرافيا” حضوره كلاعب عصي على التجاوز؛ فإيران بتموضعها كعقدة وصل مركزية بين الشرق والغرب، تكتسب حصانة طبيعية ضد محاولات الاختناق الكامل. الامتدادات البرية الوعرة والحدود المفتوحة تجعل من رهان “الانهيار السريع” ضرباً من الأوهام التي تصطدم بحقيقة التضاريس، حيث تمنح الجغرافيا طهران هوامش مناورة واسعة تسمح لها بالتنفس بعيداً عن الرقابة البحرية الصارمة.

​أما في مضمار “قوة التحمل” مقابل “الخنق المالي”، فإن المعركة الراهنة تبدو كسباق ماراثوني مع الزمن. يراهن الخصوم على تآكل القوة الشرائية وانفجار الداخل، في حين تستدعي إيران مفهوم “الجهاد الاقتصادي” لتحويل المعاناة المعيشية إلى وقود للصمود الوطني. هي مراهنة إيرانية على أن تضرر المصالح الدولية من قفزات أسعار الطاقة سيخلق ضغطاً عكسياً على واشنطن، يجبرها على التراجع قبل أن تبلغ الضغوط الداخلية في طهران نقطة الانكسار.

​لقد أثبتت الوقائع أن القوة العسكرية، مهما بلغت سطوتها، تظل عاجزة عن إنتاج واقع سياسي مستدام ما لم تلامس الوعي التاريخي للشعوب. القوة التي تكتفي بالهدم دون القدرة على البناء تتحول إلى عبء استراتيجي على صاحبها. هنا تبرز ميزة “الذاكرة التاريخية”؛ فالإنسان الإيراني يخوض هذه المواجهة كفصل مستمر من معارك الاستقلال، مما يمنحه جلداً على تحمل الأزمات الطويلة، في مقابل إدارات غربية محكومة بحسابات الربح السريع والدورات الانتخابية.

​وعلى الصعيد الإقليمي، تبدو مساعي “ترميم العلاقات” مع الجوار الخليجي ضرورة تمليها الرغبة في كسر العزلة، إلا أنها تصطدم بجدار سميك من فقدان الثقة. إن بناء جسور حقيقية يتطلب من طهران مغادرة مربع “الوصاية الجغرافية” والتحول نحو منطق “الدولة” التي تحترم السيادة وتؤمن بالأمن الجماعي، وهو التوازن الدقيق الذي لا يزال قيد الاختبار وسط ضجيج الطائرات وهدير البوارج.

​وفي الساحة اللبنانية، يبرز انعكاس هذا الصراع كمرآة كاشفة لتعقيدات المشهد؛ حيث تُستخدم السيادة الوطنية كأداة للضغط الإقليمي، في محاولة لتقليم أظافر طهران عبر إضعاف حلفائها. هذا التشابك يضع لبنان على فوهة بركان من الانقسام الداخلي، ويؤكد أن أي محاولة لفرض تسوية تتجاهل المكونات المحلية لن تكون سوى تأجيل لانفجار أكبر، ما يعزز القناعة بأن الصراع يتجاوز التفاصيل التقنية إلى صراع أعمق على الهوية والدور الإقليمي.

​ويظل سؤال الطاقة هو المحرك الخفي لتروس هذه المواجهة؛ فمهما بلغت الثورات الرقمية، يبقى النفط عصب القرار الدولي. التهديد بتوسيع دائرة المواجهة لتشمل مضايق أخرى يضع الاقتصاد العالمي أمام شبح “السكتة القلبية”، وهي ورقة ردع اقتصادية تمنح طهران نَفساً طويلاً، وتدفع المجتمع الدولي للبحث عن مخارج دبلوماسية تقي العالم شر “تسونامي أسعار” قد يطيح باستقرار القوى الكبرى قبل الصغرى.

​أخيراً، تبدو الوساطات الدبلوماسية الحالية كمحاولة لترويض جموح التصعيد، حيث تُطرح صيغ “الخطوة مقابل الخطوة” كبديل للمواجهة المباشرة. ومع ذلك، تظل الفجوة واسعة بين براغماتية إيرانية تتنفس الصبر، وبين راديكالية أمريكية تبحث عن “صورة نصر” تعادل الاستسلام. وبين هذا وذاك، تظل المنطقة رهينة حالة من الجمود المتوتر، بانتظار من سيملك القدرة على تحويل القوة إلى سياسة، والصراع إلى معادلة قابلة للاستمرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى