حلاوة “العودة”

صوت المكان والإنسان
صالح ولولي .. أسطورة الغناء النوبي
تقرير: سراج الدين مصطفى
الجذور النوبية:
ولد صالح محمد موسى المعروف بصالح ولولي عام 1936 في اشكيت بوادي حلفا ونشأ في بيئة نوبية صنعت علاقته المبكرة بالغناء واللغة والذاكرة الشعبية ثم أصبح واحدا من أبرز الأصوات التي حملت ملامح الثقافة النوبية إلى مساحات أوسع وظلت تجربته مرتبطة بحلفا والنيل والإنسان النوبي وقضاياه وهمومه وتحولاته عبر السنوات.
رحلة الحياة:
عاش ولولي تجربة الهجرة إلى مصر في شبابه وكانت رحلته من حلفا إلى أسوان سيرا على الأقدام واحدة من المحطات اللافتة في حياته إذ استغرقت نحو واحد وعشرين يوما ثم عاد إلى حلفا عام 1957 حاملا معه تجارب جديدة أسهمت في تشكيل رؤيته الفنية وتوسيع صلته بالمجتمع النوبي وموروثه الشعبي.
صوت النوبة:
لم يكن صالح ولولي مجرد مطرب يؤدي الأغنيات وإنما كان شاعرا وملحنا وراويا للذاكرة النوبية فقد ارتبط اسمه بمحاولات تطوير شكل الأغنية وإدخال حضور أوضح للرقص المصاحب لها مع استخدام الطار كما انتقل من الموضوعات العاطفية وحدها إلى تناول قضايا المجتمع والوطن والتراث والفلكلور بصورة واسعة ومؤثرة في الوجدان النوبي.
ذاكرة حلفا:
كانت حلفا والنيل حاضرين بقوة في عالم صالح ولولي الفني فغنى للإنسان والمكان والذكريات والتحولات التي عاشتها المنطقة كما تناول قضية التهجير وما تركته من أثر عميق في الوجدان النوبي ولذلك تحولت أعماله إلى مساحة لحفظ تفاصيل اجتماعية وثقافية يصعب فصلها عن تاريخ وادي حلفا واهله وذاكرته الممتدة القديمة المعاصرة.
غزارة الإنتاج:
اشتهر ولولي بغزارة إنتاجه الفني ونسبت إليه رواية تقول إن رصيده بلغ نحو ثلاثة آلاف أغنية وهو رقم يصعب التحقق منه بصورة دقيقة لغياب فهرس شامل لأعماله لكن الثابت أن كثرة إنتاجه جعلته من أبرز أصحاب التجارب الغنائية الغزيرة وأن أعماله شملت موضوعات متنوعة ومتعددة في مضامينها وأساليبها عبر السنوات.
حضور واسع:
تجاوز حضور صالح ولولي حدود المنطقة النوبية وشارك في محافل فنية ورسمية ومثل الأغنية النوبية في مناسبات خارج السودان ومن أبرز محطاته مشاركته في مهرجان العالم العربي في باريس عام 2005 كما ارتبط بصلات مع مهتمين بالآثار والتراث النوبي وهو ما منح تجربته حضورا يتجاوز حدود الغناء المحلي داخل السودان.
إرث متصل:
تكمن قيمة تجربة صالح ولولي في جمعها بين الفنان الشعبي وصاحب المشروع الثقافي فقد حمل النوبة في اللغة والموضوع والإيقاع والرقص والذاكرة وجعل الأغنية وسيلة لحفظ الهوية والتاريخ واستمرار الحكاية ولم يتوقف أثره عند جيله فقد واصلت ابنته ذكريات صالح ولولي الغناء وحملت جانبا من تراث والدها إلى أجيال جديدة.
حضور راسخ:
رحل صالح ولولي في الخامس من أبريل عام 2014 بعد معاناة مع المرض لكنه ترك حضورا راسخا في الوجدان النوبي وظلت أغنياته وشخصيته الفنية شاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ الغناء النوبي وتبقى تجربته جديرة بالتوثيق والدراسة لأنها تجمع الفن بالهوية وتحفظ ذاكرة مجتمع كامل للأجيال القادمة وفي ذاكرة النوبة.
////////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
الجيلاني الواثق .. الفنان الذي ظلم نفسه
شاهدت عبر قناة النيل الأزرق سهرة كاملة للفنان الجيلاني الواثق ويبدو أنها سجلت قبل عدة أشهر وظهرت ضمن المواد التي تعرضها القناة في فترات توقف البث الصباحية وقد لفتت انتباهي منذ المشاهدة الأولى لأنها كانت سهرة مختلفة وممتعة واحتفت بفنان يستحق الإنصاف وفتحت الباب لاكتشاف تجربة جديرة بالتأمل والاستماع المهم.
السهرة المميزة:
السهرة في تقديري واحدة من أجمل السهرات التي شاهدتها خلال الأخيرة على فضائية سودانية فقد جمعت بين الأداء الجيد والحضور الجميل والاختيارات الغنائية التي كشفت جوانب متعددة من تجربة الجيلاني الواثق وكان الأهم أنها قدمته بعيدا عن الأحكام المسبقة التي ظلت تحاصر اسمه وتجربته بسبب موقف قديم التصق به طويلا.
ظلم قديم:
الجيلاني الواثق من الفنانين الذين تعرضوا لظلم واضح بسبب تصريح قال فيه إنه ملك الجاز المتوج وهو تصريح لم يتقبله كثيرون من السودانيين بسبب المكانة الكبيرة التي يحتلها الفنان شرحبيل أحمد في الوجدان العام باعتباره ملك الجاز السوداني وقد تحول التصريح مع مرور الوقت إلى حاجز يحجب تجربة الجيلاني الحقيقية.
حكم متعجل:
المشكلة أن كثيرا من الأحكام تصدر من تصريح عابر ثم تتحول إلى موقف يلاحق صاحبه لسنوات وهذا ما حدث مع الجيلاني الواثق فقد أصبح التصريح أشهر من تجربته نفسها وغاب عن الفن أن الفنان يمكن أن يخطئ في التعبير دون أن يكون ذلك سببا كافيا لإلغاء مشروعه أو تجاهل قيمته.
تجربة مختلفة:
السهرة أعادت تقديم الجيلاني الواثق بالصورة التي يستحقها وكشفت أن تجربته ليست عابرة ولا قائمة على ادعاء المكانة بل هي تجربة فنية تحمل قدرا واضحا من الوعي والتجريب وتتحرك بين القديم والحديث بمرونة كبيرة وتمنح الأغنية السودانية مساحة حقيقية واسعة ورحبة للتجديد دون أن تقطع صلتها بجذورها أو تنكر تاريخها.
موسيقى متجددة:
كل الأغنيات التي قدمها الجيلاني في السهرة بدت كأنها نماذج حية لمشروع يسعى إلى التغيير ويبحث عن مساحات جديدة في الموسيقى السودانية فقد ظهر قادرا على التعامل مع الأشكال القديمة بروح معاصرة وعلى تقديم الجديد دون افتعال وهو ما يؤكد أن تجربته تستحق القراءة بعيدا عن التصنيفات الجاهزة والأحكام المسبقة.
استحقاق فني:
ما شاهدته يؤكد أن الجيلاني الواثق صاحب لونية بديعة تمتلك خصوصيتها وتستند إلى قدرة على المزج بين عناصر متعددة وهو فنان يعرف كيف يحافظ على روح الأغنية السودانية وفي الوقت نفسه يفتح نوافذها على أفكار موسيقية اتساعا ولذلك فإن إنصاف تجربته لا يعني انتقاصا بل يعني وضعه في مكانه الصحيح.
رد الاعتبار:
ربما تكون قيمة هذه السهرة الأكبر أنها منحت الجيلاني الواثق فرصة ليقول فنه بنفسه بعيدا عن التصريح وبعيدا عن المقارنة مع شرحبيل أحمد فالفنان لا ينبغي أن يحاكم بجملة واحدة وإنما بما يقدمه عبر سنواته وهذه السهرة كانت مناسبة لإعادة اكتشاف تجربة ظلت طويلا خارج دائرة الضوء وتستحق الإنصاف والاهتمام.
///////////////////
نص كلمة
حسين شندي .. بين الأصالة والتجديد !!
تجربة مختلفة:
حسين شندي فنان صاحب تجربة غنائية مختلفة رغم ارتباطها الواضح بالكلاسيكية والتقليدية ويعد واحدا من أبرز مطربي ما يعرف بالفن الشعبي وقد تميز مبكرا بمحاولته تطوير أدوات هذا اللون حين استعان بالفرقة الموسيقية متجاوزا الآلات الشعبية وحدها ليمنح تجربته مساحة أوسع من التوزيع والتعبير ويحافظ في الوقت ذاته على هويته الغنائية.
نقلة مهمة:
شهدت مسيرة حسين شندي الفنية نقلة كبيرة عندما اتجه إلى الغناء من ألحان صلاح إدريس المعروف فنيا باسم علي أحمد وهي تجربة منحت صوته حضورا مختلفا وفتحت أمامه مساحة جديدة للانتشار فقد وجد في ألحان صلاح إدريس ما يتناسب مع قدراته الصوتية ويمنح تجربته بعدا أكثر حداثة دون التخلي عن جذوره.
أغنية علامة:
تأتي أغنية الراقي إحساسك في مقدمة الأعمال التي جمعت بين حسين شندي وصلاح إدريس وتعد واحدة من الأغنيات المهمة في مسيرة الفنانين معا فقد كشفت عن قدرة شندي على تقديم اللون الشعبي بروح أكثر انفتاحا كما رسخت حضوره وسط الجمهور وأصبحت من العلامات البارزة في تجربته الغنائية ومسيرة صلاح إدريس اللحنية كذلك.
////////////////////
أسماء فى الذاكرة
عوض جبريل:
شاعر غنائي سوداني ترك اثرا واضحا في مسيرة الأغنية السودانية من خلال لغة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه واستطاع ان يجعل من المفردة اليومية مادة شعرية محببة للمغنين والجمهور وارتبط اسمه بعدد من الأعمال الغنائية التي ما زالت حاضرة في الذاكرة السودانية وتكشف عن حسه الإنساني وقدرته
على التعبير الصادق.
مصطفى سيد أحمد:
من الأصوات التي غيرت شكل الأغنية السودانية الحديثة وجعلت الكلمة الشعرية محورا أساسيا في التجربة الغنائية امتلك مشروعا فنيا شديد الخصوصية وجمع بين عمق النص وجمال اللحن وصدق الأداء وتحول مع مرور السنوات إلى رمز فني وانساني تجاوز حدود الأغنية ليصبح جزءا من الذاكرة الثقافية السودانية الحديثة.
عبد القادر سالم:
فنان سوداني ارتبط اسمه بالغناء الكردفاني وقدم تجربة ساهمت في نقل هذا اللون إلى مساحة أوسع داخل المشهد الغنائي السوداني حافظ على خصوصية الإيقاع واللحن واللغة المحلية وفي الوقت نفسه امتلك قدرة كبيرة على الوصول إلى الجمهور خارج كردفان مما جعله واحدا من أهم الأصوات التي حملت تراث المنطقة.
محمد وردي:
تجربة محمد وردي تمثل واحدة من أكثر التجارب تأثيرا في تاريخ الغناء السوداني فقد جمع بين جمال الصوت واللحن المتطور والاختيار الدقيق للنصوص واستطاع ان يخرج بالأغنية من إطارها التقليدي إلى فضاءات أكثر رحابة وظل حضوره ممتدا عبر أجيال متعاقبة جعلت من تجربته مرجعا مهما للموسيقى السودانية.
إسماعيل حسن:
شاعر غنائي شكل مع عدد من كبار المطربين مرحلة مهمة في تاريخ الأغنية السودانية وتميزت كتابته بالبساطة والحميمية والقدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى صور شعرية مؤثرة ارتبط اسمه بأعمال غنائية راسخة وأثبت ان قوة الأغنية لا تأتي من اللحن وحده بل من قدرة النص على ملامسة الناس.



