منى ابوزيد تكتب : سنوات الغضب ..!

هناك فرق..
“الغضب الذي لا يعرف لماذا وُجد يسهل أن إقناعه إلى أين يذهب”..!
في ظاهرها قد تبدو الأزمات الاقتصادية مجرد أرقام، نسب تضخم، معدلات بطالة، عملة تتراجع، وأسواق تضيق بالجبايات من جهة والغلاء من جهة أخرى. لكن في عمقها هي ليست أرقاماً ومعدلات بقدر ما هي مشاعر متراكمة” قلق، خوفٌ، وشعور جمعي بالخذلان”..!
وهنا تحديداً تبدأ السياسة في الإصغاء، ليس لأنها تريد أن تُنهي الأزمة بالضرورة، بل لأنها تدرك أن الغضب الذي تُنتجه يمكن أن يصبح طاقة قابلة للتوجيه. فالغضب حين يتراكم بلا أفق واضح فهو لا يبحث عن حلول بقدر ما يبحث عن معنى أو عن متهم. وهكذا، تتحول المعاناة إلى لغة. ثم تبدأ السلطة – أو من يسعى إليها – في ترجمة هذا الغضب إلى روايات “من المسؤول، من سرق الفرص، من تسبب في الانهيار”، ولا يكون الهدف دائماً تقديم إجابة دقيقة، بقدر ما يسعى إلى تقديم إجابة قابلة للتصديق..!
أما لماذا فلأن الجماهير في لحظة الضيق لا تبحث عن التعقيد، بل عن وضوحٍ يُريحها، حتى لو كان مُبسطاً حد الاختزال. وهنا، يتشكّل ما يمكن تسميته بااقتصاد الغضب. حيث لا تُدار الأزمة فقط بوصفها مشكلة تحتاج إلى حل، بل بوصفها مورداً سياسياً يمكن استثماره. ولأن الغضب لا يبقى معلقاً في الهواء، فإن السياسة قد تتكفل أحياناً – بمهارةٍ لافتة – بأن تمنحه اتجاهاً..!
حين ترتفع الأسعار مثلاً لا يُترك الأمر بلا تفسير، بل تُصاغ له حكاية “تاجر جشع هنا، مؤامرة هناك، أو إرث ثقيل يُلقى على أكتاف من سبقوا”. وحين يتسع هامش البطالة لا تبقى الأمر سؤالاً اقتصادياً معقداً، بل تتحول – بهدوءٍ مقصود – إلى اتهامٍ مباشر “هناك من أخذ مكانك، هناك من سرق فرصتك، حتى لو لم يكن ذلك صحيحاً تماماً”..!
وفي لحظات الانفجار الكبرى حين يخرج الناس إلى الشوارع لا يكون الهدف دائماً إخماد الغضب، بل إعادة تشكيله أحياناً، فيتم تقديم مذنب مناسب، وتُقال وعود كافية لتهدئة اللحظة، ثم يُعاد توجيه الأنظار نحو خطر أكبر..!
حتى في الفضاء الرقمي لم يعد الغضب ملكاً لأصحابه. تُعيده الخوارزميات إنتاجاً وتضخيماً، وتُبقيه حيّاً متجدداً وجاهزاً للاستثمار في أي لحظة، وكأننا لا نعيش الأزمات فقط بل نعيد استهلاكها مراراً..!
وهكذا لا تعود الأزمات مجرد اختلالات تحتاج إلى إصلاح، بل تتحول ببطء إلى موارد سياسية، يُعاد تدوير الأزمة، يُعاد تعريفها، ويُعاد تقديمها في صورةٍ تخدم من يعرف كيف يروي الحكاية بشكل أفضل. أما المفارقة الكبرى فهي أن الغضب الذي يُفترض أن يُحاسب السلطة هو ذاته الذي يمكن أن يُستخدم لإعادة إنتاجها. لأن من ينجح في تفسير الأزمة يملك فرصة أكبر في قيادتها. ومن يقدم سردية مقنعة حتى وإن كانت ناقصة يستطيع أن يحوّل السخط إلى ولاء مؤقت، أو على الأقل إلى صمت قابل للاستمرار..!
لكن، ما الذي يحدث للمجتمع خلال هذه العملية؟. يتعلم ببطء أن يرى أزماته من خلال الغضب فقط، وليس من خلال الفهم “يختزل التعقيد في عناوين سهلة، ويبحث عن مسؤول واحد لكل شيء، حتى لو كانت الحقيقة أكثر تعقيداً”. مع الوقت، يصبح الغضب حالة دائمة ومزاج عابر يمكن استدعاؤه وإدارته وتوجيهه..!
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الغضب ذاته، بل في اعتيادنا عليه “أن نصبح أكثر قدرة على الغضب من قدرتنا على التفكير، وأن نشعر أن الانفعال فعل، وأن الصراخ موقف، وأن التعبير عن الألم كافٍ لاستفزاز الحلول”. وهنا، تفقد السياسة أحد شروطها الأساسية – العقل – وتتحول إلى سباق بشأن من يستطيع أن يصرخ أكثر، لا من يفهم أفضل..!
ولهذا لا تنتهي الأزمات بسهولة، لأنها في بعض الأحيان لا تكون مجرد مشكلة بل تصبح جزءاً من المعادلة التي تُبقي السلطة في مكانها. إنما لا شك أن هناك فرق – بطبيعة الحال – بين الغضب الذي يدفعنا إلى تغيير ما لا يُحتمل، والغضب الذي يُعاد تشكيله ليجعلنا نحتمل ما لا يجب علينا احتمال!.
munaabuzaid2@gmail.com



