إعلان “بانجول” على خط الأزمة السودانية

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وعلى مدار عقود ظل ملف حقوق الإنسان في السودان قيد النظر والدراسة و”التحقيقات” من قبل المنظمات الإقليمية والدولية والحكومات، والتي ترى بأن واقع هذه الحقوق في السودان مرتبط بالحالة السياسية والأمنية فيه، والتي لم تعرف استقرارًا يجعل الحق الإنساني مصانًا على مستوى المواطن السوداني.
هذه المرة نعيد البصر كرّتين في الإعلان الذي صدر في ١٢ مايو خلال الدورة العادية السابعة والثمانين للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، المنعقدة في “بانجول” عاصمة جمهورية غامبيا، والذي جاء تأسيسًا على تقارير البعثة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان.
أولًا.. ألا ننظر لما صدر عن اجتماع “بانجول” في حدود أنه “بيان” بروتوكولي جرت العادة أن يكون جزءًا من برامج الختام في الفعاليات التي تناقش شأنًا عامًا، بقدر ما أن إعلان “بانجول” كان يقدم الرؤية الجديدة لعيون العالم والمجتمع الإقليمي والدولي لما يحدث في السودان جراء استمرار الحرب والانتهاكات التي صاحبتها.
“اللغة” التي صدر بها الإعلان تقول بأن هنالك تحولًا جذريًا في مواقف وخطاب المجتمع الدولي والإقليمي، ويعبر عن حالة الالتباس الحقيقية حول من يملك رواية “الحقيقة”، وأن نقاشات تحقيق “العدالة” في كل مستوياتها تطلب ابتداءً إيقاف الحرب، وهو البند الأول الذي تم الاهتمام به عند صياغة الإعلان، ونحن هنا يجب أن نتوقف عند مفترق الطرق الذي تقف فيه الإرادة الدولية في مثل الحالة الإنسانية في السودان، وأي من الطرق تختار مسارات العدالة للتعامل مع ملف الانتهاكات في السودان.
هل الأولوية في الطريق للقادمين من أقصى يمين إيقاف الحرب أولًا، ومن ثم الانصراف لمسائل إيصال المساعدات الإنسانية وفتح النقاش حول الحل السياسي للأزمة؟ أم الطريق الأفضل هو للقادمين من أقصى يسار الحلول بضرورة التعاطي مع الملف بكل مطلوبات العدالة، ليشمل مسارات المحاسبة والعقوبات لكل المرتبطين بالانتهاكات؟
(*) “الثابت” و”المتحرك” في إعلان بانجول..
برأيي أن اليد التي كتبت إعلان بانجول تركت ذات البصمات التي ظهرت في كل بيانات المنظمات التي مضت في ذات اتجاه قراءة حالة حقوق الإنسان المترتبة عن الحرب في السودان، سواء لمنظمات أو حكومات، وأن الإعلان لم يخرج عن الخارطة العامة كمسار اتفاق عليه صار “شرط وجوب” بالتعبير عن حالة الرفض لخيارات المتحاربين بحسمها ميدانيًا، باعتبار أن الاستمرار فيها حتى الوصول لنقطة الحسم العسكري يحمل تكاليف باهظة على مستوى المدنيين، وبالتالي فإن التشديد على فكرة الإيقاف الفوري للحرب.
تركيز الإعلان المنصب ناحية حماية المدنيين يتضح بشكل واضح في الفقرات التي تحدثت عن ضرورة وصول المساعدات للمتضررين، وأن المجتمع الدولي غير راضٍ بشكل تام عن مستوى التعاون على أرض المعركة، وعن حالة “الحركة” وعدم الثبات في الالتزامات المقدمة بخصوص حماية العاملين في مجال المساعدات الإنسانية.
إعلان بانجول، برأينا، عبر صراحة كذلك عن حالة عدم الرضى الإقليمي بسبب “عدم التعامل” الكامل مع بعثات تقصي الحقائق الدولية، والذي يفسر من قبل اللجان بأنه تعطيل لمسارات العدالة والتحقيق في ملف الانتهاكات، وأن المليشيا، على سبيل المثال، وعلى الرغم من خطاب “الديمقراطية” الذي تتبناه عبر كل خطاب قادتها ومنصاتها الإعلامية، إلا أن “التفلت” والنزوع في التصرفات بالنسبة لقادتها الميدانيين لكل ما يمكن تسميته بالانتهاكات وجرائم الحرب المنهي عنها في كل المواثيق الدولية، هو الذي يقود لإلحاح إعلان بانجول على التشديد بضرورة التعاون مع لجان التحقيق وتقصي الحقائق.
الإعلان أيضًا يرد على حالة الخلط بين مفهوم “السيادة” ومسارات تحقيق العدالة الدولية لدى الحكومة السودانية، والتي ظلت، بناءً على هذا الخلط، على الدوام تدفع بموقف الرفض للجان التحقيق المشكلة لدراسة الملف والتحقيق فيه، وأنها ظلت تنظر لمسألة التعاون مع لجان التحقيق وكأنها تحمل تقارير وقرارات جاهزة بالإدانة، وأنها تريد أولًا أن تطمئن لمخرجات لجان تقصي الحقائق، وأنها في تقاريرها لن تكتب ما يسجل أي دليل إدانة يضعف موقفها في المنصات الدولية.
الموقف “الثابت” من الحكومة السودانية و”المطلق” بعدم التعاون الكامل مع لجان التحقيق والتقصي ينقل الحكومة إلى خانة “المتهم” بعدم التعاون مع آليات العدالة الدولية التي ترغب في توثيق الجرائم.
الإعلان لم يغفل جانب بناء عملية سياسية شاملة تضع حدًا للصراع في السودان، وبالتأكيد أن مجيء الإعلان على هذا الجانب يأتي تعبيرًا للرد على الموقف الحكومي الرافض تمامًا لكل سيناريوهات الحل السياسي الشامل، بل و”شيطنة” المشهد المدني بما يخلق العراقيل أمام إكمال حلقات الحل في السودان.
الإعلان أيضًا يعبر صراحة عن الرفض للمسار الذي اتخذته المليشيا في تشكيل حكومة “موازية” في نيالا، تعبيرًا عن حالة التنازع في الشرعية، وأن هذا المسار من شأنه تعقيد المشهد المتأزم أصلًا.
“الثابت” والذي لم يتغير في سلوك الحكومة السودانية هو الرفض لكل ما جاء في الإعلان بخصوص تقارير لجان تقصي الحقائق، باعتبار الدفاع عن موقفها في كل الاتهامات التي جاءت صراحة في التقارير، وذلك من موقع الرفض لمساواتها مع المليشيا.
دفع الوفد السوداني بحجج نقص ملف التحقيق في النواحي القانونية لانتقاد إعلان “بانجول” يتعارض مع موقفه من عدم قبول لجان التحقيق المستقلة واعتمادها على مقابلات خارجية. وإن كان يشكل نقصًا في الجانب القانوني، فالتبرير للجنة القانونية هو أنه غير مسموح لها بإجراء تحقيقات مستقلة داخل السودان وفي مناطق النزاع.
(*) تأثيرات إعلان بانجول..
يجب إعطاء الإعلان حجمه وتأثيره المتوقع، ويجب أن تعلم الحكومة بأن الرفض ليس كافيًا لتفادي تأثيرات الإعلان، خاصة وأنه صادر عن “لجنة أفريقية لحقوق الإنسان” و”بعثة تقصي دولية مستقلة”، إضافة لاستخدام “الإدانة المزدوجة” في لغة الإعلان، ما يقطع الطريق أمام سردية الشرعية المطلقة والتساوي في الإدانة الحقوقية، الشيء الذي سينقل الحرب من مربع الصراع السياسي إلى مربع ملف “جرائم”، والتكافؤ هو الاتجاه الذي مضى ناحيته الإعلان في “بانجول”.
لا يمكننا إخراج الإعلان من إطار الصراع في النفوذ في البعد الإقليمي والدولي، والذي تحتاج فيه الخرطوم إلى حسابات لا تفقدها السند الإقليمي في مواجهة الضغط الدولي، وأن عليها أن تعلم بأن طبيعة صراع النفوذ هذا لا تتحمل الفراغ، وأن أي مساحات يفقدها موقف الحكومة بنوعية هذا الرفض ستكون متاحة لملئها برؤية الخصوم.



