ايمن كبوش يكتب : ضد الانكسار.. (1)

أفياء..
# زرت (4) ولايات، هي البحر الاحمر والخرطوم والجزيرة وسنار، خلال 21 يوما من عمر الزمان، والرحلة التي جاءت ذهابا وإيابا لبورتسودان والخرطوم ومدني، وقفت خلالها، ولله الحمد، على حقيقة موحية هي أن الإنسان السوداني سيظل عصيا على الانكسار، بدليل أن معظم مواطني المناطق التي زرتها، لا يرددون سيرة الحرب كثيرا، الا على سبيل (الشكر والحمد لله) الذي أذهب عنهم الأذى وعافاهم من جيوش التتار التي افزعتهم وافقرتهم، ولكنها لم تكسر إرادتهم ولم تقتل حلمهم في أن يعود السودان ناهضا قويا عزيزا مقتدرا من الركام.
# في بورتسودان.. حاضرة ولاية البحر الاحمر.. بلد الغربان الناعقة والصيف الحارق.. أدركت أن السياحة في السودان مازالت (كما مهملا) في يوميات وحجم مسؤوليات وزارة الثقافة والاعلام، يغازل الساحل الاحمر بروق الاحلام والامنيات.. ولكن للاسف الشديد، لم تستفد المدينة الساحرة، من فترة وجود الحكومة المركزية بها، عندما اتخذتها عاصمة بديلة، فلم تنشيء صرحا واحدا تستند عليه في أحاديث التجربة وعبق الذكريات، بل استغلت الإرث القديم الذي عمرته حكومة الراحل المقيم (محمد طاهر باشا ايلا)، فيما وقفت عمارات وعماير صندوق الضمان التي شارفت على الاكتمال، صامتة على بؤس التدابير الحكومة، وكان بالإمكان افضل مما كان بالتوسع بإكمال نواقص المنشأت الضخمة التي اوقفتها سيوف عشر التمكين ذات حين.
# وفي مطار المدينة الساحلية الجميلة، تتوقف الراحلة عند الطريق البديع الذي رسم بعناية ليؤكد قدرة الصانع السوداني على تقديم منجز مكتمل، يقهر احبولة نقص التمويل والتلاعب في جداول الكميات، ثم لابد أن نبعث بتحية اجلال واكبار لمن اختار المكان بعيدا عن العمران واكتظاظ السكان، ولكن، يعبّر حال المطار وبؤسه عن امعان متعمد في عدم استفادة المدينة من وجود الحكومة المركزية التي أخذت ولم تعط، وذلك ببطء اعمال التوسعة، وسوء صالة القدوم ثم المغادرة وسلحفائية الإجراءات التي تصنع تكدس مسافري السوق الشعبي لدرجة أن الدخول الى صالة السلامة، قد يحتاج لعضلات من أجل المعافرة والمدافرة، ولا عزاء للماجدات من السيدات.
# أما المشاهدات التي ارتدينا لأجلها (نظارة بمبية) لكي نرى الجانب الفرائحي في بلد خارج من أتون الحرب، لمسناه في ساحل البحر الأحمر، ذاك الذي مازال يحتفي بالنوارس والعابرين، مثل احتفاء البسطاء بالبارجة التركية التي تصنع الضوء، المقاهي والمطاعم وإقبال الناس على الدنيا بصدر مفتوح، كل ذلك يصنع شيئا غائبا ابعد من الفرح بالاشياء الصغيرة.. هذه الحيوية هي ما أكدت لي أن انسان السودان، عصي جدا على أن ينكسر.. سوف تظل الخرطوم (المحلية) محل نظر.. صحيح قد عاد (شارع الستين) بحيوية المدن الكبيرة، ولكن مازال سكان المنطقة في مدينتي والشروق والتجمع الاول والخامس والشيخ زايد وبقية المنافي ومدن الصقيع.. ولن يعودوا لأن مدينتهم الخرطوم مازالت أكثر تأثرا بالحرب، بينما ضاع السوق العربي الذي كان… تلاشى بفعل القصف وصار شاحبا يشبه مدن الحرب المدمرة، أما مدني.. مدني السني.. فقد عادت المدينة التي ضربت مظاهر الحرب (عشرة صفر)، ومازال صدرها مفتوحا وممراحا ينتظر ذكريات إلى الايام الخوالي..
# المشاهدات الإيجابية في مدن السودان الآن بعدد الحصى، في ام درمان وكرري والكلاكلات وامبدات والكاملين وسنار وسنجة.. حيث عادت المدن بصبر المواطنين، لتضع بين كل متر او مترين (مخبزا) ثم مطعما ثم مقهى.. بينما انصرف البعض إلى مشاريع واعدة مثل اللجوء إلى (الطاقة البديلة) وكأنهم يمدون ألسنتهم الطويلة لام دباكر وسد مروي وبحري الحرارية والروصيرص.. الإنسان اسرع خطوة نحو التعافي من الحكومة التي تبدو عاجزة عن أدنى اختراق أو معالجات لاثار الحرب.. ولكن الدنيا تمضي بخيرها وشرها والإنسان السوداني سوف يظل عصيا على الانكسار.



