“العودة” تحاور العميد الركن دكتور جمال الشهيد
السودان يخوض معركة مركبة والدولة ما زالت تحتفظ بالردع."

حاورته : نشوة أحمد الطيب
أسرار صمود القوات المسلحة بين الجبهات ومعادلات الردع
بين تعدد الجبهات وتهديدات الفوضى، يبقى السودان صامداً، في هذا السياق، أجرت صحيفة العودة حواراً مع العميد الركن دكتور جمال الشهيد، خبير عسكري واستراتيجي، ليكشف كيف تحافظ القوات المسلحة والقوات المساندة على الدولة وتوازنها الاستراتيجي وسط أزمات متصاعدة.
الحوار يكشف آليات الردع العسكري، ودور الشرطة والمخابرات في حماية المدنيين والمرافق الحيوية، والشراكات العملياتية مع القوات المشتركة والمستنفِرين، والتضحيات التي قدمها السودانيون دفاعاً عن سيادتهم، إضافة إلى جهود إعادة الحياة إلى المدن والولايات بعد فترات من الفوضى والتهديدات المستمرة.
“قوات درع السودان بقيادة اللواء أبو عاقلة كيكل قدمت نموذجاً للقوة المساندة المنضبطة.”
“المليشيات تواجه تحديات لوجستية وانقسامات تقلل فعاليتها.”
“السيطرة على الفاشر وبارا تمنع توسع المليشيات.”
“الشرطة والمخابرات تحمي المدنيين وتعيد الاستقرار للمؤسسات.”
“المجتمع الدولي مطالب بدعم المؤسسات الشرعية وتحييد الصراع عن الحسابات الجيوسياسية.”

س: كيف تقيم الوضع العسكري والأمني في السودان اليوم؟ وفيما يتعلق بمناطق سيطرة الدولة هل هي مؤمنة بالكامل أم أن هناك فراغات حرجة؟
ج: لا تُقاس الحروب فقط بعدد المعارك، بل بقدرة الدولة على الصمود وسط تعدد الجبهات، وإدارة الصراع دون أن تفقد توازنها الاستراتيجي. السودان اليوم يخوض معركة مركبة؛ عسكرية وأمنية وسيادية، في مواجهة مشروع تفكيك استهدف بنية الدولة ومؤسساتها. غير أن ما حدث خلال الأشهر الماضية أكد حقيقة جوهرية في غاية الأهمية أن السودان، رغم قسوة التحدي، ما زال يمتلك أدوات الردع، ومرتكزات البقاء.
القوات المسلحة السودانية أثبتت قدرتها على إدارة مسارح عمليات متعددة، مع الحفاظ على مراكز الثقل السيادي، وتأمين القيادة العامة، والمؤسسات الاستراتيجية، والمرافق الحيوية. لم يكن الهدف فقط استعادة الأرض، بل منع انهيار الدولة، وهو ما تحقق بفضل تماسك القيادة والسيطرة والانضباط العملياتي.
س: ما قدرة الجيش السوداني والقوات المساندة على مواجهة جبهات متعددة في الوقت نفسه؟
ج: في تقديري أن اتساع رقعة الاشتباكات في دارفور وكردفان، ومحاولات فتح جبهات في النيل الأزرق، لم تكن مجرد تحركات ميدانية، بل كانت جزءاً من استراتيجية تشتيت تهدف إلى إنهاك الدولة وإجبارها على القتال في أكثر من اتجاه ، لكن معادلة الردع لم تُكسر ، القوات المسلحة السودانية أثبتت قدرتها على إدارة مسارح عمليات متعددة، مع الحفاظ على مراكز الثقل السيادي، وتأمين القيادة العامة، والمؤسسات الاستراتيجية، والمرافق الحيوية ، لم يكن الهدف فقط استعادة الأرض، بل منع انهيار الدولة، وهو ما تحقق بفضل تماسك القيادة والسيطرة والانضباط العملياتي. في الحروب غير التقليدية، يكون التفوق المعنوي والتنظيمي أحياناً أهم من التفوق العددي. وقد حافظت القوات المسلحة السودانية على بنيتها المؤسسية، وعلى قدرتها على التخطيط بعيد المدى، وعلى استخدام القوة وفق حسابات استراتيجية، لا انفعالية ، ومع كل جبهة تُفتح، كانت المؤسسة العسكرية تعيد ترتيب أولوياتها دون أن تفقد زمام المبادرة. هذه القدرة على امتصاص الصدمة وإعادة الانتشار شكلت أساس معادلة الردع الحالية ، أحد أهم ملامح هذه المرحلة هو تشكل اصطفاف وطني واسع حول الدولة. قوات درع السودان بقيادة اللواء أبو عاقلة كيكل قدمت نموذجاً للقوة المساندة المنضبطة تحت مظلة الشرعية، وأسهمت في تثبيت عدد من المحاور الحيوية.
كما لعبت القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح دوراً مهماً في تأمين مداخل دارفور وبعض المناطق ذات الحساسية الاستراتيجية، مستفيدة من معرفتها بطبيعة الأرض ، هذا التنسيق لم يكن تحالف ضرورة مؤقتاً، بل تطور إلى شراكة عملياتية عززت معادلة الردع، ومنعت المليشيات من تحقيق اختراقات حاسمة.
س: هل توسع عمليات المليشيات في النيل الأزرق وكردفان يمثل تهديدًا استراتيجياً للسيادة الوطنية الآن؟
ج: اتساع الجبهات كان اختبار إرادة لا اختبار قدرة. المحاولات في هذه المناطق جاءت في إطار استراتيجية إنهاك، لكنها لم تنجح في كسر مراكز الثقل السيادي أو إحداث انهيار مؤسسي. حتى الآن، لم تتمكن تلك المليشيات من تحويل تحركاتها إلى سيطرة استراتيجية طويلة المدى، وهو ما يعكس فعالية الانتشار الدفاعي والهجومي المتوازن للقوات النظامية.
س: كيف تقرأ دور الأطراف الإقليمية والدولية في إعادة إشعال النزاعات في بعض الولايات؟
ج: إلى الإقليم والمجتمع الدولي: استقرار السودان مصلحة مشتركة. لذلك مطلوب دعم المؤسسات الشرعية ومنع تدفق السلاح وتحييد الصراع عن الحسابات الجيوسياسية، فهو الطريق الأقصر للأمن الإقليمي.
س: ما الهدف العسكري الحقيقي وراء محاولات المليشيات فتح جبهة في النيل الأزرق؟
ج: الهدف يتمثل في محاولة إنهاك الدولة عبر فتح جبهات متعددة وتشتيت الجهد العملياتي، ضمن استراتيجية تشتيت متعمدة لإجبار القوات النظامية على القتال في أكثر من اتجاه.
س: هل لهذه المناوشات تأثير مباشر على تقدم الجيش في كردفان ودارفور؟
ج: الوضع في الفاشر وبارا ومحيط كردفان يعكس طبيعة الصراع على عقد المواصلات. السيطرة هنا ليست رمزية، بل لوجستية. تأمين مداخل دارفور الكبرى ومنع فتح ممرات جديدة يمثلان حجر الزاوية في منع توسع المليشيات.
حتى الآن، لم تتمكن تلك المليشيات من تحويل تحركاتها إلى سيطرة استراتيجية طويلة المدى.
س: وماذا عن الوضع في بارا اليوم؟
ج: بارا جزء من معركة الطرق في كردفان، وتعكس طبيعة الصراع اللوجستي على عقد المواصلات، حيث ترتبط السيطرة فيها بأهمية الإمداد والتحرك العملياتي.
س: كيف تصفون الوضع اللوجستي لميليشيا الدعم السريع؟ وهل يمكنها الصمود أمام الجيش السوداني إذا توسعت المواجهات؟
ج: في المقابل تواجه المليشيات تحديات لوجستية متزايدة، واعتماداً كبيراً على خطوط دعم غير مستقرة. كما أن الانقسامات الداخلية ذات الطابع الإثني والتنظيمي بدأت تؤثر على مستوى الانضباط والفاعلية القتالية.
وهنا أود الإشارة إلى حركة تسليم واسعة انتظمت صفوف المليشيا خلال الأسبوعين الماضيين، حيث سلمت أربع مجموعات قتال إلى رئاسة الفرقة الخامسة بالأبيض، ولحقت بها أكبر مجموعة من المقاتلين التابعين لهذه المليشيا من أبناء قبيلة المحاميد وسلمت للزعيم الناظر موسى هلال بمنطقة مستريحة وسط احتفالية كبيرة واستعراض للقوة المسلمة، فيما وُصف لاحقاً بالانقلاب العسكري داخل صفوف المليشيا.
ومع تصاعد الضغط العسكري والاستخباراتي، تتقلص مساحات المناورة، ويصبح الصمود أكثر كلفة.
س: هل هذه الانقسامات الإثنية داخل قوات المليشيا حقيقية، وما تأثيرها على قدرتهم القتالية؟
ج: نعم، الانقسامات الإثنية والتنظيمية واضحة، وقد بدأت تؤثر فعلياً على مستوى الانضباط والفاعلية القتالية، كما تعكسها حركة التسليمات الأخيرة والتطورات داخل صفوفهم.
س: ما تقييمكم للوضع في مدينة الفاشر وما حولها؟
ج: الفاشر تمثل محوراً مهماً في الصراع على دارفور، وتأمينها يرتبط بمنع فتح ممرات جديدة، وتعزيز السيطرة على مداخل دارفور الكبرى.
س: كيف يمكن تأمين مداخل دارفور الكبرى ومنع أي توسع للمليشيات أو عصابات التمرد؟
ج: عبر استمرار الانتشار الدفاعي والهجومي المتوازن للقوات النظامية، وتعزيز الشراكة العملياتية مع القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح، المستفيدة من معرفتها بطبيعة الأرض.
س: هل الجيش والقوات المساندة يتحكمون بالكامل في حماية المدنيين وتأمين المدن والطرق الحيوية؟
ج: الردع لا يتحقق في الميدان فقط، بل في المدن والطرق والمجتمعات. الشرطة السودانية لعبت دوراً محورياً في حماية المدنيين وتأمين المناطق المستقرة ومنع الفوضى.
أما جهاز المخابرات العامة، فقد كان شريكاً أساسياً في كشف الشبكات التخريبية، وتعقب خطوط الإمداد، وإحباط محاولات توسيع رقعة الصراع. القدرة على الاستباق الاستخباراتي منعت العديد من المفاجآت الميدانية التي كان يمكن أن تُغيّر ميزان العمليات.
س: كيف يمكن للجيش التعامل مع تعدد الجبهات دون أن ينهك قدراته؟
ج: من خلال الحفاظ على البنية المؤسسية، وإدارة مسارح العمليات بمرونة، وإعادة ترتيب الأولويات دون فقدان زمام المبادرة، والاعتماد على التفوق المعنوي والتنظيمي.
س: ما أفضل الخيارات الاستراتيجية لردع المليشيات وتقليص نفوذها في الولايات الساخنة؟
ج: تثبيت مراكز الثقل السيادي، ومنع تحقيق اختراقات حاسمة، وتعزيز معادلة الردع القائمة على الانضباط العملياتي والتنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية.
س: هل هناك استخدام محتمل لعمليات نوعية أو استراتيجيات حسم محدودة بدلاً من المواجهة التقليدية؟
ج: استخدام القوة يتم وفق حسابات استراتيجية لا انفعالية، بما يحقق أهداف الردع دون الانجرار إلى استنزاف غير محسوب.
س: ما تقييمكم للقدرة الاستخباراتية للدولة في متابعة تحركات المليشيات ومنع أي مفاجآت ميدانية؟
ج: القدرة على الاستباق الاستخباراتي منعت العديد من المفاجآت الميدانية، وأسهمت في كشف الشبكات التخريبية وتعقب خطوط الدعم.
س: ما حجم تأثير هذه النزاعات على المدنيين؟ وهل هناك خطة لحمايتهم أو تخفيف معاناتهم؟
ج: لا يمكن الحديث عن معادلات الردع دون الاعتراف بحجم التضحيات. آلاف الشهداء من القوات المسلحة والشرطة والمخابرات والقوات المشتركة والمستنفرين ارتقوا دفاعاً عن السودان. آلاف الجرحى والمصابين والمفقودين يمثلون مسؤولية وطنية مستمرة ،المعركة لم تكن عسكرية فقط، بل دفاعاً عن بقاء الدولة ومنع سقوطها في لحظة فارقة.
س: هل يمكن أن تتحول هذه الجبهات إلى أزمة نزوح جماعي مرة أخرى؟ وما تأثير ذلك على الأمن الداخلي؟
ج: النزاعات في بعض الولايات ما زالت تشكل ضغطاً إنسانياً، واحتمال النزوح الجماعي يبقى قائماً إذا لم تُغلق الجبهات نهائياً. عودة المواطنين يجب أن تكون تتويجاً لاستقرار فعلي، مدعوم بخدمات وبنية تحتية مؤهلة.
س: هل السودان جاهز فعليًا، أمنيًا وخدميًا، لاستقبال العائدين الآن؟
ج: مع تثبيت خطوط الردع، بدأت ملامح عودة الحياة. إعادة تشغيل المؤسسات، وعودة بعض الأنشطة الاقتصادية، وتحسن الحركة في عدد من المدن، كلها مؤشرات على أن الهدف النهائي هو استعادة الاستقرار لا إدامة الحرب. لكن هذه المرحلة تتطلب خطة متكاملة لإعادة الإعمار وعودة النازحين.
س: مع استئناف الطيران، وفي ظل تهديد المسيرات الاستراتيجية والانتحارية، هل يمتلك السودان القدرة الفعلية على تأمين مجاله الجوي ومعابره الحدودية؟
ج: فتح مطار الخرطوم الدولي أمام الرحلات الداخلية والخارجية لم يكن إجراءً فنياً فقط، بل رسالة سيادية بأن الدولة استعادت زمام المبادرة. لكن هذه المرحلة تتطلب: حماية المجال الجوي من تهديدات المسيرات الاستراتيجية والانتحارية، تأمين المعابر الحدودية، تعزيز أنظمة الرصد والدفاع الجوي.، خطة متكاملة لإعادة الإعمار وعودة النازحين.
س: ما رسالتكم للمجتمع الدولي بشأن دعم السودان في الحفاظ على الأمن والاستقرار؟
ج: إلى الداخل: وحدة الصف حول الدولة هي صمام الأمان. الخلاف السياسي مشروع، لكن إسقاط الدولة ليس خياراً.
إلى الشباب: المعركة القادمة هي معركة بناء وإعمار، لا معركة سلاح فقط.
إلى الإقليم والمجتمع الدولي: استقرار السودان مصلحة مشتركة. دعم المؤسسات الشرعية، ومنع تدفق السلاح، وتحييد الصراع عن الحسابات الجيوسياسية هو الطريق الأقصر للأمن الإقليمي.
س: مساحة أخيرة
ج: السودان اليوم بين تعدد الجبهات ومعادلات الردع، لكنه لم يفقد بوصلته. القوات المسلحة، ومعها الشرطة وجهاز المخابرات والقوات المتحالفة والمستنفرون، أعادت تشكيل ميزان الصراع، ومنعت انهيار الدولة، وفتحت الطريق أمام استعادة الحياة.
المعركة لم تنتهِ، لكنها خرجت من مربع الفوضى إلى مربع الدولة ، وما دام السودان يمتلك مؤسسات تقاتل، وشعباً يصطف، وشهداء قدموا أرواحهم ثمناً للبقاء، فإن مشروع الدولة سيظل أقوى من مشاريع التفكيك. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يذكر من حاولوا إسقاط الأوطان… بل يخلّد من وقفوا لحمايتها. “والله المستعان وعليه التكلان”



