ما بين 300 و 600 مليار دولار: تعويضات حرب السودان.. جدلية الارقام.. !
خبير اقتصادي: المطالبة بتعويضات عادلة لا تكون بإطلاق رقم كبير.. بل ببناء ملف لا يمكن إسقاطه فنياً أو قانونياً

تقرير: العودة
جاء في اخبار صحيفة (العودة) امس، نقلا عن مصادر متطابقة أن سقف حكومة السودان المقترح للمفاوضين حال الانخراط في التفاوض أو الجلوس على الطاولة لمناقشة التعويضات لاعمار ما دمرته الحرب، لا يقل عن مبلغ 300 مليار دولار ترى الدولة أنها كافية لإعادة الامور الى ما كانت عليه قبل الخامس عشر من ابريل، ومضت الصحيفة في القول بأن الحكومة أشارت الى أن الخسائر التي مني بها السودانيون في الأرواح لا تقدر بثمن، علاوة على الانتهاكات الأخرى من اغتصابات وجرائم مفزعة..
في السطور التالية نحاول تكييف الامور ما بين الاحلام والواقع المأمول، بغية التوصل إلى أرقام حقيقية تمثل المعادل المنطقي والموضوعي لحجم الخسائر التي حدثت للسودان في جميع القطاعات، الاقتصادية والخدمية والبنية التحتية، علاوة على الحق الخاص على مستوى المواطنين الذين فقدوا كل شيء في هذه الحرب المدمرة.
500 مليار دولار
قال مراقب لصيق، فضل حجب اسمه، تحدث ل(العودة) أن المبلغ الذي تعهدت به الإمارات التي تعتبر الداعم الأكبر لمليشيا الدعم السريع، (500) مليون دولار، وكذلك امريكا (200) مليون دولار، في مؤتمر دعم السودان الذي أقيم بواشنطن الامريكية، يعتبر (عرضة خارج الحلبة)، وفي ذلك عدم جدية في تقديم حلول مرضية ومنطقية، وتساءل المراقب: (لا أدري كيف يقام المؤتمر لدعم سلام السودان في واشنطن في غياب أصحاب المصلحة وهذا بمثابة (مولد صاحبو غائب) والعالم يثبت عدم جديته كل مرة حيال الحرب المنسية في السودان.
خسائر قطاع التعليم
حسب الارقام المبذولة والاحصاءات التقريبية المنشورة على منصات عالية الموثوقية مثل (الجزيرة نت) فإن خسائر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لوحدها قدرت بمبالغ كبيرة، حيث تعرضت الجامعات بسبب الحرب، لخسائر تصل نحو 3 مليارات دولار.. وعلى سبيل المثال يمكن الإشارة إلى الدمار الذي لحق بكلية الطب جامعة الخرطوم وسط العاصمة علما بأن المليشيا المتمردة اتخذت بعض مقار الجامعات ثكنات عسكرية لها أثناء وجودها في الخرطوم، فدمّرت المعامل ومراكز الأبحاث التابعة للجامعات».
انهيار اقتصادي
كان من المتوقع أن يحدث انهيار اقتصادي شامل في السودان إلا أن الحرب أكدت كذلك أن عظم الدولة السودانية غير قابل للكسر بتلك السهولة حيث استعيدت الدولة سريعا بخبرة المؤسسات العريقة، بينما قدرت الخسائر الكلية في جميع القطاعات بأكثر من 600 مليار دولار، حيث تآكل الناتج القومي بنسبة تفوق 50%. وتشمل الأضرار تدمير البنية التحتية، توقف 85% من إيرادات الدولة من جمارك وضرائب وعوائد محلية مع الكلفة العالية للواردات، وكذلك انهيار القطاعين الصناعي (50 مليار دولار) والزراعي (30 مليار دولار)، وارتفاع معدلات الفقر إلى ما فوق 90%.. وحسب (الجزيرة نت) أن أبرز خسائر القطاعات الاقتصادية هي تدمير أكثر من 550 مصنعاً في الخرطوم والمدن الرئيسية، نهب المعدات والمواد الخام، بخسائر تتجاوز 50 مليار دولار.. اما في القطاع الزراعي فقد تضررت محطات الري (مثل “أبو نعامة”) والآلات، وخروج 55% من مساحة مشروع الجزيرة عن الإنتاج، الأمر الذي هدد الأمن الغذائي، والخسائر تزيد عن 30 مليار دولار.. وكذلك خسائر البنية التحتية والخدمات التي تقدّر بـ 10 مليارات دولار في قطاعات الكهرباء والمياه، بالإضافة إلى تدمير المطارات والجامعات والمباني الحكومية.. ثم القطاع المصرفي والمالي حيث توقف طوال فترة الحرب معظم البنوك عن العمل، نهب الخزائن، وانخفاض حاد في قيمة العملة الوطنية (من 600 جنيه للدولار إلى أكثر من 3500 جنيه).. وكذلك فقدان معظم الأسر لمصادر دخلها، توقف رواتب القطاعات العامة والخاصة، وارتفاع مؤشر الفقر، مما دفع أكثر من 26 مليون نسمة للاحتياج إلى مساعدات إنسانية.
ماذا حدث للاقتصاد ؟
مع ازدياد ايام الحرب وتطاول امدها، تزداد الكلفة بعد أن حدث انكماش للاقتصاد السوداني بنسبة 13.5% وتوقف حوالي 80-85% من الإيرادات الحكومية.. وبالتالي ارتفاع نسبة الفقر إلى 71% بحسب تقارير رسمية (توقعات بوصولها لأكثر من 90%).. حسب التقارير المنشورة بطرف عدة مصادر موثوقة.
القطاع الصحي
أدت الحرب إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصحي، بخسائر أولية تُقدر بنحو 11 مليار دولار أمريكي حتى أوائل عام 2026. خرج أكثر من 70% من المرافق الصحية عن الخدمة، مع تدمير ونهب مئات المستشفيات وسيارات الإسعاف ومصانع الأدوية، مما خلق كارثة إنسانية وترك ملايين المدنيين دون رعاية أساسية.. وعلى الرغم من أن القطاع الصحي بدأ الان في التعافي بإعادة تشغيل قطاعات خدمية كبيرة منذ العام الماضي وبداية هذا العام إلا أن القطاع مازال بحاجة للمزيد من الدعم إذ أن أبرز خسائر القطاع الصحي العام والخاص بلغت نحو 11 مليار دولار. حيث تضررت 250 مستشفى من أصل 750 في البلاد. في ولاية الخرطوم وحدها، تضرر 75% من المستشفيات و90% من المستشفيات الخاصة.. كما تم نهب أكثر من 200 سيارة إسعاف ومركبة طبية، وتعطل 25 مصنعاً للأدوية، و2300 صيدلية، و450 شركة معدات طبية.. وتوقفت معظم المستشفيات عن العمل وتحول بعضها إلى ثكنات عسكرية.. وأصبحت أكثر من 50% من مراكز غسيل الكلى خارج الخدمة.. كما فقد القطاع الصحي أكثر من 60 من الكوادر الطبية (حسب إحصائيات أولية).. كما ساهم انهيار النظام الصحي ونقص المياه النظيفة في تفشي الأمراض، حيث تم تسجيل آلاف الإصابات بالكوليرا وحمى الضنك) وتعمل وزارة الصحة الاتحادية حاليا على إعادة الامور الى وضع افضل، حيث تم إعادة افتتاح بعض المرافق الحيوية.

التعويضات بعد الحروب: الأرقام الجزافية تضعف الموقف التفاوضي
(العودة) استطلعت أحد أهل الشأن في الاقتصاد والاستراتيجيات، الدكتور عبد العزيز الزبير باشا الذي أكد بان التعامل مع أرقام التعويضات بعد الحروب باعتبارها شعارات سياسية، خطأ استراتيجي.. التعويض ليس رقماً مستديراً يُطرح في الإعلام، بل نتيجة عملية محاسبية وقانونية معقدة تستند إلى معايير دولية واضحة.. أي دولة تريد أن تتفاوض بجدية يجب أن تبني ملفها على أسس فنية لا تقبل الطعن، لا على تقديرات انطباعية.. أولاً: كيف تُحسب الأضرار وفق المنهج الدولي الإجابة على هذا السؤال تقول إن المؤسسات الدولية الكبرى مثل World Bank وUnited Nations تعتمد منهجية دقيقة تُعرف باسم Post-Disaster Needs Assessment (PDNA). هذه المنهجية لا تنظر فقط إلى ما تهدم، بل إلى ما فُقد اقتصادياً واجتماعياً على مدى سنوات.
التقييم ينقسم إلى ثلاث طبقات رئيسية
واصل باشا توصيفه للأمور بقوله إن التقييم ينقسم إلى ثلاث طبقات رئيسية هي الأضرار المباشرة التي تشمل البنية التحتية، شبكات الكهرباء والمياه، الطرق والجسور، المستشفيات، المدارس، المنشآت الصناعية، المساكن، والأصول الحكومية.. والاحتساب هنا يتم وفق قيمة الإحلال الحالية، أي تكلفة إعادة البناء اليوم وليس وفق القيمة الدفترية قبل التدمير. في بيئة ما بعد الحرب حيث ترتفع الأسعار ويختل سلاسل الإمداد، تكون كلفة الإحلال أعلى بكثير من التقديرات الأولية.. وثانيا الخسائر الاقتصادية غير المباشرة وهنا تكمن الفجوة الكبرى التي تشمل: فقدان الناتج المحلي لعدة سنوات وانهيار الصادرات وهروب الاستثمارات وتراجع التصنيف الائتماني وكلفة الاقتراض المرتفعة وانهيار سلاسل الإمداد، فيتم احتساب هذه الخسائر عبر نماذج اقتصادية متقدمة تعتمد تحليل فجوة النمو والقيمة الحالية المخصومة (NPV). وغالباً ما تتجاوز هذه الخسائر قيمة الأضرار المادية نفسها.. ثالثا الأضرار البشرية والمعنوية، القانون الدولي لا يختزل التعويض في المباني والطرق والسوابق القضائية أمام International Court of Justice وممارسات المساءلة الدولية تكرّس حق التعويض عن: فقدان الأرواح والإصابات الدائمة والانتهاكات الجسيمة والأضرار النفسية والاجتماعية، أما اقتصادياً فتُستخدم معايير “قيمة الحياة الإحصائية” المعتمدة في أوروبا وأمريكا، والتي قد تتجاوز عدة ملايين من الدولارات للفرد الواحد عند احتسابها ضمن النماذج الاقتصادية.
كيف تُطبّق التعويضات عملياً؟
أضاف الزبير باشا بقوله: التاريخ يقدم نماذج واضحة.. بعد غزو الكويت، أنشأت الأمم المتحدة هيئة خاصة هي United Nations Compensation Commission، وتم تحصيل أكثر من 52 مليار دولار من العراق عبر آلية قانونية ملزمة.. والتعويضات لا تأتي عبر بيانات صحفية، بل عبر: أحكام قانونية دولية وتسويات سياسية مشروطة وصناديق إعادة إعمار متعددة الأطراف أو آليات تحصيل من أصول مجمدة، كل ذلك يتطلب ملفاً فنياً متكاملاً، لا خطاباً عاطفياً.
لماذا 300 مليار دولار لا تعكس الحجم الحقيقي؟

تسآل الدكتور عبد العزيز عن اسباب تقدير رقم التعويض بمبلغ 300 مليار جنيه امريكي وقال: إذا أجرينا تقديراً محافظاً فقط: إعادة بناء البنية التحتية القومية قد تتجاوز 120–150 مليار دولار.. خسارة الناتج المحلي لعدة سنوات قد تضيف 100–150 مليار دولار أخرى.. خسائر القطاع الخاص والمصرفي قد تصل إلى 50–80 مليار دولار.. الخسائر البشرية وفق المعايير الاقتصادية الدولية قد تصل وحدها إلى مئات المليارات.. كلفة إعادة بناء مؤسسات الدولة والأمن والاستقرار تضيف عشرات المليارات.. بجمع هذه العناصر وفق منهج علمي متحفظ، قد يتجاوز الرقم 1.2 تريليون دولار. أي ما لا يقل عن أربعة أضعاف الرقم المتداول.
والأهم: هذا التقدير لا يشمل كلفة الفرصة الضائعة لعقد كامل من التنمية، ولا كلفة إعادة تموضع الدولة في النظام المالي الدولي، ولا الخسائر طويلة الأمد في رأس المال البشري.
الخلاصة
في ختامة المشاركة قدم الدكتور عبد العزيز الزبير باشا خلاصة ما نريد الوصول إليه وقال: (المطالبة بتعويضات عادلة لا تكون بإطلاق رقم كبير، بل ببناء ملف لا يمكن إسقاطه فنياً أو قانونياً.. أي دولة جادة تحتاج إلى:
1. هيئة وطنية مستقلة لتوثيق الأضرار.
2. شراكة فنية مع مؤسسات مالية دولية.
3. فريق قانوني دولي متخصص.
4. استراتيجية تفاوض تربط التعويض بإعادة الإعمار والاستقرار الإقليمي.
الأرقام العشوائية تضعف الموقف. الأرقام المبنية على منهج دولي محكم تصنع واقعاً تفاوضياً جديداً.
والفرق بينهما هو الفرق بين خطاب سياسي وملف دولة..



