رئيس الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة أمين داؤود يفتح ملفات الحرب والتسوية لـ”العودة”:

الحسم العسكري في هذه المرحلة هو الأقوى والأجدر
الحديث عن حل مجلس السيادة وترشيح البرهان سابق لأوانه
لا عودة للحكم العسكري عبر بوابة الحوار
لا تسوية مع من تتلطخ أيديهم بدماء الشعب
استخدام الحوار لإعادة إنتاج النظام القديم مرفوض بالنسبة لنا
الكتلة الديمقراطية متماسكة.. والحوار يجب أن يخاطب جذور الأزمة
نستطيع أن نجعل من شرق السودان جسراً للسلام والاستقرار
بينما تمضي الحرب السودانية في مسارات عسكرية وسياسية متداخلة، لم يعد السؤال محصوراً في موازين القوة على الأرض، بل امتد إلى طبيعة التسوية التي يمكن أن تنهي الحرب، وشكل الدولة التي ستولد من رحم هذا الصراع، ومن يملك حق صياغة مستقبلها. وفي قلب هذه الأسئلة، يضع رئيس الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة، الأمين داؤود، في حواره مع «العودة»، مقاربته للمشهد الراهن، واضعاً الحسم العسكري في مقدمة أولويات المرحلة، دون إغلاق الباب أمام المسار السياسي، شريطة ألا يتحول إلى مدخل لإعادة إنتاج الأزمة أو الإفلات من المحاسبة.
ويقرأ داؤود التحولات الميدانية باعتبارها مؤشراً على تقدم القوات المسلحة والقوات المساندة لها في عدد من المحاور، لكنه ينقل النقاش من جبهات القتال إلى ما بعدها، متوقفاً عند كيفية إدارة مرحلة ما بعد الحرب، ومستقبل التسليح الشعبي، وترتيبات دمج القوات، وشكل المؤسسات السياسية التي ينبغي أن يقررها حوار سوداني لا تُفرض نتائجه مسبقاً.
وفي الجانب السياسي، يضع الحوار الكتلة الديمقراطية أمام اختبار التماسك وإدارة التباينات، ويفتح ملف علاقتها بالقوى والتحالفات الأخرى، خصوصاً «صمود» و«تأسيس»، فيما يؤكد داؤود أن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة تعمق الاستقطاب. ويمتد النقاش إلى شرق السودان، حيث يرى أن تجاهل المطالب السياسية والتنموية للإقليم قد يحول التوترات القائمة إلى أزمة أكبر، داعياً إلى معالجة جذور القضية عبر حوار وطني يستمع إلى أهل الشرق ويضمن مشاركتهم في صياغة مستقبل البلاد.
وفي هذا السياق، يجيب الأمين داؤود على أسئلة «العودة» حول خارطة العمليات العسكرية، وخيار الحسم والتسوية السياسية، ومستقبل التسليح الشعبي، وشروط الحوار السوداني، ومآلات المشهد السياسي، فضلاً عن تماسك الكتلة الديمقراطية وعلاقاتها بالقوى الأخرى، وقضايا شرق السودان والدور الإقليمي والدولي في الأزمة.
حوار – عماد النظيف

* كيف تقرأون خارطة العمليات العسكرية الراهنة وتطورات الأوضاع على الأرض؟
خارطة العمليات العسكرية في السودان تشهد، في تقديري، تقدماً ملحوظاً للقوات المسلحة والقوات المساندة لها في عدد من المحاور، مع ارتفاع واضح في الروح المعنوية، وهذا يعود إلى حسن إدارة المعركة من قبل الجهات المختصة.
ونخص بالذكر محور كردفان، الذي شهد تقدماً واضحاً أدى إلى هزائم متكررة لمليشيا الدعم السريع. ونحن في الأورطة الشرقية فقدنا أربعة من أبنائنا شهداء في جبرة الشيخ، نسأل الله أن يتقبلهم قبولاً حسناً، وأن يلهم ذويهم الصبر وحسن العزاء، وأن يمنّ على الجرحى بالشفاء. ونثق أن النصر سيكون حليف الشعب السوداني وقواته المسلحة.
*هل ترون أن الحسم العسكري بات خياراً حتمياً أم أن هناك فرصة للحل السياسي؟
في ظل وجود مليشيا مسلحة، وما نراه من دعم وتمويل خارجي، فإن خيار الحسم العسكري في هذه المرحلة هو الأقوى والأجدر لحسم التمرد والحفاظ على الدولة.
لكن هذا لا يعني إسقاط الخيار السياسي بصورة مطلقة. نحن مع التسوية السياسية لكل من يستحقها من أبناء الوطن، ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء الشعب السوداني، متى ما كانت هذه التسوية تقود إلى سلام حقيقي وتحفظ وحدة السودان وسيادته.
* ما موقفكم من ظاهرة التسليح الشعبي وتداعياتها على مستقبل الدولة؟
التسليح الشعبي في الظروف الحالية جاء في إطار الوقوف مع معركة الكرامة والدفاع عن الدولة والشعب، ونحن نرى بأعيننا الدور الذي تقوم به هذه المجموعات في مساندة القوات المسلحة.
لكن في المقابل، لا بد من وضع ترتيبات أمنية واضحة ومنظمة لهذه القوات، تحفظ حقوق الشهداء والجرحى وتقدر التضحيات التي قدموها، وتحدد مستقبل هذه القوات، بما في ذلك إمكانية استيعاب المؤهلين منها ضمن القوات المسلحة والمؤسسات النظامية وفق ترتيبات قانونية ومهنية واضحة.
ما الشروط الأساسية لقيام حوار سوداني-سوداني حقيقي ومستدام؟
نحن من حيث المبدأ مع الحوار الذي أطلقه القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونرى أن مجرد طرح الحوار يجب أن يجد دعماً من كل السودانيين، لأن الأزمة في النهاية أزمة سودانية ولا يمكن حلها إلا بمشاركة السودانيين.
لكن الحوار المطلوب يجب أن يكون حواراً حقيقياً يخاطب جذور الأزمة ويؤسس لحكم مدني ديمقراطي، وليس محاولة لإعادة إنتاج الأزمة أو العودة إلى أشكال الحكم السابقة.
وأعتقد أن شروط الحوار واضحة: أولاً تهيئة المناخ السياسي للحوار، ثم تحديد موضوعات الحوار، وتحديد أهدافه، والأهم أن تكون هناك إجابة واضحة عن السؤال: إلى ماذا نريد أن يصل الحوار وما هي النتيجة النهائية التي نريد تحقيقها؟
*يرى البعض أن الحوار السوداني-السوداني بصيغته الراهنة قد يكرس لعودة الحكم العسكري، فكيف تردون؟
أنا لا أرى أن مجرد الدعوة إلى الحوار تعني بالضرورة العودة إلى الحكم العسكري. نحن يجب أن ننظر إلى الحوار باعتباره وسيلة للوصول إلى الحل، وليس باعتباره نتيجة مسبقة.
نحن نريد حواراً سودانياً شاملاً يخاطب جذور الأزمة وينتهي إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، وأي محاولة لاستخدام الحوار لإعادة إنتاج النظام القديم أو تكريس أي شكل من أشكال الحكم الذي رفضه الشعب السوداني ستكون مرفوضة بالنسبة لنا.
*تواجه الآلية الخماسية والأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالسودان اتهامات متكررة بالانحياز لأطراف معينة؛ فهل ترون أنها مؤهلة حقاً لحل الأزمة؟
نحن لا نرى أن الآلية الخماسية أو الأطراف الإقليمية والدولية خصماً لنا. نحن نتعامل معها باعتبارها جهات يمكن أن تساعد في تقريب وجهات النظر.
لكن من واجبنا أيضاً أن نبصر هذه الجهات بحقيقة الموقف السوداني، وأن نناقش معها رؤيتنا وملاحظاتنا بكل وضوح. ونحن نرى أن الحق معنا، ولا أرى من مصلحة السودان أن نذهب إلى صناعة خصوم جدد، طالما أن هناك مساحة للالتقاء والنقاش.
*من هي الأطراف التي يجب أن تشارك في صناعة التسوية المقبلة، ومن تُستبعد؟
المشاركة يجب أن تكون واسعة وشاملة، وأن تشمل القوى السياسية والاجتماعية والمدنية والحركات المسلحة والقوى الوطنية التي لديها رؤية حقيقية لمستقبل السودان.
المعيار الأساسي يجب ألا يكون الانتماء السياسي وحده، وإنما الموقف من وحدة السودان والدولة ورفض الحرب والعنف، ومن ارتكب جرائم وانتهاكات في حق الشعب يجب أن يخضع للمحاسبة وفق القانون، ولا ينبغي أن تتحول التسوية السياسية إلى وسيلة للإفلات من العدالة.

* ما حقيقة الخلافات والتقاطعات التي شهدتها الكتلة الديمقراطية مؤخراً؟
بالعكس، أنا لا أصف ما حدث بأنه خلافات داخل الكتلة، وإنما هي تباينات طبيعية، وهذا أمر متوقع في كتلة بهذا الحجم والتنوع.
الكتلة الديمقراطية تضم حركات وقوى سياسية لديها مواقف وتجارب مختلفة؛ فهناك مكونات كانت جزءاً من الحكومة الحالية، وهناك مكونات أخرى لم تكن جزءاً منها، كما أن بعض القضايا والأقاليم لا تزال تحت سيطرة التمرد.
كل هذه عوامل تفرض وجود تباينات في وجهات النظر، لكنني أطمئن الجميع بأن الكتلة الديمقراطية ما زالت متماسكة، رغم كل هذه التباينات.
*هل أثرت هذه التباينات سلباً على تماسك الكتلة واستراتيجيتها السياسية؟
التباينات لم تُسقط الكتلة ولم تنه مشروعها السياسي. بالعكس، الاختلاف في وجهات النظر يمكن أن يكون عاملاً إيجابياً إذا تمت إدارته بالحوار والمؤسسية.
المهم هو أن نضع القضايا الوطنية الكبرى فوق المصالح الخاصة، وأن نحافظ على وحدة الكتلة باعتبارها واحدة من المساحات المهمة في المشهد السياسي السوداني.
*هل هناك تحركات لإعادة هيكلة الكتلة وترتيب صفوفها؟
الكتلة الديمقراطية تمت إعادة هيكلتها في الاجتماع الكبير الذي انعقد في رمضان الماضي، ولا نمانع بالطبع في إجراء مزيد من الترتيبات إذا رأت الهيئة القيادية للكتلة أن المرحلة الحالية تتطلب ذلك، خصوصاً مع اتجاه البلاد نحو الحوار الذي أطلقه الفريق أول البرهان.
المهم أن تكون أي ترتيبات جديدة بهدف تقوية الكتلة وتطوير أدائها، وليس إضعافها أو تقسيمها.
* كيف تنظرون إلى طروحات تحالفي “صمود”وتاسيس ؟
نحن ننظر إلى “صمود” و”تأسيس” وغيرهما من التحالفات السياسية باعتبارها قوى سودانية موجودة في المشهد، ولدينا معها تواصل إيجابي.
ونحن لا نريد أن تكون الخلافات السياسية سبباً في القطيعة. بالعكس، إذا كان هناك طرح جاد لحوار سوداني شامل ومكتمل، فإن المطلوب هو تطوير قنوات التواصل مع الجميع والوصول إلى نقاط مشتركة تخدم السودان.
*أين تكمن نقاط الخلاف الجوهرية والعميقة بينكم وبينهم؟
الخلافات في الأساس مرتبطة بالرؤى السياسية وطريقة إدارة المرحلة الانتقالية ومستقبل الدولة، وليس المطلوب أن نحول هذه الاختلافات إلى خصومة دائمة.
نحن نختلف مع بعض الطروحات، لكننا نؤمن بأن الحوار يمكن أن يقرّب وجهات النظر، وأن السودان أكبر من أي خلاف بين القوى السياسية.
*هل توجد أي مساعٍ حقيقية أو قنوات مبرمجة لتقريب الهوة بين الكتلة وتحالف “صمود “؟
هناك تواصل مع عدد من القوى والتحالفات، ونحن لا نغلق الباب أمام أي جهة سودانية ترغب في الوصول إلى تفاهمات وطنية.
إذا كان هناك حوار سوداني شامل، فإن جميع القوى التي تؤمن بالحل السياسي وبوحدة السودان يجب أن تبحث عن مساحة مشتركة، بدلاً من تكريس حالة الاستقطاب.

*ما الأسباب الجذرية وراء حالة الاستقطاب والتوتر الأمني المتصاعدة في شرق السودان؟
قضايا شرق السودان معقدة، وهي في جانب كبير منها نتيجة لطريقة إدارة الدولة لهذه المنطقة على مدى سنوات طويلة.
أنا لا أرى أن هناك بالضرورة قضايا اجتماعية معقدة لا يمكن حلها، وإنما ما نخشى منه هو الانسداد الكامل للأفق السياسي، واستمرار الطريقة القديمة في التعامل مع قضايا الشرق وحقوقه العادلة.
نحن نريد مساحة واسعة لنقاش قضية شرق السودان، خصوصاً القضايا المتعلقة بالحقوق السياسية والتنمية والتمثيل العادل، لأن معالجة هذه الملفات هي الطريق الحقيقي للاستقرار.
*ما هو موقفكم من الأحاديث المتداولة حول مقترحات حل مجلس السيادة والتوجه نحو ترشيح البرهان لرئاسة الجمهورية؟
* أرى أن الحديث عن هذه القضايا سابق لأوانه. نحن الآن أمام قضية أكبر، وهي كيف ننهي الحرب ونصل إلى حوار سوداني حقيقي.
أما شكل مؤسسات الدولة ومستقبل مجلس السيادة أو أي مقترحات تتعلق بمنصب رئيس الجمهورية، فيجب أن تترك للحوار السوداني نفسه، لأننا لا نريد أن نستبق نتائج الحوار أو نفرض قضايا يفترض أن تكون جزءاً من النقاش الوطني الشامل.

*هل تخشون من تحول الإقليم إلى مسرح لصراع جديد، وما هي رسالتكم لتفادي الانزلاق نحو نزاع أهلي؟
نحن لا نخشى من أن يتحول شرق السودان إلى فوضى بطبيعته، ولكننا نخشى أن تؤدي سياسات الدولة إلى خلق حالة من الفوضى في الإقليم إذا استمر حرمانه من حقوقه السياسية والتنموية.
رسالتي واضحة: شرق السودان يحتاج إلى معالجة سياسية جادة، وليس إلى تجاهل مشكلاته. يجب أن نستمع إلى أهل الشرق، وأن نعالج قضاياهم ضمن مشروع وطني شامل، بعيداً عن الاستقطاب القبلي أو محاولات فرض الوصاية.
إذا فتحنا الباب للحوار، وأُعطي الشرق حقه في التعبير عن قضاياه والمشاركة في صناعة مستقبل السودان، فإننا نستطيع أن نجعل من شرق السودان جسراً للسلام والاستقرار، بدلاً من أن يتحول إلى ساحة جديدة للصراع.




