إختراقات زيارة العطا..تركيا تفتح أبوابها للسودان..

المشهد الآن / علم الدين عمر
شراكة دفاعية تتسع إلى الإقتصاد والتحالفات الإستراتيجية..
من زيارة عسكرية إلى إعادة صياغة الشراكة..
السلاح ليس وحده على الطاولة..تركيا تدفع نحو الزراعة والمعادن واللحوم والصناعة..
الرياض وإسلام آباد وأنقرة.. هل تدخل الخرطوم شبكة الأمن الإقليمي الجديدة؟..
المشهد الآن..
لم تكن زيارة الفريق أول ياسر العطا إلى تركيا مجرد زيارة عسكرية عادية لرئيس أركان القوات المسلحة..كما أن تفاصيلها لا تبدو..وفق المعلومات المتاحة قابلة للقراءة في إطار بروتوكولي محدود..كما هي العادة..فما جرى في أنقرة وإسطنبول يشي بأن العلاقة السودانية ـ التركية دخلت مرحلة مختلفة تتجاوز تبادل الزيارات والوفود إلى اختبار إمكان بناء شراكة استراتيجية متعددة المسارات.. تبدأ بالدفاع والصناعات العسكرية وامر بالإقتصاد والإستثمار ولا تنتهي بالتنسيق السياسي والأمني..
اللافت أن مستوى الإهتمام التركي بالزيارة كان استثنائياً..فقد سبقت الزيارة ترتيبات خاصة..حيث أُعيد ترتيب برنامج مسؤولين أتراك رفيعي المستوى لإتاحة اللقاء به..علي غير عادة البرتكول التركي..ومن أنقرة انتقل الفريق العطا إلى إسطنبول للوقوف على مرافق صناعية وعسكرية وإجراء تفاهمات بطائرة خاصة.. قبل أن يعود إلى أنقرة لاستكمال الإتصالات مع القيادة العسكرية التركية..
لكن الأهم من هذه الشكليات هو مضمون اللقاءات ومستواها..
فبحسب المعلومات التي نقلتها مصادر مطلعة على تفاصيل الزيارة..التقى الفريق أول ياسر العطا خلال فترة قصيرة وزير الدفاع التركي ورئيس هيئة الأركان ورئيس منظومة الصناعات الدفاعية.. وهو مستوى من التواصل لا يبدو اعتيادياً في الزيارات العسكرية التقليدية..كما شملت اللقاءات شركات تركية كبرى في مجال الصناعات الدفاعية.. وجرى بحث قوائم مشتريات وآليات تمويل وسداد..مع تفاهمات تحتاج بحكم طبيعة الشركات والتزاماتها..إلى مستويات عليا من الموافقة التركية..
وبذلك تبدأ القراءة السياسية..
تركيا لا تنظر إلى السودان باعتباره ملفاً عسكرياً فقط..
أبرز ما يمكن استخلاصه من هذه الزيارة أن أنقرة تبدو مستعدة للنظر إلى السودان باعتباره شريكاً محتملاً في منظومة مصالح واسعة..وليس مجرد دولة تحتاج إلى السلاح لحسم معركته..
وتكتسب هذه النقطة أهميتها من الرسالة التي نُقلت للفريق العطا بشأن رغبة القطاع الخاص التركي في الإستثمار في قطاعات الزراعة والمعادن والتربة الزرقاء والمسالخ وصناعة اللحوم بما يمكن أن يؤدي وفق التقديرات التركية إلى مضاعفة حجم التبادل التجاري بين البلدين..
هذا التحول مهم للغاية..
فالسودان يمتلك ما تحتاجه تركيا.. موارد طبيعية.. أراضٍ زراعية واسعة..ثروة حيوانية..معادن.. موقع جغرافي إستراتيجي..وسوقاً قابلة لإعادة البناء.. وفي المقابل تمتلك تركيا خبرة صناعية وتكنولوجية وقدرات تمويلية وإستثمارية وسلاسل إنتاج يمكن أن تساعد السودان على الإنتقال من إقتصاد تصدير المواد الخام إلى اقتصاد يقوم على التصنيع والقيمة المضافة..
المشكلة..كما تبدو من التجربة السابقة لم تكن دائماً في غياب الفرص..المشكلة الحقيقية كانت في ضعف القدرة السودانية على تحويل الإتفاقات إلى مشروعات..
فتركيا دولة معروفة بطول النفس في التفاوض..لكنها أكثر شهرة بالإنضباط في التنفيذ..لذلك فإن ما يفتح اليوم أمام السودان في أنقرة يمكن أن يتحول إلى فرصة تاريخية.. لكنه يمكن أيضاً أن يتبخر إذا عادت الخرطوم إلى نمط اللجان والإجتماعات والبيانات والإتفاقات التي لا تجد طريقها إلى الأرض..
التحول الأخطر..من التعاون العسكري إلى الشراكة الدفاعية..
الشق العسكري من الزيارة ربما كان الأكثر إثارة للإنتباه..
فالنقاش وفق المعلومات المتداولة لم يتوقف عند شراء أسلحة أو الحصول على معدات..واتجه مباشرة إلى آفاق أوسع تشمل التصنيع الدفاعي ونقل التكنولوجيا وتوطين بعض الصناعات العسكرية التركية في السودان..
هذا فارق جوهري..لأن
شراء السلاح يمنح الدولة قدرة آنية..بينما توطين الصناعة يمنحها قدرة إستراتيجية ممتدة..
من هذه الزاوية يمكن فهم الإهتمام التركي بتطوير العلاقة العسكرية مع السودان في وقت تخوض فيه البلاد حرباً ذات أبعاد إقليمية ودولية معقدة..وفي وقت أصبحت فيه مسألة تأمين إحتياجات الدولة الدفاعية..وبناء قاعدة صناعية وطنية..جزءاً من معركة الإستقلال الإستراتيجي..
الرسالة التي نُقلت عن وزير الدفاع التركي بشأن ضرورة سحق ظاهرة المرتزقة العابرين للحدود والإستعداد للمساعدة في مواجهتها كذلك تحمل دلالة سياسية وأمنية تتجاوز الملف السوداني المباشر.. لأن تركيا نفسها تتعامل مع عالم إقليمي شديد التعقيد تتداخل فيه الجيوش النظامية والمجموعات المسلحة وحركة المرتزقة الدوليين..
أنقرة والرياض وإسلام آباد..الخرطوم أمام مثلث جديد..
الأكثر أهمية أن الحوار التركي ـ السوداني..بحسب المعلومات الواردة من الزيارة لم يبقَ محصوراً في العلاقات الثنائية.. بل وصل إلى التفكير في كيفية استفادة السودان من الإتفاقية الدفاعية الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان.. وما يمكن أن تتيحه هذه الصيغة من مساحات للتعاون والتنسيق..
هذه نقطة تقاطع لأنقرة مع الرياض بصورة لافتة..
فالسودان وقّع في الرياض في 17 أغسطس 2026 إتفاقية تأسيس مجلس أعلى للتعاون والتنسيق الإستراتيجي مع المملكة العربية السعودية..وهي خطوة تنقل العلاقة السودانية ـ السعودية من التعاون القطاعي إلى إطار مؤسسي أوسع..
عندما تُقرأ هذه الخطوة بالتزامن مع الإنفتاح التركي المتزايد..ومع الحضور الباكستاني في المعادلة الدفاعية..فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً..
السودان يمكن أن يكون أمام فرصة لبناء شبكة شراكات إستراتيجية متقاطعة.. السعودية بثقلها السياسي والإقتصادي والأمني..وتركيا بقدراتها الصناعية والتكنولوجية والدفاعية.. وباكستان بخبرتها العسكرية والدفاعية.بما يفتح المجال أمام الخرطوم لإعادة تعريف موقعها في الإقليم..
لكن هذا المسار يحتاج إلى عقل إستراتيجي سوداني قادر على الربط بين الملفات..ولايتعامل معها باعتبارها جُزراً منفصلة..
من الحرب إلى بناء القوة الوطنية..
ماجري مع تركيا يكتسب قيمته الحقيقية إذا وضع داخل مشروع أكبر لإعادة بناء الدولة السودانية..
فالسودان لا يحتاج فقط إلى استيراد السلاح لإنهاء الحرب..السودان يحتاج إلى إعادة بناء منظومته الدفاعية على أسس جديدة..التصنيع.. التدريب.. التكنولوجيا..الأمن السيبراني..الطيران.. المسيّرات.. الإتصالات..الصيانة.. اللوجستيات.. والبحث والتطوير..
وبذلك تظهر أهمية الأدوار التي لعبتها القيادة السودانية خلال الفترة الماضية في دفع الشراكات الدفاعية والتكنولوجية مع تركيا..وصولاً إلى المرحلة الحالية التي يبدو أن الفريق العطا يحمل فيها ملفات أكثر اتساعاً من مجرد التعاون العسكري التقليدي..
إنها محاولة للإنتقال من علاقة المستهلك بالمصنّع إلى علاقة الشريك بالشريك..
الكرة الآن في ملعب الخرطوم..
الأُفق التركي يحمل كثيراً من الإشارات الإيجابية.. لكنه يحمل في الوقت نفسه تحذيراً واضحاً..
الأتراك..وفق التجربة التي يعرفها السودانيون..لا يفتحون أبواب التعامل الموسع بسهولة..لكنهم عندما يفعلون يتوقعون مقابلاً من الجدية والإنضباط والسرعة في التنفيذ..
ما يوجب تتغيير طريقة إدارة الدولة السودانية لملف العلاقات الخارجية..
إذ لا يكفي أن يعود الوفد محملاً بعشرات التفاهمات.. المطلوب غرفة تنفيذية مشتركة.. جداول زمنية.. مسؤوليات محددة.. مشروعات قابلة للقياس..ومتابعة مباشرة من أعلى مستويات الدولة..
لقد أضاع السودان بالفعل فرصاً كبيرة في شراكاته السابقة مع تركيا منذ سنوات طويلة.. ليس بالضرورة لأن الأتراك لم يكونوا راغبين..إنما لأن الجانب السوداني كثيراً ما عجز عن الإنتقال من مرحلة الإتفاق إلى آفاق التنفيذ..
اليوم تبدو أنقرة أكثر انفتاحاً.. والرياض أكثر استعداداً لبناء شراكة إستراتيجية.. والمشهد الإقليمي نفسه يعيد ترتيب تحالفاته ومصالحه..
لذلك لابد من فهم ماذا تريد تركيا من السودان..لتحديد ماذا يريد السودان أن يفعل بهذه الرغبة التركية المفتوحة في التعاون والتنسيق..
فإذا نجحت الخرطوم في تحويل التفاهمات العسكرية إلى تصنيع دفاعي.. والتفاهمات الإقتصادية إلى إستثمارات إنتاجية.. والتنسيق السياسي إلى شبكة مصالح إقليمية..فإن زيارة الفريق العطا قد لا تكون مجرد زيارة عسكرية ناجحة..بل إحدى مقدمات إعادة تموضع السودان في الإقليم بعد الحرب..
أما إذا عادت الملفات إلى الأدراج.. فستتحول كل هذه الإشارات التركية مرة أخرى إلى فرصة سودانية ضائعة..
المعركة الآن لم تعد فقط معركة كسب الحرب..المعركة أصبحت كسب ما بعد الحرب أيضاً.. وأنقرة..مثل الرياض.. تبدو مستعدة لفتح الباب..ويبقى على الخرطوم أن تدخل..




