حيثيات القرار رقم (363) .. (الحصانة المؤقتة)

جدل قانوني قبل انطلاقة الحوار السوداني/ السوداني

وزير العدل فتح الباب واسعا بإعلان قرار البرهان عن الضمانات

د. عبد العظيم حسن المحامي: الإجراء الصحيح يتمثل في إصدار قانون خاص ينظم هذه التدابير

رحاب مبارك: “الحصانة المؤقتة” من اطروحات “نبيل أديب” وبلا سند قانوني

 

الخرطوم– العودة

فتح وزير العدل، عبدالله درف، بابا واسعة للجدل قبل انطلاقة الحوار السوداني السوداني الذي مازال في مرحلة التخلق كمبادرة وخلق أرضية وتهيئة للعمليات السياسية متعددة الاطراف، وذلك عندما الوزير بأن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، أصدر قراراً بمنح ضمانات قانونية للمشاركين في مبادرة الحوار السوداني ـ السوداني، بهدف تهيئة بيئة آمنة لانطلاق المشاورات والحوار داخل البلاد.

وأوضح درف، خلال مؤتمر صحفي بمبنى وزارة العدل في الخرطوم، أن القرار يقضي بشطب جميع البلاغات المقيدة بواسطة أجهزة الدولة في مواجهة أي سوداني مقيم بالخارج يدخل البلاد للمشاركة في الحوار، متى كانت تلك البلاغات مرتبطة بأفعال أو أقوال صدرت عنه في إطار رأي سياسي، مع إسقاط التهم محل تلك البلاغات.

وأشار إلى أن القرار يمنح المشاركين في المشاورات والحوار حصانة إجرائية مؤقتة، تحول دون تحريك أي إجراءات جنائية في مواجهتهم منذ دخولهم البلاد وحتى انتهاء الحوار، على أن يحدد مجلس السيادة الانتقالي المدة الكافية لذلك.

وأكد وزير العدل أنه لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية بحق أي مشارك بسبب رأي أدلى به أو يدلي به أثناء المشاورات والحوار، طالما كان الرأي مرتبطاً بالحوار بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وشدد درف على أن دور الدولة يقتصر على توفير الضمانات والتسهيلات والحماية اللازمة، مع الحفاظ على استقلالية الحوار وملكيته للسودانيين، وعدم التدخل في تحديد أطرافه أو أجندته أو مخرجاته.

وبيّن أن القرار رقم (363) لسنة 2026، الصادر في 31 أغسطس، يلزم الجهات العدلية والشرطية والأمنية والجهات ذات الصلة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه.

بداية جدل قانوني

 

ولمعرفة مدى قانونية هذه الخطوة التي أعلنها السيد وزير العدل دفعنا بعدد من الأسئلة إلى اهل القانون لمعرفة التكييف الذي استند عليها القرار فقال الاستاذ محمد إبراهيم عليو المحامي في إفاداته لـ (العودة) إن القانون لا يتيح ما يُعرف بـالتجميد أو الإيقاف المؤقت للدعاوى الجنائية باعتباره إجراءً مستقلاً إلا في إطار السلطات والنصوص القانونية المنظمة لوقف الإجراءات الجنائية.

وأوضح رداً على تساؤلات الصحيفة بشأن السند القانوني لتجميد البلاغات وسلطة وزير العدل والنيابة العامة في هذا الصدد، أن المادة (58) من قانون الإجراءات الجنائية تمثل أحد الأسانيد القانونية التي يمكن الاستناد إليها لوقف الدعوى الجنائية إلى جانب سلطة إلغاء العقوبة المخولة لرأس الدولة وهي سلطة لا تنطبق على البلاغات محل النقاش إذ لم تصدر فيها أحكام أو عقوبات بعد، ولا تزال معظمها في مراحل التحري والتحقيق.

وأشار عليو إلى أن المادة (58) شُرعت في الأساس لمراعاة مقتضيات الصالح العام، الذي قد يستدعي وقف الإجراءات الجنائية في مواجهة أي شخص، متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.

وأضاف أن النص يتمتع بقدر من المرونة إذ لا يحدد مرحلة إجرائية بعينها لممارسة هذه السلطة ما يفتح المجال لاستخدامها في مراحل مختلفة من الدعوى الجنائية.

 

ورأى أن نص المادة يمكن أن يشكل مخرجاً قانونياً لتنفيذ مثل التعهدات التي قطعتها لجنة الحوار السوداني ـ السوداني بشأن تهيئة مناخ مناسب وآمن لانطلاق الحوار.

 

وبشأن ما إذا كانت سلطة وقف الدعوى بموجب المادة (58) تقتصر على مرحلة ما بعد اكتمال التحري، قال عليو إن النص رغم إشارته إلى اكتمال التحري يمكن تفسيره على نحو يراعي مقاصد المشرع موضحاً أن الغرض من اكتمال التحري هو التأكد من إمكانية توجيه الاتهام.

 

وأضاف: (في تقديري فإن من يملك سلطة إيقاف الدعوى الجنائية بعد التأكد من توجيه التهمة يملك من باب أولى سلطة إيقافها قبل توجيه التهمة باعتبار أن ذلك يمثل الدرجة الأقل والأخف).

وأكد أن المادة لا تشترط وصول الدعوى الجنائية إلى مرحلة المحاكمة حتى يمكن إيقافها، مستنداً إلى القاعدة القانونية العامة القائلة إن (من يملك الأعلى يملك من باب أولى الأدنى) .

وختم عليو إفادته بالتأكيد على أن مفهوم تجميد البلاغات ليس مصطلحاً إجرائياً منصوصاً عليه بذاته في قانون الإجراءات الجنائية غير أن وقف الإجراءات استناداً إلى النصوص والسلطات القانونية القائمة قد يوفر الإطار القانوني لتحقيق الغرض المقصود خاصة في سياق تهيئة المناخ للحوار السياسي.

قانون خاص

 

ومن جانبه قال د. عبد العظيم حسن المحامي في حديثه لـ (العودة) إن الإجراء القانوني الصحيح لتوفير الضمانات اللازمة لمشاركة الأطراف في الحوار يتمثل في إصدار قانون خاص ينظم هذه التدابير والضمانات بصورة واضحة ومباشرة.

 

وأوضح أن المسؤولية عن الدعوى الجنائية تقع، وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 وقانون النيابة العامة لسنة 2017 ضمن اختصاص النائب العام مشيراً إلى أن وزير العدل لا يملك سلطة مباشرة على الدعاوى الجنائية قيد النظر.

وأضاف أن دور وزير العدل يمكن أن يكون متاحاً في إطار مختلف يتمثل في التقدم بمشروع قانون خاص بهذه الضمانات والتدابير، على أن يستكمل المشروع الإجراءات التشريعية المقررة لإصداره وفقاً للقانون.

وأكد حسن أنه لا يحق لوزير العدل التدخل في الدعاوى الجنائية القائمة كما لا تملك أي جهة أخرى بما في ذلك مجلس السيادة سلطة على تلك الدعاوى ما دامت لا تزال قيد النظر ولم يصدر فيها حكم بالإدانة.

وفي ما يتعلق بإمكانية إعمال نص المادة (58) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 والمتعلقة بشطب الدعوى الجنائية شدد على أن هذه السلطة من اختصاص النائب العام وليست من اختصاص وزير العدل.

 

ورأى أن معالجة مسألة الضمانات القانونية للمشاركين في الحوار تقتضي وضع إطار تشريعي خاص، بدلاً من البحث عن صلاحيات لدى جهات لا يمنحها القانون سلطة مباشرة على الدعاوى الجنائية القائمة.

لا يوجد سند قانوني

 

وأكدت الأستاذة المحامية رحاب مبارك في حديثها لـ(العودة) أنه لا يوجد سند قانوني لما يُعرف بـ”تجميد البلاغات” مشددة على عدم وجود أي سلطة لوزير العدل حيال الدعوى الجنائية.

وقالت إن ما هو معلوم لدى القانونيين هو وجود صلاحيات محددة تتعلق بوقف الدعوى الجنائية وفقاً لما نص عليه قانون الإجراءات الجنائية، مشيرة إلى المادة (58) باعتبارها النص القانوني المنظم للإجراءات المتعلقة بالدعوى الجنائية في هذا الجانب.

وفي ما يتعلق بالإجراءات الخاصة بـ”الحصانة المؤقتة” والتي نسبت رحاب طرحها إلى نبيل أديب في ما يتعلق بالضمانات المقدمة لرئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان اعتبرت أن تلك الإجراءات (عارية من الصحة) ولا تستند بحسب رأيها إلى أي أساس دستوري أو قانوني.

وقالت إن الإجراءات التي أُعلن عنها قوبلت باستهجان وسط عدد من القانونيين، معتبرة أن التعامل مع الدعاوى الجنائية خارج الأطر والإجراءات القانونية المحددة يمثل، بحسب وصفها، عملاً «عشوائياً».

وأكدت رحاب أن رأس الدولة لا يملك سلطة مطلقة للتدخل في الدعاوى الجنائية وأن أي إجراء يتعلق بإيقافها يجب أن يتم عبر الأطر القانونية المنصوص عليها بما في ذلك ما يتعلق بتطبيق المادة (58) من قانون الإجراءات الجنائية.

وشددت على أن القانون لا يعرف منح شخص حصانة مؤقتة بصورة يمكن منحها وسحبها بحسب الظروف أو الترتيبات السياسية، قائلة إن الحصانة لا تُمنح بهذه الكيفية من دون نص دستوري أو قانوني صريح يحدد طبيعتها وأساسها والجهة المخولة بمنحها أو رفعها.

وأضافت أن تصوير الحصانة باعتبارها وضعاً قانونياً مؤقتاً يمكن للشخص أن يرتديه وينزعه متى اقتضت الظروف لا يجد بحسب قولها أي أساس في القانون أو الدستور مؤكدة ضرورة الالتزام بالإجراءات والضمانات التي نصت عليها التشريعات القائمة عند التعامل مع الدعاوى الجنائية وحقوق أطرافها.

ضوابط محددة

 

وقال الأستاذ أحمد سعيد المحامي في حديثه للصحيفة إن قانون الإجراءات الجنائية يمنح النائب العام سلطة وقف الدعوى الجنائية في حالات وضوابط محددة مشيراً إلى أن القانون ينص على أنه يجوز للنائب العام في أي وقت بعد اكتمال التحري وقبل صدور الحكم في الموضوع أن يصدر قراراً مسبباً بوقف الدعوى الجنائية ضد أي متهم، ولا يجوز الطعن في هذا القرار .

وأضاف أن المحكمة عند صدور قرار وقف الدعوى الجنائية تكون ملزمة بوقف السير في المحاكمة واتخاذ الأوامر اللازمة بشأن المتهم والتصرف في المعروضات.

وأوضح سعيد أن النائب العام هو صاحب الاختصاص الحصري بممارسة هذه السلطة وفقاً للتعديلات التشريعية والاستقلال الدستوري للنيابة العامة عن وزارة العدل بموجب قانون النيابة العامة لسنة 2017.

وأشار إلى أن النص الأصلي، قبل التعديلات التشريعية، كان يمنح هذه السلطة لوزير العدل، إلا أن استقلال النيابة العامة وفصلها عن وزارة العدل، وانتقال السلطات والولاية المتعلقة بالدعوى الجنائية والادعاء العام إلى النيابة العامة، جعلا هذه السلطة من اختصاص النائب العام، «حواشياً ونصاً»، بحسب تعبيره.

وبيّن المحامي أن ممارسة سلطة وقف الدعوى الجنائية تخضع لجملة من الشروط والضوابط، أولها التوقيت، إذ يجب أن تُمارس السلطة بعد اكتمال التحري وقبل صدور الحكم النهائي في موضوع الدعوى.

وأضاف أن الشرط الثاني يتمثل في تسبيب القرار، بحيث يصدر قرار وقف الدعوى مسبباً ومبيناً للدواعي القانونية التي تبرره، سواء تعلقت تلك الدواعي بالصلح أو المصلحة العامة أو اعتبارات العدالة.

أما الشرط الثالث فيتعلق بالأثر القانوني للقرار، إذ أوضح سعيد أن القرارات الصادرة بموجب هذه المادة لا يجوز الطعن فيها، وتلتزم المحكمة فور تسلمها قرار الوقف بإنهاء إجراءات المحاكمة واتخاذ ما يلزم بشأن المتهم، بما في ذلك إطلاق سراحه أو اتخاذ القرارات المتعلقة بالتدابير والمعروضات، وفقاً لمقتضيات كل حالة.

وأكد أن سلطة وقف الدعوى الجنائية، وفقاً للإطار القانوني الحالي، أصبحت من السلطات التي يمارسها النائب العام باعتباره الجهة المختصة بالولاية على الدعوى الجنائية والادعاء العام وليس وزير العدل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى